السودان وغزّة في صالون الدوحة الثقافي
شهد الصالون الثقافي في معرض الدوحة الدولي للكتاب تدشين عدد من الإصدارات السودانية، التي تنوعت بين الرواية والكتابة التوثيقية والاشتغال على الواقع الإنساني والاجتماعي. ومن أبرزها رواية (الأحلام المسروقة) للكاتب السوداني أيمن الخير، التي تستلهم واقع الحياة في السودان وتتناول الصراع بين الطموح والواقع في سياق سردي يمزج بين التخييل والواقعية. كما تم تدشين كتاب (دليل المؤلف العربي) للكاتب نفسه، والذي يقدّم مقاربات حول الكتابة وصناعة النص وتجربة التأليف في السياق العربي المعاصر. وفي السياق نفسه، برزت رواية (غبار الأحرار) للكاتبة مي النصف، التي تضيء على الواقع الإنساني في غزة من خلال سرد يركز على تفاصيل الحياة تحت الحرب، إلى جانب رواية (روان ..الطائر الجريح) للكاتبة روضة الرميحي ذات الطابع الوجداني. ويعكس هذا الحضور تنوعًا لافتًا في الموضوعات بين الجرح الإنساني والهمّ المحلي والتأمل الفردي، بما يعكس اتساع المشهد الأدبي العربي داخل المعرض. كما يشير إلى حضور متزايد للأصوات الشابة التي تكتب من قلب التجربة وتعيد قراءة الواقع بأدوات سردية مختلفة.
===
(أحاديثي مع لا أحد).. نصوص تواجه هشاشة الإنسان
صدر حديثًا عن دار نرتقي للنشر والتوزيع كتاب (أحاديثي مع لا أحد) للكاتبة حفصة الهادي، وتم تدشين الكتاب ضمن فعاليات معرض الدوحة الدولي للكتاب، ويقدّم الكتاب رحلة وجدانية عميقة في دهاليز الذات والانكسار، إذ تنسج الكاتبة من “وشوشات العتمة” وصلوات القلب المكتومة نصوصًا أدبية تواجه بها هشاشة الإنسان وانهياراته الداخلية، محوّلة الكسر الذي منحته لها الحياة إلى كتابة نابضة بالألم والأسئلة.
وبأسلوب شعري شفاف، تتنقل حفصة الهادي بين الخيبة والفقد، من البدايات المتعثرة التي تولد في الظلال، إلى قصص الحب التي تنتهي باصطدام قاسٍ مع الحقيقة، وصولًا إلى مواجهة وجعٍ متجدد يتمثل في علاقتها بالصمت وبالأب الغائب الحاضر في الذاكرة.
ولا يكتفي الكتاب بكونه مساحة للبوح أو الرسائل، بل يتحوّل إلى ملجأ لغوي يحتضن الوجع دون شروط، حيث يصبح الحرف رفيقًا، ويغدو النسيان طقسًا للنجاة. ويقترب العمل من كل قارئ اختبر الغربة داخل وطنه، أو حاول البحث عن ملامحه وسط ضجيج الحياة وتبدلاتها.
وتُعد الكاتبة حفصة الهادي من الأصوات الأدبية الشابة التي تميل إلى الكتابة الوجدانية ذات الطابع التأملي، حيث تشتغل على تفكيك التجربة الإنسانية من الداخل عبر نصوص قصيرة مكثفة. يمزج أسلوبها بين اللغة الشعرية والسرد التأملي، مع حضور واضح لموضوعات الفقد والذاكرة والانكسار الداخلي.
جاء كتابها (أحاديثي مع لا أحد) ليعكس هذا الاشتغال الأدبي، مقدّمًا نصوصًا تتقاطع فيها الذات مع الأسئلة الوجودية. ويُعد الإصدار إضافة إلى حضورها في المشهد الأدبي.
===
(ظل الاسم) يحكي قصة (ملك) لمحمود عبد المنعم
شهد جناح دار الريس للنشر والتوزيع في معرض الدوحة الدولي للكتاب توقيع وعرض رواية (ظل الاسم) للكاتب والأخصائي النفسي السوداني محمود عبد المنعم، والتي كانت قد صدرت لأول مرة عام 2023.
وتتناول الرواية قصة (ملك)، الفتاة التي نشأت في دور الإيواء بلا اسم مكتمل أو جذور عائلية واضحة، في رحلة بحث مؤلمة عن الهوية والانتماء داخل مجتمع يثقل كاهل المهمشين بالعزلة والأسئلة القاسية.
ويقدّم العمل معالجة سردية ذات بعد نفسي عميق، مستندة إلى خبرة الكاتب الأكاديمية والميدانية، إذ بدأت الرواية في الأصل كبحث علمي قبل أن تتحوّل إلى نص أدبي يلامس قضايا الأطفال فاقدي السند والرعاية الأسرية.
وعلى هامش التوقيع، عبّر الكاتب عن شكره لدار الريس للنشر والتوزيع، مشيدًا بدورها في دعم الكتّاب والمبدعين واحتضان المشاريع الثقافية والأدبية، مؤكدًا أنها تمثل إضافة حقيقية ومشرّفة لدور النشر في السودان والوطن العربي.
ويعتمد العمل على بناء نفسي داخلي لشخصية “ملك” التي تتحول من مجرد حالة اجتماعية إلى سؤال مفتوح حول معنى الاسم والهوية والوجود.
كما يفتح النص مساحة تأمل في أثر المؤسسات الاجتماعية على تشكيل وعي الأطفال فاقدي السند ومصائرهم اللاحقة.
===
الزمن المصلوب: قراءة في مفهوم العود الأبدي وتمثلاته الأدبية
يصدر قريبًا عن دار الريّس للنشر والتوزيع والترجمة الكتاب الثالث للكاتبة والروائية السودانية إسراء الريس بعنوان (الزمن المصلوب: قراءة في مفهوم العود الأبدي وتمثلاته الأدبية(، وهو دراسة نقدية وفلسفية تنشغل بسؤال الزمن في الفكر والأدب، وتنطلق من قراءة الأساس المفهومي لفكرة “العود الأبدي” عند فريدريك نيتشه، وصولًا إلى تمثلاتها السردية في أعمال ميلان كونديرا.
وكانت الدراسة قد نوقشت في صيغتها الأولى مع ختام العام الدراسي الأول للكاتبة في بيت الفلسفة، تحت إشراف د.علي الحسن، قبل أن تعكف لاحقًا على تطويرها وتوسيعها في محاولة للتعمّق في مفهوم الزمن، ومساءلة تحولات نظرية نيتشه من أطروحة فلسفية إلى بنية سردية وجمالية داخل النص الأدبي الحديث.
وتُعد إسراء الريس من الأصوات الثقافية البارزة في المشهد الأدبي السوداني المعاصر، إذ تنشط في مجالات الكتابة والنشر والتوثيق الثقافي والصوتي والمرئي. وكانت قد أصدرت عام 2024 كتابها القصصي (زقاق الحكايات)، الذي قدّم سرديات مستلهمة من المجتمع السوداني وتحولاته، وشارك في معارض عربية ودولية بينها معرض الدوحة الدولي للكتاب.
كما أسّست وتدير دار الريّس للنشر والتوزيع والترجمة، التي تُعنى بدعم المشاريع الأدبية والتعاون مع الكتّاب والمبدعين، إلى جانب نشاطها في تقديم بودكاست (حِرفة وقِصّة)، المهتم بالحرف اليدوية والقصص الإنسانية المرتبطة بها.
وتمتد اهتمامات الكاتبة إلى التوثيق الثقافي والفني؛ إذ شاركت في تنظيم معارض تشكيلية دولية لتسليط الضوء على قضايا الحرب والنزوح في السودان، كما تواصل كتابة المقالات والقصص القصيرة المعنية بحفظ الذاكرة الشفاهية والتراث السوداني من الاندثار.
===
(قراءات فنية في الشعر المعاصر) للشاعر أحمد شلبي
صدر حديثًا عن (الهيئة العامة لقصور الثقافة) في مصر،كتاب (قراءات فنية في الشعر المعاصر) للشاعر والناقد المصري أحمد شلبي، في عمل نقدي يضيء تجارب متعددة في الشعر المصري المعاصر.
ويضم الكتاب إحدى وعشرين دراسة نقدية تتناول أعمال عدد من الشعراء المصريين، من بينهم: أحمد عنتر مصطفى، محمد أبو دومة، صلاح اللقاني، د. علي الباز، فؤاد طمان، سعد عبد الرحمن، د. فوزي عيسى، إيهاب البشبيشي، رحاب الماحي، أحمد اللاوندي، وانتصار حسن، وغيرهم من الأصوات الشعرية التي أسهمت في تشكيل المشهد الشعري الحديث.
ويقدّم أحمد شلبي في كتابه قراءات فنية وجمالية تتوقّف عند البنية اللغوية والرمزية والإيقاعية للنصوص الشعرية، كاشفًا عن تنوع التجارب والأساليب والرؤى داخل القصيدة المعاصرة، مع اهتمام خاص بتحولات الصورة الشعرية وعلاقة الشعر بالواقع والوجدان الإنساني. ويعكس الكتاب رؤية الناقد أحمد شلبي بصفته مدافعًا عن أصالة القصيدة العربية الكلاسيكية؛ حيث يركز على استكشاف الجماليات الفنية والتقنيات الإبداعية، ويسعى إلى غربلة النصوص والتمييز بين الشعر الحقيقي والتجارب المفتعلة “النصوص الزائفة” في ضوء التراث العربي والتحديث الواعي.
ويُعد أحمد شلبي من الأسماء البارزة في المشهد الثقافي المصري، إذ صدر له عدد من الدواوين الشعرية والأعمال المسرحية، كما نال جوائز أدبية مهمة، من بينها جائزة حسن عبد الله القرشي وجائزة شاعر مصر للرواد، إلى جانب حضور واسع في المؤتمرات والأمسيات الشعرية العربية.
===
(غزّة حليب الآلام) يوثّق التجربة الإنسانية في قطاع غزّة
صدر حديثًا كتاب (غزّة حليب الآلام.. التاريخ الإنساني لبقعة منكوبة) للكاتب والمخرج المسرحي الفلسطيني علي أبو ياسين، وهو عمل يوثّق التجربة الإنسانية في قطاع غزة خلال الحرب عبر سرد قصصي يركّز على التفاصيل اليومية بعيدًا عن الأرقام والإحصاءات.
يتناول الكتاب 12 نصًا وقصة ترصد تحوّلات الحياة في غزة، ومعاناة السكان، خصوصًا الأطفال والنازحين، في ظل القصف ونقص الغذاء وتدهور الظروف المعيشية، مع إبراز الأبعاد النفسية والاجتماعية العميقة التي خلّفتها الحرب.
ويقدّم أبو ياسين معالجة إنسانية تمزج بين الحسّ المسرحي والتوثيق السردي، مستفيدًا من خلفيته الفنية في بناء مشاهد أقرب إلى الشهادة الحية التي تنقل الألم الإنساني بصوته الخام.
ويقع الكتاب في 328 صفحة من القطع الكبير، ويصدر بنصين عربي وإنجليزي، بترجمة أرسين أغازريان وتصميم محمد حسونة، عن مؤسسة روزا لوكسمبورغ في رام الله، ليشكّل شهادة سردية على التجربة الفلسطينية في زمن الحرب.
ويُعدّ علي أبو ياسين من الأصوات الفلسطينية الفاعلة في مجال المسرح والكتابة، حيث يشتغل على توظيف الفنون الأدائية في نقل التجربة الإنسانية الفلسطينية. كما يُعرف بقدرته على المزج بين السرد المسرحي والتوثيق الواقعي في أعماله الإبداعية.
===
مامادو ديوف يكتب (إفريقيا في زمن العالم)
صدر حديثًا كتاب الباحث السنغالي مامادو ديوف بعنوان (إفريقيا في زمن العالم)، وهو عمل نقدي يتناول إشكالية كتابة التاريخ الإفريقي وإعادة تفكيك السرديات الاستعمارية التي هيمنت على الذاكرة التاريخية للقارة لعقود طويلة.
ويطرح الكتاب سؤالًا مركزيًا: من يكتب تاريخ إفريقيا؟، من خلال مقالات تحليلية تتقاطع فيها المقاربات التاريخية والثقافية والسياسية، ساعيًا إلى إعادة إدماج إفريقيا في صلب الكتابة التاريخية العالمية بعيدًا عن الرؤية الأوروبية الأحادية.
ويركّز ديوف في عمله على نقد التصورات الزمنية الغربية، ودور الأدب والسينما في تشكيل الذاكرة الجماعية، إضافة إلى إبراز جهود المثقفين الأفارقة في مقاومة الخطابات المهيمنة وإعادة بناء سرديات بديلة تنطلق من التجربة المحلية والشهادات التاريخية.
ويأتي هذا الإصدار في سياق نقاش متجدد في القارة الإفريقية حول قضايا الاسترداد والتعويضات وإعادة الاعتبار لضحايا الحقبة الاستعمارية.
ويُعدّ الباحث مامادو ديوف من أبرز المؤرخين الأفارقة المعاصرين، حيث يهتم في أعماله بتفكيك السرديات الاستعمارية وإعادة قراءة التاريخ من منظور أفريقي نقدي. كما يجمع بين البحث الأكاديمي والعمل المؤسسي، من خلال مشاركته في لجان رسمية ومشاريع بحثية تهدف إلى إعادة الاعتبار للذاكرة التاريخية للقارة وإبراز أصواتها المهمّشة.
ويُنظر إلى كتابه الجديد باعتباره امتدادًا لمشروعه الفكري الذي يربط بين المعرفة التاريخية والتحولات السياسية والثقافية في العالم المعاصر.
كما يفتح المجال أمام قراءات نقدية جديدة تعيد طرح سؤال العدالة التاريخية داخل السياق الأفريقي والدولي.
===
كريستيان توبيرا: أقرأ كل ليلة منذ سن السادسة
قالت الوزيرة الفرنسية السابقة للعدل كريستيان توبيرا، في حديث لصحيفة فرنسية، إنها لم تنقطع عن القراءة منذ سن السادسة، مؤكدة أن علاقتها بالكتاب تمثل جزءًا أساسيًا من تكوينها الشخصي والفكري.
وأوضحت توبيرا، خلال حوارها مع صحيفة “لاديباش” الفرنسية، على هامش مشاركتها في تظاهرة “ماراثون الكلمات” بمدينة تولوز، أنها لا تتذكر سوى ليلة واحدة توقفت فيها عن القراءة، وذلك في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، بسبب انشغالها بالأحداث الأمنية التي شهدتها باريس في ذلك الوقت.
وأضافت أن حبها للقراءة يعود إلى تأثير والدتها التي غرست فيها قيمة الكلمة منذ الصغر، رغم أنها لم تكن من أهل الثقافة الأكاديمية، مشيرة إلى أن القراءة بالنسبة لها “فعل حرية وتقاسم للعالم”.
وأكدت توبيرا أن المدرسة لعبت دورًا مهمًا في تعزيز شغفها بالقراءة، عبر أساتذة أتاحوا لها اكتشاف كبار الأدباء الفرنسيين مثل فيكتور هوغو وإميل زولا وألكسندر دوما، وهو ما أسهم في تشكيل وعيها الأدبي المبكر.
===
جنوب السودان والحروب الدائمة.. النخبة، الإثنية، الدولة المعطوبة
صدر حديثًا كتاب (جنوب السودان والحروب الدائمة – النخبة، الإثنية، الدولة المعطوبة)، وهو عمل بحثي يتناول جذور الصراعات في جنوب السودان، من خلال قراءة نقدية لدور النخب السياسية في إعادة إنتاج الانقسام وتعميق الهويات الإثنية بوصفها أداة للصراع والهيمنة.
لا يقدم الكتاب سردًا تقليديًا لتاريخ الحروب، بل يسعى إلى تفكيك البنية الفكرية والسياسية التي أسهمت في تحويل الإثنية من رابطة اجتماعية طبيعية إلى وسيلة للصراع السياسي، وما ترتب على ذلك من إضعاف لمشروع الدولة الوطنية.
ويركّز المؤلف على مرحلة ما بعد الاستقلال، حيث اصطدمت آمال بناء دولة قائمة على المواطنة والتنمية بواقع سياسي تحكمه نخب ضيقة أعادت توجيه الصراع نحو خطاب الكراهية والانقسام، على حساب قضايا التعليم والصحة والتنمية.
كما يناقش الكتاب أثر الخطابات الإثنية على الوعي الجمعي، وكيف تُستخدم لإعادة تشكيل إدراك المواطنين عبر ثنائيات “نحن/ هم”، بما يحدّ من التفكير في قضايا العدالة والحقوق، ويُبقي المجتمعات في دائرة الفقر والتبعية.
ويخلص العمل إلى أن أزمات الدولة في جنوب السودان ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة مسارات سياسية يمكن تفكيكها وإعادة النظر فيها، داعيًا إلى بناء مستقبل قائم على المواطنة والعدالة بدلًا من الهويات المغلقة.
===
قراءة في كتاب (جنوب السودان والحروب الدائمة: النخبة، الإثنية، الدولة المعطوبة)
يأتي كتاب (جنوب السودان والحروب الدائمة: النخبة، الإثنية، الدولة المعطوبة) للكاتب السياسي والأكاديمي الجنوب سوداني د.بيتر أدوك نيابا، ترجمة: يدجوك أقويت، والذي صدر عن (دار مكوكو نا نـيـوتا) ومقرها دار السلام، تنزانيا سنة 2019، فيما صدرت النسخة المترجمة إلى اللغة العربية من الكتاب عن (دار ويلوز هاوس للطباعة والنشر)، بوصفه محاولة تحليلية جريئة لفهم مأزق الدولة في جنوب السودان، بعيدًا عن التفسيرات التبسيطية التي تختزل الصراع في بعده الإثني أو القبلي. فالمؤلّف بيتر أدوك نيابا لا يكتفي بسرد تاريخ الحروب، بل يتجه نحو تفكيك البنية العميقة التي أنتجت هذا العنف المستمر، واضعًا النخبة السياسية في قلب المشهد بوصفها الفاعل الأكثر تأثيرًا في إعادة إنتاج الأزمة.
ينطلق الكتاب من فرضية أساسية مفادها أن ما يشهده جنوب السودان ليس صراعًا عفويًا بين جماعات متجاورة، بل هو نتاج علاقة معقدة بين ثلاثية متداخلة: نخبة سياسية انتهازية، وإثنية مُسيَّسة، ودولة هشّة أو “معطوبة”. هذه العناصر لا تعمل منفصلة، بل تتغذى على بعضها البعض، لتنتج حالة دائمة من عدم الاستقرار، وتمنع تشكّل هوية وطنية جامعة.
يعود المؤلف إلى الجذور التاريخية للأزمة، خصوصًا الحقبة الاستعمارية البريطانية، حيث أدت سياسة “المناطق المقفولة” إلى عزل الجنوب عن الشمال، وإعادة تشكيله ثقافيًا وتعليميًا عبر الإرساليات المسيحية. هذه السياسات، بحسب نيابا، لم تنتج فقط اختلافًا إداريًا، بل أسّست لوعي مشوّه قائم على الانفصال النفسي والسياسي، ما جعل بناء الدولة لاحقًا أكثر تعقيدًا.
لكن الجزء الأهم من التحليل لا يتوقف عند الاستعمار، بل ينتقل إلى مرحلة ما بعد التحرير والاستقلال، حيث يرى نيابا أن النخبة الجنوبية فشلت في التحول من عقلية “المقاومة” إلى عقلية “الدولة”. فقد ورثت هذه النخبة خطابًا يقوم على العداء الخارجي، لكنها بعد زوال هذا العدو وجدت نفسها في فراغ سياسي، فتحوّل الصراع إلى الداخل، وانفجرت الانقسامات على أسس إثنية ومصلحية.
ويذهب المؤلف أبعد من ذلك في نقد الحركة الشعبية لتحرير السودان، التي كانت عمود التجربة السياسية والعسكرية في الجنوب. فبدلًا من أن تكون حركة لبناء مشروع وطني، تحولت، بحسب الكتاب، إلى بنية عسكرية مركزية تهيمن عليها شخصنة القيادة، ويغيب عنها التأطير الفكري والمؤسسي. هذا الخلل البنيوي أسهم في إعادة إنتاج السلطة كغنيمة، وليس كمسؤولية وطنية.
وفي سياق أكثر عمقًا، يناقش الكتاب دور الإثنية، ليس بوصفها سببًا للصراع، بل كأداة سياسية يتم توظيفها من قبل النخبة. فالهويات القبلية، وفق هذا التصور، لا تنفجر ذاتيًا، بل تُستدعى وتُستخدم في لحظات الصراع على السلطة والثروة، لتتحوّل إلى وقود دائم للحروب. وهكذا تصبح الإثنية نتيجة للسياسة، لا سببًا لها.
أما الدولة، فيصوغها نيابا بوصفها “دولة معطوبة”، أي دولة غير قادرة على أداء وظائفها الأساسية: الأمن، العدالة، التنمية، والمواطنة. وهي دولة تعيش على الريع النفطي، وتخضع لمنطق المحاصصة والمحسوبية، مما يجعلها عاجزة عن إنتاج الاستقرار أو بناء عقد اجتماعي حقيقي.
ورغم قتامة الصورة، لا يكتفي الكتاب بالتشخيص، بل يلمّح إلى إمكانية الخروج من هذه الحلقة المفرغة عبر إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، وتفكيك احتكار النخبة للسلطة والمعنى السياسي. فالأزمة، في جوهرها، ليست قدرًا تاريخيًا، بل نتاج خيارات سياسية يمكن مراجعتها.
في المحصلة، يقدّم هذا الكتاب قراءة نقدية عميقة لتجربة جنوب السودان، تتجاوز الخطاب الرسمي والإعلامي، وتضع القارئ أمام أسئلة جوهرية حول معنى الدولة، وحدود الهوية، ودور النخبة في صناعة الفشل أو النجاح. إنه عمل يفتح الباب لفهم أوسع ليس فقط لجنوب السودان، بل لحالات عديدة في القارة الإفريقية حيث تتكرّر المعادلة ذاتها: نخبة ضعيفة، دولة هشّة، وهوية مُستثمَرة في الصراع بدل البناء.
نبذة
يُعدّ الدكتور بيتر أدوك نيابا (Peter Adwok Nyaba) أحد أبرز المثقفين والسياسيين في جنوب السودان. ينحدر من قبيلة الشلك (Chollo) في أعالي النيل، وقد برز اسمه مبكرًا ضمن جيل من القادة الذين رافقوا الحركة الشعبية لتحرير السودان في مراحلها التأسيسية.
سياسيًا، انخرط نيابا في العمل النضالي مبكرًا، وانضم إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان (SPLM)، وشارك في الحرب، متعرضًا لإصابة خلال المعارك عام 1986. وبعد اتفاقية السلام الشامل عام 2005، تولّى منصب وزير التعليم العالي والبحث العلمي في حكومة الوحدة الوطنية، ثم أصبح أول وزير للتعليم العالي والعلوم والتكنولوجيا في دولة جنوب السودان بعد الاستقلال (2011–2013).
عرف نيابا بمواقفه النقدية الجريئة تجاه النخبة الحاكمة في جوبا، حيث استقال من الحركة الشعبية احتجاجًا على مسار الصراع والانتهاكات، ووجّه انتقادات حادة لسياسات تقاسم السلطة، معتبرًا أنها لم تُنتج دولة مستقرة أو ديمقراطية حقيقية، بل عمّقت الهشاشة السياسية والانقسام.
ويُعدّ من أبرز المفكرين في جنوب السودان، حيث قدّم إسهامات فكرية مهمة في تحليل أزمة الدولة والهوية بعد الاستقلال. كما يُعرف بكتاباته النقدية التي تجمع بين الخبرة الميدانية والرؤية الأكاديمية.
===
سعيد بوخليط: (بعض تاريخ الصراع الفلسطيني اليهودي: دراسات، حوارات، رسائل)
أصدرت دار ومكتبة أهوار للنشر والتوزيع كتابًا جديدًا للباحث والمترجم سعيد بوخليط بعنوان (بعض تاريخ الصراع الفلسطيني اليهودي: دراسات، حوارات، رسائل). ويقع الكتاب في نحو 536 صفحة، ويضمّ دراسات وحوارات ورسائل تتناول الصراع الفلسطيني اليهودي من زواياه التاريخية والإيديولوجية، مع التركيز على تطور المشروع الصهيوني وتداعياته السياسية والإنسانية منذ عام 1948 وحتى عملية طوفان الأقصى.
كما يستعرض العمل أبرز المحطات التاريخية في القضية الفلسطينية، مستندًا إلى قراءات وتحليلات لعدد من المفكرين والكتّاب، من بينهم غسان كنفاني، إدوارد سعيد، محمود درويش، جان جينيه، كارل ماركس، إدغار موران، فدوى طوقان، وجيل دولوز، وغيرهم. ويأتي هذا الإصدار من الباحث والمترجم سعيد بوخليط ضمن مشروعه الفكري الذي يهتم بإعادة قراءة التاريخ السياسي والفكري للصراع في المنطقة، عبر تجميع مواد بحثية وحوارات ومراسلات تكشف تعدد المقاربات النقدية وتطور الخطاب حول القضية الفلسطينية في الفكر العربي والغربي المعاصر.
ويُعدّ بوخليط من الباحثين المهتمين بالدراسات الفكرية المقارنة، حيث تنفتح أعماله على تقاطعات الفلسفة والتاريخ والسياسة في معالجة القضايا الإشكالية المعاصرة.
ويعكس هذا الكتاب امتدادًا لاهتمامه بتوثيق وتحليل الخطابات المرتبطة بالصراع الفلسطيني ضمن رؤية نقدية شاملة. كما يعتمد الكتاب منهجًا تجميعيًا يزاوج بين الوثيقة والتحليل، في محاولة لتقديم قراءة مركّبة لتاريخ الصراع بعيدًا عن السرديات الأحادية.

Leave a Reply