راما عبد الله
في البدء كانت الحكاية لا تُكتب على الورق بقدر ما كانت تُؤدّى على خشبة الحياة نفسها، هناك في بروكلين حيث وُلد إيدي ميرفي عام 1961م، بين أحياءٍ متواضعةٍ فقد فيها الأب باكرًا، فكبر الطفل وهو يتعلّم أن الضحكة ليست ترفًا بل وسيلة للبقاء. وفي بيئةٍ اجتماعية قاسية نسبيًا على الشاب الأسود في أمريكا، حيث تتداخل الفوارق الطبقية مع الصور النمطية في الإعلام والسينما، بدأ ميرفي مبكرًا في بناء وعيه الفني بوصفه أداةً للوجود لا مجرد وسيلة للترفيه؛ فالكوميديا عنده لم تكن نكتة عابرة، بل إعلان حضور.
منذ سنواته الأولى في الستاند أب داخل النوادي الليلية في نيويورك، كان واضحًا أن الأمر يتجاوز الموهبة إلى كاريزما كاملة. كان يقلّد الأصوات، ويحوّل الشخصيات اليومية إلى مسرح صغير، ويختبر ردود فعل الجمهور كمن يكتشف حدوده وحدود العالم في آنٍ واحد. ومع بداية الثمانينيات، جاءت اللحظة الفاصلة عبر برنامج Saturday Night Live، حيث لم يكن مجرد إضافة جديدة إلى الطاقم، بل تحوّل سريعًا إلى العمود الفقري لمرحلة كاملة من البرنامج، مع شخصيات أعادت الحياة إليه وجعلته ظاهرة تلفزيونية يتابعها الملايين أسبوعيًا داخل الولايات المتحدة وخارجها.
هذا الانتشار لم يكن مجرد نجاح إعلامي، بل لحظة تحول في تمثيل الفنان الأسود في الثقافة الأمريكية. فقد كان ميرفي من أوائل من كسروا فكرة “الدور المحدود” داخل الكوميديا البيضاء التقليدية، وفرضوا أنفسهم كنجوم شباك، قادرين على قيادة أعمال ضخمة تجاريًا وفنيًا في آن واحد.
في منتصف الثمانينيات، انتقل إلى السينما، وهناك بدأ فصل جديد من الصعود العالمي، مع فيلم Beverly Hills Cop الذي لم ينجح فقط في شباك التذاكر، بل رسّخ فكرة أن البطل الأسود يمكن أن يكون مركز الفيلم التجاري الأول في هوليوود دون تنازل. ثم جاء Coming to America ليقدّم فيه ميرفي أحد أكثر أدواره تعقيدًا، حيث جسّد أكثر من شخصية داخل الفيلم الواحد، في عمل جمع بين السخرية الاجتماعية والتأمل في الهوية والطبقة والعرق، ليصبح الفيلم لاحقًا علامة ثقافية تتجاوز حدود الكوميديا.
وفي The Nutty Professor قدّم أداءً لافتًا عبر تعدد الشخصيات باستخدام تقنيات المكياج والأداء الجسدي، ما جعلله نموذجًا للممثل الذي لا يكتفي بالشخصية الواحدة بل يعيد اختراع نفسه داخل العمل ذاته. ثم جاءت مرحلة الألفية الجديدة لتؤكد حضوره العابر للأجيال، خاصة عبر الأداء الصوتي لشخصية (دونكي) في Shrek، حيث تحوّلت الشخصية إلى أيقونة عالمية يتابعها الأطفال والبالغون على حد سواء، لترسخ فكرة أن حضوره لم يعد محصورًا في لون أو جمهور أو جيل.
وبالتوازي مع مسيرته الفنية، أصبح إيدي ميرفي أحد أبرز الوجوه التي فتحت الباب أمام جيل كامل من الفنانين السود في هوليوود، ليس فقط من حيث التمثيل، بل من حيث امتلاك القوة التجارية والقدرة على قيادة المشاريع الكبرى. وقد ساهم نجاحه في إعادة تشكيل صورة الفنان الأسود من “الدور المساعد” إلى “النجم المركزي”، وهو تحوّل لم يكن سهلًا داخل صناعة طويلة التاريخ من التفاوت العرقي.
وفي مساءٍ احتفاليٍّ بمسرح دولبي في لوس أنجلوس الأسبوع الماضي، كان المشهد أشبه بصفحة أخيرة في فصل طويل من الحكاية. هناك، منح معهد الفيلم الأمريكي American Film Institute النجم إيدي ميرفي جائزة (إنجاز العمر)، تقديرًا لمسيرة تمتد لأكثر من خمسة عقود، لم يكن فيها مجرد ممثل كوميدي يتابعه الملايين، بل كان ظاهرة ثقافية عالمية أعادت تعريف معنى النجومية في الكوميديا الحديثة.
على المسرح، بدا ميرفي كأنه يستعيد الزمن كله في لحظة واحدة. قال مازحًا إنهم يجعلونك تنتظر طويلًا حتى تصبح كبيرًا جدًا لتحصل على هذه الجائزة، ثم أطلق ابتسامة تجمع بين السخرية والامتنان، مشيرًا إلى أن بعض كبار المكرّمين قبله نالوا الجائزة في أعمار متقدمة، وكأن الزمن نفسه يعيد ترتيب اعترافاته متأخرًا.
في القاعة، كان الحضور يشبه خريطة تأثيره الممتدة: دايف شابيل، كيفن هارت، مارتن لورنس، وغيرهم ممن رأوا فيه أكثر من ممثل، بل مدرسة كاملة في الكوميديا الحديثة، ورمزًا فتح المجال أمام الفنانين السود ليصبحوا جزءًا من صناعة القرار الفني والجماهيري، لا مجرد وجوه في الخلفية.
ومع تصفيق طويل امتد في القاعة، بدا واضحًا أن الحكاية لم تكن عن ممثل فحسب، بل عن رجل صنع لنفسه مكانة وسط صناعة شديدة التنافس، ونجح في أن يتحول من طفل في بروكلين يكتشف صوته، إلى نجم عالمي يتابعه الملايين، ويعيد تعريف الكوميديا الأمريكية على مدى أكثر من نصف قرن، في رحلة امتزج فيها الفن بالهوية، والضحك بالنجاة، والنجاح بالتحوّل الاجتماعي العميق.
وتأسّس معهد الفيلم الأمريكي عام 1967م، وتُعد جائزة (إنجاز العمر) من أرفع تكريماته، وقد سبق أن نالها كبار صناع السينما مثل توم هانكس وميريل ستريب وجون فورد، ليُضاف اسم إيدي ميرفي اليوم إلى قائمة الرموز الخالدة في تاريخ السينما العالمية.
#السودان #ملف_الهدف_الثقافي #صحيفة_الهدف #إيدي_ميرفي #هوليوود #سينما #كوميديا #إنجاز_العمر #فن #ثقافة #EddieMurphy #Hollywood #Cinema #AFI

Leave a Reply