الجنوب أقل حظًا والشمال متهم.. من الذي قرر هذه القصة؟

صحيفة الهدف

د. حنان الهادي

أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع، ليس التهميش نفسه، بل أن يقتنع الناس أن الجغرافيا هي السبب.

في كل مرة نسمع فيها عن الفقر، عن ضعف الخدمات، عن غياب التنمية… يتكرر نفس التفسير السريع: “هو الجنوب” وكأن الجنوب وُلد أقل حظًا.
لكن في نفس الوقت، يظهر خطاب آخر لا يقل خطورة: “الشمال هو المتهم”.
وهنا، تُبنى قصة كاملة مقلقة.
جنوبٌ مهمش… وشمالٌ مسؤول.
لكن… هل الأمر بهذه السهولة فعلًا؟

الجنوب ليس قدرًا… والدليل من حيث لا نتوقع.
قبل أن نُسلّم بهذه الفكرة، لننظر إلى أماكن أخرى.
في ألمانيا، الجنوب ليس فقط متقدمًا… بل يقود الاقتصاد. إقليما بادن-فورتمبيرغ وبافاريا
يُعدان من أقوى مناطق أوروبا:
* جامعات من الأفضل عالميًا
* نظام صحي عالي الجودة
* متوسط رواتب أعلى
* بنية تحتية متقدمة
* صناعات كبرى وشركات عالمية
بل وحتى في الرياضة، نجد نادي بايرن ميونخ أحد أقوى أندية العالم… ينتمي إلى هذا الجنوب وهنا، لا يمكن تجاهل حقيقة مهمة:
“Bildung ist der Schlüssel zur Freiheit.” (مقولة ألمانية تعني ان التعليم هو مفتاح الحرية.)

في الصين، مدن الجنوب تقود الابتكار. في كوريا الجنوبية، تحولت من دولة مدمرة إلى نموذج عالمي.
إذن الجنوب ليس مشكلة. فإذا لم يكن الجنوب هو المشكلة… فمن؟

لنقترب أكثر من واقعنا. في السودان، يبدو المشهد مختلفًا.
جنوب جنوب السودان انفصل بعد سنوات طويلة من الحرب.
جنوب جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق ظلّت مناطق صراع وتهميش.
في مصر، الجنوب أقل حظًا في الخدمات.
وفي اليمن، يحمل الجنوب تاريخًا معقدًا من التفاوت والصراع.
هنا، يبدو وكأن القاعدة صحيحة. لكنها ليست كذلك، بل نمط يتكرر لأسباب محددة.

القصة الحقيقية هي المركز… لا الجنوب.
فالمشكلة لا تبدأ من الجنوب، بل من مكان آخر. المركز، حيث تُتخذ القرارات، تُدار الموارد، تُرسم الأولويات. فكلما اقتربت من هذا المركز، اقتربت من الفرص وكلما ابتعدت، بدأ التفاوت.
وهنا، تبرز حقيقة عميقة عبر عنها، John Rawls في مقولته الشهيرة فقال:
“The accident of birth is not a moral achievement.” تعني ان الصدفة التي نولد بها… ليست إنجازًا أخلاقيًا. أي أن مكان ولادتك لا يجب أن يحدد مستقبلك.

عندما يتحول التهميش إلى صراع، فالمناطق التي لا تُسمع، لا تُمثَّل ولا تُخدَم، لا تبقى صامتة إلى الأبد فمع الوقت، تتحول المطالب إلى توتر… ثم إلى صراع. لهذا، لم تكن الحروب في هذه المناطق صدفة. بل نتيجة تراكم طويل من الإهمال. ثم تأتي الحلقة الأخطر؛ فالتهميش يولد صراعًا والصراع يعمّق التهميش. وهنا، لا يعود الأمر محليًا فقط بل “الظلم في أي مكان… تهديد للعدالة في كل مكان.” (مارتن لوثر كينغ)

في كثير من هذه المناطق، معادن في الأرض وتحتها، أراضٍ زراعية وموارد طبيعية، لكن قيمتها تُدار في مكان آخر، فنرى ثروات في الأرض وفقر فوقها، فتبقى الأرض غنية… والإنسان مهمش.

الأخطر من كل ذلك… حين يصبح التهميش فكرة داخلية، يبدأ الإنسان في تصديق القصة. يقتنع أن منطقته أقل وفرصه محدودة وهنا، لا يصبح التهميش مفروضًا فقط… بل مُعاد إنتاجه.

لكن… ماذا عن “الشمال المتهم”؟
في السودان، لا تقف القصة عند “جنوب مهمش” فقط. بل يظهر تعبير آخر: “شمالي”.
كلمة جغرافية… تحولت في بعض الخطابات إلى هوية… ثم إلى اتهام.
لكن… هل “الشمالي” قبيلة؟
شمال السودان ليس كتلة واحدة، ولا مجتمعًا متجانسًا، ولا حتى متساويًا في الفرص.
فيه تنوع كبير، وفيه مناطق تعاني من ضعف الخدمات وقلة الموارد.
ومع ذلك، يُختزل أحيانًا في صورة “مركز القوة”.

فالخلط يفسد كل شيء. نخلط بين من يحكم… ومن أين جاء.
نخب وصلت إلى السلطة من خلفيات مرتبطة بالشمال الجغرافي، لكن هذا لا يعني أن كل من ينتمي لهذه الجهة يمتلك السلطة… أو يستفيد منها. السلطة في كل الدول لا تمثل الجغرافيا، بل دوائر محدودة من النفوذ.

عندما تتحول الجغرافيا إلى اتهام، نعالج الخطأ بخطأ ونقع في نفس الفخ ونستبدل تهميشًا… بتهميش.
فبدل أن نسأل: كيف تُدار الدولة؟ نسأل: من أين جاء الحاكم؟
فنحمّل منطقة كاملة مسؤولية قرارات لم تتخذها.
السؤال الذي يجب أن يُطرح ربما لم تكن المشكلة يومًا في “أين”، بل في “كيف”.
كيف تُوزَّع السلطة؟
كيف تُدار الموارد؟
كيف تُبنى الفرص؟

فما الحل؟
الحل ليس جغرافيًا… بل تنموي عادل
* توزيع عادل للاستثمار
* بناء أكثر من مركز تنموي
* ربط الموارد بالمجتمعات المحلية
* الاستثمار الحقيقي في التعليم
* تغيير الخطاب العام

عبر التاريخ، لم تتغير خرائط الدول فقط، بل تغيرت مراكز القوة داخلها.
مناطق كانت يومًا على الهامش، أصبحت في قلب الاقتصاد. ليس لأنها غيّرت موقعها على الخريطة، بل لأنها غيّرت موقعها في القرار.

ليس الجنوب هو المشكلة… ولا الشمال هو الحل. المشكلة دائمًا في من يملك القرار وكيف يستخدمه.

فحيثما وُجد القرار العادل… وُجدت التنمية وما عدا ذلك، مجرد اتجاهات على الخريطة.

تظل الحقيقة أن الجنوب ليس أقل حظًا… بل أقل حضورًا في القرار.
وكذلك الشمال… ليس امتيازًا جغرافيًا، بل مجرد جهة وُضع عليها عبء السلطة وتهمتها معًا

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.