كلمة العدد: بشارة يوسف.. الكلمة في زمن الانقسام

صحيفة الهدف

كلمة(ملفِّ الهدف الثقافي) لهذا العدد نُخصِّصُها للاحتفاءِ بالكلمة..
في زمنٍ تتنازعُ فيه البلادُ جراحُ الحرب، ويتكاثفُ فيه الاحتقانُ القبلي حتى يهدّد ما تبقّى من نسيجٍ اجتماعيٍّ هش، لا تبدو الكتابة ترفًا ثقافيًا ولا تمرينًا معرفيًا يسيرًا، بل غدوًا أخلاقيًا خالصًا: محاولةً لإبقاء المعنى حيًّا وسط ركام الانقسام، واستعادةً لحقّ الإنسان في أن يُفهَم لا أن يُختزل، وأن يُرى لا أن يُشوَّه.
ومن هنا، فإن تخصيص افتتاحية هذا الملف الثقافي للاحتفاء بكتاب (إضاءات من التاريخ الاجتماعي والثقافي للزغاوة) للكاتب والباحث بشارة يوسف، لا يأتي بوصفه احتفاءً بإصدارٍ جديد، بل باعتباره اعترافًا بقيمة الفعل الثقافي حين يتحوّل إلى جسرٍ ضدّ التنافر، وإلى مساحةٍ بديلةٍ للحوار في وجه ضجيج الاحتراب والاصطفاف.
ففي يومٍ ثقافيٍّ دالٍّ، شهدت مدينة كمبالا تدشين هذا الإصدار الصادر عن دار عزة للطباعة والنشر، في فعاليةٍ جمعت نخبةً من الباحثين والمهتمين، وتحوّلت إلى ما يشبه الحوار المفتوح حول الذاكرة والهوية والمعنى. كان التدشين لحظةً رمزيةً لاستدعاء سؤال السودان الكبير: كيف يمكن للمعرفة أن تُرمّم ما تصدّع في الوعي، وأن تعيد وصل ما انقطع بين المكونات الاجتماعية؟
يأتي هذا الكتاب في زمنٍ تتكثّف فيه الحاجة إلى كتابةٍ مختلفة؛ كتابةٍ لا تُعيد إنتاج الصور النمطية، ولا تكتفي بتسجيل الوقائع، بل تنحاز إلى الفهم من الداخل، وإلى الإنصات للتجربة الإنسانية في عمقها اليومي. وفي هذا السياق، يغدو مشروع بشارة يوسف أقرب إلى ممارسة مقاومة ثقافية هادئة، تقف ضدّ التشويه، وضدّ الإساءة، وضدّ التنابذ، وتراهن بدلًا عن ذلك على المعرفة بوصفها طريقًا للتعايش، وعلى الكلمة بوصفها بديلًا للعنف، وعلى الحوار بوصفه شرطًا لبقاء الوطن ممكنًا.
يتناول الكتاب تاريخ الزغاوة وثقافتهم ولغتهم (البِرِي) وبنيتهم الاجتماعية، عبر مقاربة تنفتح على التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية: من أنماط الزواج والمهور، إلى الفزع والتكافل، ومن الأمثال والحِكم الشعبية إلى الفروسية والطقوس والذاكرة الشفاهية. لكنه لا يفعل ذلك بوصفه أرشفة جامدة، بل بوصفه محاولة لإعادة الحياة إلى ما تمّ تهميشه أو اختزاله داخل قوالب جاهزة وصور نمطية مشوّهة لمكوّن قبلي كبير.
وفي تقديمه للعمل، أشار د. قاسم نسيم إلى أن المؤلف يشتبك مع المسلّمات أكثر مما يكررها، ويعيد مساءلة ما استقرّ طويلًا في المخيال الاجتماعي دون فحصٍ كافٍ، مما يمنح الكتاب طابعه النقدي إلى جانب بعده التوثيقي، ويجعله أقرب إلى تفكيكٍ هادئ للبنية الثقافية لا مجرد وصفٍ لها.
ولا تنفصل أهمية هذا الإصدار عن السياق السوداني الراهن، حيث تتعرّض الذاكرة الجمعية لضغط الحرب، وتتآكل فيه مساحات المشترك لصالح خطاب الانقسام. في مثل هذا الزمن، يصبح فعل التوثيق الثقافي نوعًا من حماية المستقبل من العمى، ومنعًا لتحوّل المجتمعات إلى صورٍ متنازعة بلا ذاكرة مشتركة.
إن ما يقدّمه هذا العمل لا يقتصر على دراسة مكوّنٍ اجتماعي بعينه، بل يمتدّ ليعيد طرح سؤال الوحدة في صيغةٍ أعمق: وحدةٌ لا تُفرض بالشعار، بل تُبنى بالفهم؛ ولا تُصنع بالإلغاء، بل بالاعتراف المتبادل بالحق في الاختلاف.
وفي ضوء ذلك، يغدو هذا الكتاب وثيقةً معرفيةً وإنسانيةً في آنٍ معًا، تُسهم في إعادة بناء الجسور بين المكونات السودانية، وتعيد الاعتبار لفكرة أن التنوّع ليس تهديدًا، بل مصدرُ ثراءٍ حين يُفهم ويُدار بالحوار لا بالخصام.
ومن هنا، فإن تخصيص افتتاحية هذا الملف الثقافي له ليس مجرد اختيارٍ تحريري، بل موقفٌ من الكلمة ذاتها: الكلمة التي تقف ضدّ التشويه، وضدّ الإساءة، وضدّ التنابذ، وتفتح بدلًا عن ذلك أفقًا أوسع لفهم الذات السودانية بوصفها كيانًا متعدّدًا، متداخلًا، ومفتوحًا على إمكانية التعايش.
إنه كتابٌ لا يوثّق للزغاوة وحدهم، بل يضيء جزءًا من الذاكرة السودانية الجمعية، ويذكّر بأن الطريق إلى وطنٍ أكثر اتساعًا يبدأ من المعرفة لا من الإنكار، ومن الحوار لا من الإقصاء، ومن الاعتراف المتبادل لا من الصراع.
وفي النهاية، يبقى المعنى الأهم: أن الكلمة حين تُصان، يمكن أن تكون وطنًا صغيرًا يحتمل الجميع، وأن مستقبل المجتمعات لا يُصنع في لحظات الانفجار، بل في تلك المساحات الهادئة التي تُفضّل فيها الفكرة على الرصاصة، والإنسان على الخصومة، والحوار على الصمت القسري.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.