كلمة العدد: نزيفُ المبدعين في زمن الحرب

صحيفة الهدف

في الأزمنة الآمنة تزهر الأرواح، ويكتب المبدع نصَّه كما لو أنه يزرع نافذةً جديدةً للضوء في جدار العالم. فالإبداع ليس فعلًا معزولًا عن الحياة، بل هو ابنةُ المكان، وصدى الناس، وخلاصةُ التفاصيل الصغيرة التي تتشكّل منها ذاكرة الوطن. من الشوارع، والمقاهي، وأغنيات الباعة، وضحكات الأطفال، وارتباك المدن، يولد الفن الحقيقي، وتنبض القصيدة، وتتشكّل اللوحة، ويكتمل اللحن.
لكن الحرب، حين تهبط بثقلها على البلاد، لا تكتفي بخراب البيوت والطرقات؛ إنها تبدأ أولًا بتجريف الروح نفسها. فالوطن الذي كان مصدر الإلهام يتحوّل إلى مساحة طاردة، ويغدو المبدع منشغلًا بالنجاة أكثر من انشغاله بالحلم، وبالبقاء أكثر من انشغاله بالكتابة.
لهذا لم تكن العبارة الشهيرة: «عندما أسمع كلمة ثقافة أتحسّس مسدسي» مجرّد جملة عابرة، بل توصيفًا دقيقًا لعلاقة الحروب بالوعي. فالحرب تدرك أن الثقافة هي آخر ما يحمي الإنسان من التحوّل إلى كائن خائف بلا ذاكرة، ولذلك يكون المبدعون دائمًا في مرمى الخراب، لأنهم حرّاس المعنى والجمال والضمير.
لقد دفعت الحرب السودانية آلاف المبدعين إلى المنافي دفعًا؛ موسيقيون حملوا آلاتهم كأنهم يحملون ما تبقّى من البلاد، وتشكيليون تركوا ألوانهم تواجه غبار المدن المحترقة، وشعراء وروائيون وقصاصون غادروا قبل أن تنطفئ جذوة اللغة في أرواحهم، فيما تفرّقت فرق المسرح، وتبدّد صخب المنتديات الثقافية، وخفتت الأصوات التي كانت تمنح الحياة بعض توازنها الإنساني.
والمأساة الأكبر ليست فقط في رحيلهم، بل في السؤال الذي يتركه هذا الرحيل خلفه: كيف يمكن للفنان أن يبدع بعيدًا عن ترابه؟ وكيف يتشكّل جيل جديد من المبدعين بلا معايشة يومية، بلا احتكاك حيّ، بلا تلك العدوى الجميلة التي تنتقل من جيل إلى آخر عبر اللقاء، والمشاهدة، والتجربة، وتفاصيل الحياة المشتركة؟
إن استمرار الحرب يعني استمرار هذا النزيف الثقافي والإنساني معًا. يعني مزيدًا من العازفين الذين يفقدون صلتهم بإيقاعات “الجراري” و”الكمبلا” و”المردوم” و”الدلوكة”، ومزيدًا من الروائيين الذين تبتعد عنهم أصوات الحواري والأسواق واللهجات، ومزيدًا من التشكيليين الذين تتسرّب من لوحاتهم روح المكان ودفء الذاكرة.
فالإبداع حين يُقتلع من بيئته لا يموت فورًا، لكنه يدخل في عزلة باردة؛ يتحوّل تدريجيًا إلى حنينٍ أكثر منه تجربة حيّة، وإلى استذكارٍ للأمكنة بدلًا من معايشتها. ولهذا كانت الحروب، عبر التاريخ، عدوًا مباشرًا للفنون، لأنها لا تقتل البشر وحدهم، بل تقتل شروط الحياة التي تجعل الإنسان قادرًا على الغناء والحلم والتخيّل. وقد عبّر كثير من المبدعين السودانيين عن مواقف مشرّفة ضد هذه الحرب، ووقفوا في الصف الأخلاقي الذي يليق بدور المثقف الحقيقي. فالمثقف ليس زينةً اجتماعية، ولا شاهدًا محايدًا على الخراب، بل هو ضمير المجتمع حين يختلّ الميزان، وصوته حين يصبح الصمت خيانةً للإنسان.
لكن السودان اليوم يحتاج إلى ما هو أبعد من البيانات العابرة والمواقف الموسمية. يحتاج إلى مبادرات ثقافية حيّة، وإلى جبهة أخلاقية واسعة يقودها الفنانون والكتّاب والمسرحيون والموسيقيون، جبهة تدافع عن حق الناس في الحياة، وعن حق الأجيال القادمة في أن تجد وطنًا صالحًا للحلم.
إن مسؤولية المبدعين اليوم لا تتوقف عند الكتابة عن الحرب، بل تبدأ من العمل على إنهائها، واستعادة الوطن الذي منحهم لغتهم الأولى، وأغنياتهم الأولى، ودهشتهم الأولى. مسؤوليتهم أن يعيدوا فتح الطريق أمام الحكايات، وأمام المعايشة، وأمام ذلك النبض الإنساني الذي تصنع منه الأمم ذاكرتها ومستقبلها.
فالحرب قد تتحسّس مسدسها كلما سمعت كلمة ثقافة،
لكن المثقف الحقيقي يتحسّس ضميره أولًا..
ثم يمدّ يده لينقذ وطنًا كاملًا من السقوط في الهاوية.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.