مصفوفة كالنمارق

صحيفة الهدف

منتصر منصور

أحدّثكم عن الزمن: أهو امرأة بلا صوت؟ أم عن الحب والخسارة أم عن الفراق؟ في كل الأحوال يوقظني الصباح بمنبّه ما، يناديني صوت: يا سيد.. هل أنا مكبّل بالهيئة لألتفت؟

#اضغط_الرابط_في_أول_تعليق:

في السادسة والعشرين من عمري، يتدفق الزمن من بين قدمي. المشي والركض والملاحقة.. كأنني إطفائي. المأساة والمتعة تتركانني رجلًا نحيلًا، مختلفًا، لكنني مقبول في عينيها. أراها تعبر الشارع، يناديها بائع الخضار: نمارق. يلزمها بعض الحروف لتصيح فيه، لكنها كانت تملك ابتسامة دافئة، وغيرها يملك الكثير، غير أنها أقوى أمام صفاتٍ محجوزة للإناث، وقلقٍ محبوس لدى الذكور.

أنا رجل صامت، وهي طاهية ممتازة. هي متعلمة وأنا ممتن. يصعب التصديق أنها تقترن بشخص مثلي. كان والدها يمنع الحياة بلا شريك، ولذا وافق على زواجها مني. لم يكن لديها استفسار أو سؤال حيالي. صائد سمك، صائد يراعات أو صائد عصافير.. شيء أفعله وأعيش منه، ولا أضع شعرًا مستعارًا، لكن شاربي خفيف، ولا أتناول اللحوم كثيرًا؛ هي ليست متعةً أشتهيها وأخضع لها.

يسألها بائع الخضار عن الفتى الذي يعمل معي: هل هو إثيوبي؟

في التلفاز مجموعة من الشبان يهتفون، فتاة تبلّل طرحتها بالماء وتحمل علمًا صغيرًا، ورجل عجوز يرسم علامة النصر. نمارق ترقص خلف غسيل الأواني. أيّ إيقاع يدور في رأسها يا تُرى؟ بعض أصحاب الأذهان في هذا الحي يضعون أهدافًا في أيام العطل: نظافة الشارع، حرق الأوساخ، وحمل قدر كبير للجامع يحتوي على البليلة وحافظة شاي..

غازلتها بحورية البحر، لكنها نجمة كبيرة. بالنسبة لصياد بسيط مثلي أحصل على ما أريده، لكن هل تعرف كيف تشتاق إليّ؟ أظنها مهتمة. ثمة مفهوم جديد اتفقنا عليه: عندما أقول لها “أنا أشتاق إليك” أقطع زهرة بيضاء. لكنها فاجأتني بزهرة حمراء بعد سنتين من إنجاب أول طفل، فأدركت أنها ترغب في أن نمارس الحب.

صار لدينا طقس سري لا يدركه أبناؤنا، لكن ابنتي الوحيدة كانت تعلم برموزنا الرومانسية، بينما يتعجّب الولدان من قدرتنا على التواصل. منزلنا كله غرفة واحدة مقسومة إلى مطبخ وتارة استراحة. هي ليست دليلة التي جعلت شمشون يغفو، لكنها كانت تقصّ لي شعري دائمًا. كنت سعيدًا بهذه اللحظة، فهي من اللحظات التي تنكفئ عليّ بوجهها فأقبّلها ثم أعانقها جالسًا.

صوت بائع الخضار يعلو الحائط، ويبدو أنه جلب مزمارًا. تضع الحنّاء بعد الظهر وتصنع القهوة، تحبها خفيفة وأحبها ثقيلة كالغجر. أساعدها، أدغدغها فتضحك. ماذا لو انعدمت الحنّاء؟ هل ستتحوّل إلى حورية بحر؟ في النافذة عصفور يبني عشّه، وبائع الخضار ذو الصوت المتسلّل. أجلس كغبي على قفا الجدار. يطير العصفور حين تطلّ من النافذة.

تشير بأصابعها بثلاثة أصابع. هناك سبب للاعتقاد بأن الرجل المزمر ذكي. هل يعقل أنه يفهم زوجتي أكثر منّي؟ لو كان لها صوت لكان طريًا حلوًا، يقول لها: هذا الخسّ طري مثل صوتك، والطماطم ناعمة كهمستك. تبتسم له حين يمسح على ظهر الطماطم، ينفض ورق الخس بلطف المناديل. أبتسم لوقاحته وألعنه. يضحك فيقول: يا لها من امرأة طيبة.. أنت تملك كنزًا يا صديقي.

تناديني ابنتي وقت الغداء، أطلب منها ومن شقيقيها أن ننتظر قليلًا حتى تفرغ نمارق من طقس حنائها. ننتظر. فتكور لقمة وتحشرها في فمي. يضحك الشقيان كأن صنارة غمزت واصطادتني. أقول لها مداعبًا: ليست كلقمة نمارق.

أشعر أنها تتبرم. العصفور هجر العش، والنافذة خالية رغم أنني كل يوم أضع له حبة خبز. أسألهم عنه فيقولون: أكله القط. حسنًا.. عليّ أن أخبر نمارق بذلك لئلا تغضب وتظن أنني نسيت.

تقول ابنتي بعد ملل: والدي، كم مرّة عليّ أن أخبرك أن نمارق رحلت قبل خمس سنوات؟

#السودان #ملف_الهدف_الثقافي #صحيفة_الهدف #أدب #قصة_قصيرة #منتصر_منصور #سرد #نمارق #ذكريات #فقد #ثقافة #Sudan #Literature #ShortStory #ArabicLiterature

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.