ماجد الغوث
ما نراه اليوم من إحجام أصحاب البصات السفرية عن العمل ليس مجرد أزمة وقود أو ندرة قطع غيار، بل هو إعلان صريح عن تآكل الدولة في شرايينها الحيوية. الطرق التي شُيّدت لتكون جسورًا للتنمية، تحولت في ظل الفوضى الحالية إلى مصائد موت، ومنصات لتمويل غير رسمي تحت مسميات متعددة تتصل بالعبور والحماية.
أولًا: هندسة الانهيار.. من الكشط إلى النهب
في الأدبيات الهندسية نتحدث عن عمليات الصيانة مثل الكشط Milling وإعادة الرصف عبر الرقع Patching للحفاظ على انسياب الحركة وسلامة الطريق. لكن ما يحدث اليوم هو عكس ذلك تمامًا؛ فالكشط الحقيقي لم يعد في الإسفلت، بل في جيوب المواطنين وأصحاب العمل.
البص السفر، الذي كان يمثل واجهة حضارية للنقل بين المدن، أصبح فريسة سهلة على طرق تفتقر لأدنى معايير السلامة. وقد استُبدلت المواصفة الفنية بالمواصفة القسرية؛ فبدلًا من صيانة الحفر، تتم “صيانة الارتكازات”، وبدلًا من استخدام طبقة الربط الأسفلتي Tack Coat، بات الربط يتم عبر فوهات البنادق التي تفرض واقعًا من الخوف والهيمنة.
ثانيًا: اقتصاد الحرب.. الجباية كبديل للدولة
المشكلة لم تعد أمنية فقط، بل تحولت إلى نموذج اقتصادي قائم على الابتزاز. كل نقطة تفتيش أصبحت وحدة جباية مستقلة، وكل طريق قومي صار مشروعًا خاصًا لتحصيل الرسوم غير الرسمية. يدفع الناقل عند الخروج، ويدفع عند المرور، ويدفع عند الوصول، ثم يُسأل بعد ذلك: لماذا ارتفعت قيمة التذكرة؟
الدولة التي تعجز عن حماية الطريق تفقد تلقائيًا حقها الأخلاقي في فرض الرسوم عليه. فالجباية دون خدمة ليست إدارة دولة، بل إعادة تدوير للفوضى في شكل إيصالات لا تعني شيئًا في ميزان الأمان.
وقد أدى ذلك إلى:
– تآكل وحدة السوق وعزل المدن اقتصاديًا واجتماعيًا.
– تحويل التنقل بين المدن إلى مغامرة غير مضمونة العواقب، قد لا يعود منها السائق ولا البضاعة.
ثالثًا: عربات الغنائم.. شرعنة المنهوب
كيف لصاحب بص ملتزم بالضرائب والتراخيص والصيانة الدورية أن ينافس أسطولًا من عربات النهب القادمة من مناطق النزاع؟ تلك العربات التي لا تعرف أورنيكًا ولا ترخيصًا، تجوب الطرق بين المدن، محملة بآثار الحرب، ويقودها من تداخلت عنده الحدود بين القانون والغنيمة.
إن انتشار هذه العربات في الأسواق لا يمثل مجرد ظاهرة نقل، بل يعكس تمدد اقتصاد الحرب الذي يبتلع الاقتصاد الرسمي تدريجيًا. وهي تنقل معها ثقافة الانهيار: غياب القانون، وشرعنة المنهوب، وتحويل الاستثناء إلى قاعدة.
رابعًا: النزوح الصامت لرأس المال
ما يحدث اليوم يدفع رأس المال إلى الانسحاب بصمت. أصحاب البصات لا يعلنون إفلاسهم، لكنهم يتراجعون تدريجيًا: يبيعون الأساطيل، يوقفون التشغيل، أو يحولون استثماراتهم إلى مجالات أقل خطورة. فالاقتصاد لا يموت بانفجار مفاجئ، بل يموت عندما يفقد المستثمر رغبته في الاستمرار، وعندما يصبح تشغيل الأصل أكثر كلفة من تركه متوقفًا.
الخلاصة المرة
البنية التحتية ليست إسفلتًا وجسورًا فقط، بل أمن وقانون وخدمات مرافقة. وكل هذه العناصر انهارت معًا. وحتى لو أُعيد سفلتة الطرق غدًا، فإنها لن تعود إلى الحياة ما لم تعد الدولة نفسها؛ لأن التنمية لا تسير فوق الإسفلت وحده، بل فوق الاستقرار والثقة.
إحجام شركات النقل هو إضراب قسري ضد واقع يفرض الجباية ولا يوفر الحماية. وما نخسره اليوم ليس الطرق فحسب، بل الفكرة التي قامت عليها الدولة: أن يكون هناك وطن يمكن الوصول إليه بأمان.

Leave a Reply