معركة البقاء: كيف تعثرت 216 مليون درهم داخل بنك تملكه الدولة؟

صحيفة الهدف

بورتسودان: عوض الله نواي

المشهد الأول: البداية من داخل الخزنة

في عالم البنوك تبدو الأرقام هادئة دائمًا؛ جداول مرتبة، تقارير دورية، وخانات مالية تتحرك بصمت داخل أجهزة الحاسوب وغرف الاجتماعات المغلقة. لكن خلف بعض الأرقام تختبئ قصص أكثر تعقيدًا، تبدأ بتمويلات ضخمة وتنتهي بأسئلة ثقيلة حول المال العام والنفوذ والصمت المؤسسي.

هذا التحقيق يستند إلى وثائق مصرفية داخلية، ومكاتبات رسمية، ورسائل إلكترونية، وإفادات متقاطعة تتعلق بملف التمويلات المتعثرة المرتبطة بمجموعة شركات رجل الأعمال عمر عثمان النمير داخل بنك النيلين، البنك المملوك للدولة السودانية بنسبة 100%.

وتكشف الوثائق أن إجمالي الالتزامات القائمة على شركات مرتبطة بالنمير بلغ 216,711,791.96 درهم إماراتي، منها 212,456,339.96 درهم مصنفة كديون متعثرة، بينما لم تتجاوز المخصصات المرصودة 93,375,869.66 درهم فقط.

هذه الأرقام تطرح سؤالًا مباشرًا: كيف استمر هذا الحجم من التعثر لسنوات طويلة داخل بنك حكومي دون حسم نهائي؟

الوثائق تشير إلى أن الأزمة لم تكن حادثًا مفاجئًا أو خسارة عابرة، بل مسارًا طويلًا من التمويلات والتسهيلات وإعادة الجدولة والتأجيل، حتى تحول الملف إلى واحدة من أكبر قضايا التعثر المرتبطة بمجموعة شركات واحدة داخل بنك حكومي سوداني. وفي تقديرنا، فإن أولى الإشارات الخطيرة تتمثل في تضخم حجم التمويل الممنوح دون الوصول إلى نقطة إيقاف واضحة، ما خلق تركزًا ماليًا عالي المخاطر داخل مؤسسة مملوكة للدولة.

المشهد الثاني: شركة واحدة تبتلع الجزء الأكبر

وفق التقرير الداخلي، استحوذت شركة إس إم إم آي للمقاولات وحدها على أكثر من 113 مليون درهم، أصبح منها أكثر من 111 مليون درهم متعثرًا. وهذا يعكس خللًا جوهريًا في إدارة المخاطر، لأن تحول التمويل شبه الكامل إلى تعثر يشير إلى ضعف في التقييم الائتماني أو استمرار في التمويل رغم ظهور مؤشرات خطر مبكرة.

أما شركة النعمة للتجارة العامة فقد بلغت التزاماتها أكثر من 60 مليون درهم، منها نحو 59 مليون درهم متعثرة، بينما أظهرت شركة فيض النعمة للتجارة العامة تعثرًا شبه كامل في التمويل الممنوح لها.

وعادة، عند بداية التعثر، تقوم البنوك بتشديد الرقابة أو تقليص التسهيلات أو تفعيل الضمانات. لكن المستندات تشير إلى أن الملف استمر لسنوات دون إجراءات حاسمة، ما يفتح سؤالًا حول أسباب تأخر التحصيل، وهل لعبت اعتبارات خاصة دورًا في تعطيل الإجراءات القانونية.

المشهد الثالث: أخطاء الضمانات وإعادة الجدولة

من أخطر ما يكشفه الملف طبيعة الضمانات المقدمة مقابل التمويلات؛ إذ تشير البيانات إلى رهونات وعقارات وأراضٍ ومزارع، لكن استمرار التعثر بهذا الحجم يثير تساؤلًا مهنيًا: هل كانت هذه الضمانات قابلة للتسييل فعلًا، أم أنها كانت ضمانات اسمية تفوق قيمتها الحقيقية؟

وفي تقديرنا، تمثل أحد الأخطاء الجوهرية في الإفراط في إعادة الجدولة كحل دائم بدل الحسم المبكر، إذ تتحول إعادة الجدولة المتكررة دون معالجة حقيقية إلى تأجيل للاعتراف بالخسارة بدلًا من استرداد الأموال.

المشهد الرابع: خطاب النفوذ

ضمن المستندات، ظهرت رسالة إلكترونية من عمر عثمان النمير إلى مجلس إدارة بنك النيلين وإدارته التنفيذية، حملت لغة تصعيدية واضحة. تحدث فيها عن إجراءات قانونية داخل السودان والإمارات، ولوّح بامتلاكه معلومات حول مخالفات داخل البنك، وذكر أنه “يعلم كل صغيرة وكبيرة داخل البنك”، متوعدًا بفتح قضايا واسعة.

هذه الرسالة تكشف انتقال الملف من نطاقه المصرفي إلى مساحة الضغط والنفوذ، بدل أن يبقى ضمن إطار قانوني/مالي طبيعي قائم على السداد أو التسويات.

المشهد الخامس: الخوف داخل البنك

وفق إفادات حصلت عليها وكالة One Press، فإن الاقتراب من الملف داخل البنك لم يكن سهلًا على الموظفين. بعض العاملين تجنبوا الإدلاء بأي معلومات خوفًا من الدخول في صدام مع شبكة مصالح معقدة أحاطت بالقضية لسنوات.

وهنا يظهر خطر آخر لا يقل أهمية عن التعثر المالي نفسه: تحول المؤسسة إلى بيئة خوف بدلًا من أن تكون بيئة رقابية. وعندما يغيب السؤال والمراجعة، تتراكم الأخطاء وتضعف الحوكمة.

المشهد السادس: عندما وصلت التهديدات إلى الصحافة

مع بدء وكالة One Press العمل على التحقيق، بدأت الضغوط تمتد خارج المؤسسة. ووفق المعطيات المتوفرة، تعرض فريق التحقيق لتهديدات مباشرة وغير مباشرة، تضمنت محاولات ترهيب لمنع استمرار العمل.

كما تؤكد الوكالة أن مديرها العام تعرض لاعتداء داخل سوق بورتسودان من قبل أحد المرتبطين بالقضية، بعد بدء جمع المعلومات، ما أدى إلى فتح بلاغ جنائي تحت المادة (144)، ولا تزال الإجراءات مستمرة.

المشهد السابع: المال العام لا يختفي دفعة واحدة

الأموال العامة لا تضيع عبر حدث واحد، بل تتآكل تدريجيًا: تمويل كبير، ثم إعادة جدولة، ثم تأجيل، ثم صمت إداري، حتى تتحول في النهاية إلى “تعثر” داخل تقرير مصرفي.

لكن خلف كلمة “تعثر” تبقى الأسئلة الأهم: من منح التمويل؟ من راقب؟ من تأخر في التحصيل؟ ومن سمح ببقاء أكثر من 212 مليون درهم خارج خزينة بنك تملكه الدولة كل هذه السنوات؟

هذا التحقيق لا يصدر أحكامًا نهائية، لكنه يضع الوقائع والأرقام أمام الرأي العام، لأن القضية لا تتعلق بعميل متعثر فقط، بل بمفهوم الرقابة والمساءلة داخل مؤسسات الدولة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.