خارج الصندوق

صحيفة الهدف

د.الشيخ فرح
#ملف_الهدف_الثقافي
شاكر أخي الأكبر، لا أدري كيف أصفه، لكن أصدقاءه المقربين يصفونه بالإنسان الخيالي. كنت ادافع عنه بأنه يفكر خارج الصندوق. لا أعلم كيف خطرت لي فكرة الصندوق، فاقتنعوا بالفكرة. ولكن ما حدث منه جعلني أفتح الصندوق وأضعه بداخله، ثم أغلق عليه الصندوق. نحن أربعة أخوة، ليس لدينا أخت، مما جعل بيتنا صحراء قاحلة، ليس فيه نسمة لطفٍ ولا زهرة حنان، رغم محبتنا القوية لبعضنا البعض، والتصاقنا الشديد بأمي وأبي. قال شاكر ذات مرة واصفًا حالنا:
نحن كالبيت الذي به أربعة مراوح، لكن ليس فيه مكيّف.
ضحكنا جميعًا لوصفه لنا بالمراوح.
لكن غياب الاخت ظهر أثره في أمي، فقد تجاوزت الستين من عمرها، وما زالت تقضي جُل وقتها في المطبخ. تعلمنا ترتيب سرايرنا بعد جهدٍ جهيدٍ، لكننا لم نتعلم أبدًا إعداد الطعام.
قال شاكر ذات مرة:
– لو ماتت أمي لا قدّر الله، سنموت بعدها جوعًا.
ذهب اخواني وأمي وأبي لمناسبة زواج إبن عمي في مدينة بعيدة. لم أذهب معهم لظروف امتحانات الجامعة، ولم يذهب شاكر لأنه كان مصابًا بالملاريا.
رجعت من المذاكرة مع صديقي عند منتصف الليل، ونسيت أن أحضر العشاء كما أوصاني شاكر. دخلت المنزل، فوجدته ينتظرني. قلت له:
– لم تنم بعد؟
قال وهو يمسك بطنه:
– أنتظرك لأتعشى وأخذ حبوب الملاريا.
قلت له متأسّفًا:
– نسيت إحضار العشاء.
جلس في منتصف السرير، واضعًا رأسه بين يديه.
تناهى إلى سمعنا صوت مايكرفون يصدح بصوت فنان بدأ في الغناء، وكان الصوت قريبًا جدًا.
قال شاكر وهو يبتسم:
– أذهب إلى العرس، واحضر لنا عشاءً، فأنت تعرف كل المدينة.
تذكرت تفكيره خارج الصندوق، فابتسمت.
وضعت كتبي، وغيرت قميصي، وخرجت.
ولكن فوجئت بشاكر يلحقني مسرعًا بالشارع وهو يصيح:
– بالله عليك، ما تخت شطة في الأكل، بطني كعبة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.