حياة العنابر

صحيفة الهدف

سهل الطيب

العنبر بتاع المستشفى بتتشكّل فيهو الحياة بطريقة مختلفة. بتتهدم فيهو الرصّة المتعودين عليها وبتتبني من جديد. بنكون قاعدين على هاوية أو جرف ما بين الحياة والموت ونظرتنا للحاجات بتختلف. ما خوف من الموت لكن نظرة مختلفة لتفاصيل حياتنا. بتنبت علاقات جديدة وتنمو بطريقة عجيبة.
أمي الله يرحمها رقدت معاها في العنبر العام ونشأت بيناتنا لغة جديدة وهي لغة “القرصة”. كانت حالتها الصحية العامة ما بتسمح ليها بالكلام الكتير والفارغ، وكنت بكون قاعد جمبها في السرير وبحس بيها مدّت أصابعها وقرصتني. القرصة بتعني حاجة واحدة بس “إنتبه”. بزيد درجة انتباهي وبرفع رقبتي أشوف الحاصل شنو. أثناء ما بجول بنظري بشوف واحدة من جاراتها ومعاها المرافق بتاعها متحيرين وماسكين روشتة. برفع يد أمي برفق وأقوم حيلي عشان أفتعل معاهم قصة وهمية وأقنعهم بأنو الدواء دا بالتحديد مجاني بس هم مابعرفوا يعملوا الإجراءات بصورة صحيحة. بلفح الروشتة وأمرق بيها شارع الدكاترة وغالبا المبلغ بكون زهيد جدًا لكنو مشكلة للمساكين ديل، وأمي رغم مرضها متيقظة تمامًا لحالتهم المادية المتعثّرة.
نحنا برضو كنا بنعاني من براعة الزوار الكانو بتفنّنوا يختوا لينا قروش ويزلقوها تحت المخدّة أو نلقاها صدفة مبتكرة جمب كراع سرير المستشفى. كنت بحالة مادية جيدة جدًا إننا نمشي الجناح الخاص والغرف المكيّفة، لكن الوالدة كانت حسمت أمرها وأعلنت كراهيتها إنها ترقد في غرفة براها وكراهيتها المعروفة مسبقًا لأجهزة التكييف وانعدام نوافذ الهواء الطبيعي.
كانت لما تحس بطعم العافية بتنخرط في الونسة مع صاحباتها في العنبر. حتى الطبيب لما يدخل العنبر تلقاهو شغال مع المريضات ويتونس ويشاغل دي ويشاكل ديك، وأول ما بخش العنبر تلقى الحياة دبّت والونسة اشتغلت.
حاجة بتول ولدها التقط روشتة ونزل الشارع وهو مستعجل، اتلافتو حافلة المواصلات لكن في الزمن الضايع واتلقى مهروس تحت اللساتك وفي حالة وفاة مؤكّدة. واحد من المرافقين شافو وجا العنبر كلم أخوهو بالحاصل. لحدي ما يجي مرافق بديل بقيت أنا وأخواتي سادين خدمة مع حاجة بتول الكانت حالتها متأخرة شوية ونايمة.
تاني يوم جوا إخواتها وحاولن يخفن بواقي الدموع والتأثّر والفجيعة المُرّة. حاجة بتول بدت تتعافى وتفتح عيونها وتستطلع الأحوال. كانت مركّزة مع أمي، وأمي كانت داسة وشّها منها. بقت تركّز معاي وكأنها عندها سؤال حائر من غير إجابة. كانت دقائق وكأنها عمر كامل. كانت راقدة بتعاين للسقف. لأول مرة عنبرنا يكون صاني بالطريقة دي. سهام الممرضة الضحّاكة الجنّها مشاغلة جات مارّة سريع قدامها.
حاجة بتول قالت لي إخواتها البقن مرافقات ليها بدل أولادها: “مالكن ساكتات زي البوم داسات مني شنو”. انفلتت دمعة ودمعتين والاكتاف اهتزّت، وفي اللحظة دي حاجة بتول اتلفتت لأمي وقالت ليها: “يا الحاجة الصبر سمح لكن ما كنت قايلة منتصر ولدي يسبقني للموت.. منتصر ولدي من ما ولدتو ما حصل رقدتا عيانه وصحيت ما لقيت يدي شايلة في يدو.. ما حصل نمت عيانة وما صحيت بيهو.. لو بقيت نصيحة وشالتني نومة وصحيت متأخرة بلقاهو قاعد جمبي وماسك يدي خاتيها فوق وركو.. ما محتاجة زول يوريني إنو مات، يكفي أكون راقدة في المستشفى واصحي في العنبر وألقى يدي مجدوعة في السرير.. منتصر ولدي وولد حشاي ما بغيب يومين إلا كان راقد في القبر”.
اليوم داك كلنا بكينا، عيانين ومرافقين ودكاترة وممرضين. حاجة بتول صبرت لحدي ما خرجوها بعد تلاتة أيام. متذكّر بعد ما اتخرّجنا نحنا وفكّينا الجبص بتاع الوالدة مشينا ليهم في البيت. تلاتة أسابيع من ما اتخرّجت حاجة بتول، ولما دخلنا عليهم اتجدّد البكا التقول المرحوم لسه واقع تحت لساتك الحافلة. جوا الجيران جاريين ومستغربين في البكا الانفتح فجأة ولقونا نحن: ولد صبي ومعاه أمو، اتنين غرباء ما في زول بيعرفهم.
قربت أقول ليهم: نحنا غرباء بالنسبة ليكم، لكن بالنسبة لي حاجة بتول وللمرحوم المات تحت لساتك الحافلة معروفين جدًا. معروفين لأننا عشنا مع بعض حياة مختلفة اسمها حياة العنابر.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.