عادل أحمد محمد
السودان اليوم يعيش واحدة من أغرب المفارقات الاقتصادية في تاريخه؛ الدولة منهكة، الحرب لم تنتهِ، البنية التحتية مدمرة، ومع ذلك هناك من يتحدث عن بداية “تعافٍ اقتصادي”.
السؤال الحقيقي ليس: هل توجد حركة في الأسواق؟
بل: هل هذه الحركة تعني تعافيًا فعليًا؟
الجواب القاسي: ليس بعد. الاقتصاد لا يتعافى بالصدفة، فأي اقتصاد يحتاج إلى ثلاثة أشياء أساسية:
1/ أمن
2/ مؤسسات تعمل
3/ ثقة في المستقبل
السودان الآن لا يملك أيًّا من هذه العناصر الثلاثة. نعم، بعض الأسواق عادت، نعم، التجار رجعوا إلى الخرطوم، نعم، هناك حركة تحويلات وبيع وشراء واستيراد، لكن هذه ليست نهضة اقتصادية؛ هذه مجرد غريزة بقاء.
الشعب السوداني تعود تاريخيًا على التأقلم مع الكوارث، ولذلك ترى الأسواق تعمل حتى تحت القصف أحيانًا. الاقتصاد الشعبي يقاوم، لكن الدولة الاقتصادية ما تزال تنزف.
الحرب لا تدمر المباني فقط
أخطر ما دمرته الحرب ليس الجسور ولا المصانع، بل الثقة. المستثمر لا يدخل بلدًا لا يعرف من يحكمه بعد ستة أشهر، والبنك لا يمول مشاريع في بيئة غير مستقرة، ورجل الأعمال لا يغامر بأمواله بينما الكهرباء والإنترنت والطرق والموانئ مهددة في أي لحظة.
حتى السودانيون أنفسهم أصبحوا يحولون مدخراتهم إلى:
– الدولار
– الذهب
– عقارات خارج السودان
وهذه علامة خطيرة جدًا؛ فعندما يفقد المواطن ثقته في عملة بلده يبدأ الاقتصاد بالدوران خارج النظام الرسمي.
لكن هناك نافذة صغيرة رغم كل هذا؛ لا يمكن إنكار أن السودان ما يزال يملك عناصر قوة ضخمة:
– الذهب
– الزراعة
– الثروة الحيوانية
– الموقع الجغرافي
– سوق داخلي كبير
– ملايين السودانيين بالخارج القادرين على ضخ تحويلات واستثمارات
المشكلة ليست في الموارد؛ السودان غني جدًا على الورق، لكن المشكلة دائمًا كانت:
– الإدارة
– الفساد
– الصراع على السلطة
– غياب الاستقرار
ولهذا فإن أي تعافٍ قبل نهاية الحرب سيكون محدودًا ومؤقتًا، إلا إذا حدث اتفاق سياسي حقيقي يضمن استقرارًا طويلًا يسمح بعودة الإنتاج والمصارف والاستثمار.
الحقيقة التي لا يحب السياسيون سماعها
لا توجد دولة تخوض حربًا داخلية مفتوحة وتبني اقتصادًا قويًا في الوقت نفسه.
قد تنشط التجارة غير الرسمية، وقد ترتفع المضاربة، وقد يربح بعض تجار الأزمات، لكن الاقتصاد الحقيقي – الصناعة، الزراعة، التصدير، الوظائف، التعليم، البنوك – يحتاج دولة مستقرة، لا دولة معلقة بين الجبهات.
الخلاصة
السودان اليوم لا يعيش “تعافيًا اقتصاديًا”، بل يعيش محاولة شعب كامل للبقاء حيًا اقتصاديًا رغم الانهيار.
وهذا فرق هائل.
التعافي الحقيقي لن يبدأ مع عودة الأسواق فقط، بل عندما يعود:
– القانون
– الاستقرار
– والإحساس بأن الغد يمكن التنبؤ به
بدون ذلك، سيظل أي تحسن مجرد هدنة قصيرة داخل أزمة طويلة.

Leave a Reply