ندى أوشي
ليس من اليسير الاقتراب من سيرةٍ مثل سيرة عوض بابكر إبراهيم محمد البصير دون أن يتداخل في الكتابة شيءٌ من الامتنان الممزوج بالدهشة؛ فبعض القامات لا تُروى بوصفها سيرة فرد، بل بوصفها طبقة من ذاكرة أمة. هو ليس اسمًا في سجل الإعلام، بل حضورٌ يتجاوز المهنة إلى المعنى؛ صوتٌ إذاعيٌّ مألوف كنبض الذاكرة، وباحثٌ يمشي بين النصوص كمن يعيد ترتيب الزمن، وعاشقٌ استثنائي لتراثٍ اسمه “حقيبة الفن”، حتى غدا واحدًا من حرّاسه الكبار وسدنته الذين أقاموا بينه وبين النسيان سورًا من الوفاء والمعرفة.
#اضغط_الرابط_في_أول_تعليق:
وُلد عوض بابكر عام 1955م في الكدرو، في بيئةٍ سودانيةٍ مشبّعة بتعدّد الجذور والامتدادات؛ تنحدر أسرته من قبيلة المحس في شمال البلاد (جزيرة بدين)، قبل أن ترحل عبر الجغرافيا الاجتماعية إلى توتي ثم شمبات، حيث تداخلت مع قبيلة الجموعية، في نسيجٍ إنسانيٍّ واسع أسهم في تشكيل وعيه الأول بالهوية بوصفها كائنًا حيًا لا ثابتًا. هناك، بين البيوت والحواري والذاكرة الشفاهية، بدأ وعيه يتلمّس أن الثقافة ليست زينة، بل طريقة وجود.
تلقى تعليمه في مدارس الكدرو ثم الخرطوم بحري، وصولًا إلى المدرسة الثانوية، وهناك تفتّحت أمامه أولى نوافذ الفن، خاصة عبر صلته بعالم فنان الحقيبة عوض شمبات، ما جعلله يقترب مبكّرًا من ذلك الإرث الغنائي بوصفه ليس فنًا فقط، بل أرشيفًا وجدانيًا للأمة.
ثم جاءت لحظة التكوين الأعمق عام 1977م حين التحق بمعهد الموسيقى والمسرح (كلية الدراما والموسيقى لاحقًا)، ودرس التمثيل والإخراج، متخرّجًا عام 1981م. لم تكن الدراسة مجرد تحصيل علمي، بل كانت إعادة تشكيل للعين التي ترى، والأذن التي تسمع، واللغة التي تحكي. ومن هنا تشكّل صوته لاحقًا في الإذاعة بوصفه صوتًا يفكك الأغنية لا ليعرضها فقط، بل ليكشف طبقاتها: سياقها، شعرها، اجتماعها، وظلها الإنساني العميق.
بدأ عمله في الإذاعة السودانية عام 1981م بقسم الإخراج، مشاركًا في برامج ثقافية ودينية، قبل أن ينتقل إلى إذاعة (صوت الشعب) عام 1983م، حيث قدّم برنامج (أصل وفصل)، الذي كان بمثابة تمرين مبكّر على مشروعه الأكبر: قراءة الأغنية السودانية كوثيقة ثقافية لا كمنتج فني عابر. ثم جاءت اللحظة المفصلية حين ارتبط اسمه ببرنامج (حقيبة الفن) في إذاعة أم درمان منذ 1985م، ليبدأ فصلٌ جديد من علاقة رجلٍ بذاكرة وطن.
هناك، في فضاء الأثير، لم يعد عوض بابكر مجرد مذيع، بل صار أشبه بـ “ذاكرة ناطقة” تمشي بين النصوص وتوقظها من سباتها؛ يستدعي الشعراء من غيابهم، ويعيد بناء الحكايات التي تكسرت في ممرات الزمن، ويمنح الأغنية حقّها في أن تُفهم لا أن تُسمع فقط. لم يكن يقدّم المادة الغنائية كترفيه، بل كأثرٍ تاريخي يحمل ملامح مجتمعٍ كامل، وتحوّلاته، وقلقه، وبهائه.
وامتد حضوره خارج الإذاعة إلى مساحات أوسع؛ فقد قدّم برامج متعدّدة مثل (ألحان زمان)، (النيل السماحة)، (أغنيات في الوجدان)، (آخر الكلام)، (صدر المحافل)، (على موج الأثير)، كما خاض تجربة مختلفة في برنامج (شنو الهكر) عبر إذاعة FM 100 حيث أعاد عبره إحياء مفردات الحياة السودانية القديمة، محوّلًا الأشياء اليومية إلى ذاكرة حيّة تتكلم بلغة الحنين والمعنى.
لم يكن مشروع عوض بابكر المعرفي منفصلًا عن تطوير الذات؛ إذ تلقى دورات في الإخراج الإذاعي بسوريا، والتوثيق والمكتبات في ماليزيا، إضافة إلى تدريب في الإدارة. كما يجيد العزف على العود والكمان، في امتداد طبيعي لشخصية ترى الفن بوصفه لغة شاملة لا تنقسم إلى تخصّصات. وقد ارتبط بعلاقات وثيقة مع رموز الغناء السوداني مثل خضر بشير وبادي محمد الطيب ومصطفى سيد أحمد، ليس بوصفه متلقيًا فقط، بل بوصفه شاهدًا وموثّقًا ورفيقًا لتجاربهم، ما عمّق موقعه داخل الذاكرة الموسيقية السودانية.
لكن جوهر تجربته لا يكمن في كل هذا التنوّع، بل في تلك الفكرة المركزية التي حكمت مسيرته: أن الغناء ليس زينة الحياة، بل وثيقة وجود، وأن ضياعه هو شكل من أشكال فقدان الذات. من هنا تحوّل مشروعه إلى فعل مقاومة للنسيان، وإلى محاولة دؤوبة لإبقاء الذاكرة حيّة داخل الحاضر.
إن الاحتفاء به ليس احتفاءً بشخص، بل باختيارٍ أخلاقي وفكري نادر: أن تكون شاهدًا على الذاكرة لا مستهلكًا لها، وأن تتحوّل من ناقلٍ للغناء إلى حارسٍ لمعناه. هو نموذج للمثقّف الذي لا يقف خارج النص، بل يعيش داخله، ويعيد إنتاجه كل مرّة كما لو أنه يُنقذ العالم من النسيان.
إجمالًا، يظل عوض بابكر علامة على أن في هذا العالم أصواتًا لا تُسمع فقط، بل تُصغي إلى نفسها عبر الزمن؛ وأشخاصًا لا يروون التراث، بل يُقيمون فيه كحُرّاسٍ للمعنى. ولهذا يواصل، بهدوء العارف وعمق العاشق، مهمته الكبرى: أن تبقى حقيبة الفن حيّة، لا كأثرٍ من الماضي، بل كنبضٍ مستمر في وجدان السودان.
#السودان #عوض_بابكر #حقيبة_الفن #ملف_الهدف_الثقافي #صحيفة_الهدف #تراث_سوداني #أدب #فن #إذاعة_أم_درمان #توثيق #ثقافة_سودانية #Sudan #Music #Culture #Heritage

Leave a Reply