آفاق التكامل اللوجستي في السودان.. الممر (جنوب السودان – بورتسودان)

صحيفة الهدف

محمد شريف

إن التحولات الدراماتيكية التي يشهدها الاقتصاد العالمي والجغرافيا السياسية في العقود الأخيرة، فرضت على الدول المحورية ضرورة إعادة صياغة مفاهيمها حول البنية التحتية، فلم يعد النقل مجرد وسيلة لتحريك البضائع، بل أصبح يشكل العمود الفقري لتعظيم القيمة المضافة، ومحركًا أساسيًا للسيادة الاقتصادية. وفي هذا السياق، تأتي التجارب الدولية الحديثة في مجال التكامل اللوجستي – ومنها ما أعلنته الشركة السعودية للخطوط الحديدية الخطوط الحديدية السعودية (سار) بالتعاون مع قطاعات الموانئ والنقل البحري – لتقدم نموذجًا يحتذى به في دمج أنماط النقل المختلفة في منظومة واحدة متكاملة.

هذا النموذج يفتح الباب واسعًا أمام التساؤلات حول إمكانية استنساخه وتطويره في السودان عبر تفعيل ممر استراتيجي يربط جنوب السودان بميناء ميناء بورتسودان، باعتباره شريانًا لوجستيًا قادرًا على خدمة اقتصاد الإقليم بأكمله، لا سيما دولة جنوب السودان. يقوم هذا التصور على دمج النقل النهري عبر مجرى النيل الأبيض من أعالي النيل حتى كوستي، ثم التحويل المباشر إلى النقل السككي نحو الميناء على البحر الأحمر، في نموذج متكامل للنقل متعدد الوسائط يجمع بين كفاءة النقل المائي وانضباط النقل الحديدي.

إن هذا التكامل المقترح لا يمثل مجرد حل فني لمشكلة نقل، بل هو تحول استراتيجي في بنية الاقتصاد الوطني، إذ يتيح تقليل تكلفة الطن/كيلومتر مقارنة بالنقل البري التقليدي، الذي يستهلك الطرق ويخضع لتقلبات الوقود والتأمين والمخاطر التشغيلية. كما أن اعتماد الحاويات كوعاء نقل موحد يعزز من انسيابية الحركة ويقلل الفاقد الزمني في نقاط التحويل.

وتتجلى الأهمية الاستراتيجية لهذا المشروع في كونه أداة لترسيخ موقع السودان كبوابة لوجستية لدول الجوار الحبيسة، وعلى رأسها جنوب السودان. فربط جوبا ببورتسودان عبر هذا الممر يمنح السودان ميزة تنافسية يصعب مجاراتها إقليميًا، خاصة إذا ما تم تطوير ميناء كوستي وتحويله إلى محطة لوجستية متقدمة تعمل كنقطة تجميع وتوزيع للحاويات قبل انتقالها إلى الخط الحديدي.

إن نجاح هذا النموذج يتطلب تطوير البنية التحتية الرقمية بالتوازي مع المادية، من خلال أنظمة تتبع الشحنات، وإدارة سلاسل الإمداد، وتقليل التدخل البيروقراطي عبر منصات موحدة، بما ينسجم مع متطلبات الاقتصاد العالمي الحديث الذي يقوم على السرعة والشفافية وتقليل زمن العبور في الموانئ.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن تفعيل الخطوط الوطنية للنقل، بما في ذلك السكك الحديدية والخطوط البحرية السودانية، يسهم في تعزيز الأمن الاقتصادي عبر تقليل الاعتماد على الشركات الخارجية، والحفاظ على جزء معتبر من النقد الأجنبي داخل الدورة الاقتصادية الوطنية. كما أن تشغيل السكك الحديدية بطاقتها القصوى في نقل الحاويات سيؤدي إلى تحسين كفاءتها التشغيلية وتحقيق استدامة مالية على المدى المتوسط، عبر عقود نقل طويلة الأجل مع جنوب السودان والقطاعات الإنتاجية المختلفة.

ولا يقتصر الأثر على المستوى القومي فقط، بل يمتد إلى إعادة إحياء المدن الواقعة على خط السكة الحديد مثل سنار، ود مدني، وعطبرة، لتتحول إلى مراكز لوجستية وصناعية مساندة، تستفيد من حركة البضائع العابرة ومن فرص التصنيع الخفيف والخدمات اللوجستية.

غير أن تحقيق هذه الرؤية يتطلب إصلاحًا مؤسسيًا عميقًا، يقوم على إنشاء هيئة وطنية عليا للتكامل اللوجستي تتولى التنسيق بين النقل النهري والسككي والبحري، وتعمل على توحيد التعرفة والإجراءات التنظيمية. كما يتطلب الأمر استثمارات جادة في تأهيل الخطوط الحديدية، وتعميق المجاري الملاحية في النيل الأبيض، وتحديث أسطول النقل، بما يواكب متطلبات التجارة الإقليمية والدولية.

إن نجاح السودان في تبني هذا النموذج لن يعزز موقعه اللوجستي فحسب، بل سيعيد تعريف دوره الجغرافي والاقتصادي في الإقليم، محولًا الجغرافيا من عامل تحدٍ إلى أداة نفوذ وتنمية. وبهذا تصبح ميناء بورتسودان ليس مجرد منفذ بحري، بل نقطة ارتكاز في شبكة تجارة إقليمية تمتد إلى عمق القارة الإفريقية.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.