بيدَ أنّ

صحيفة الهدف

د.الشيخ فرح

يحكي صديقي سعيد عن عبدالمقصود كاتب العرائض وقصصه الطريفة التي لا تنتهي مع الزبائن، ومواقفه التي لا يمكن نسيانها.

والعرائض هي طلبات تُرفع إلى قضاة الأحوال المدنية، متضمّنة مظلمة أو قضية، ويُسمّى كاتب هذه العرائض قديمًا بكاتب “العرضحال”، والاسم كناية عن كاتب حال المراجع وقضيته. تُكتب بصيغة شكوى قانونية تمهيدًا لعرضها على القاضي. وغالبًا ما يتميّز كاتب العرائض بالخط الجميل والأسلوب السلس، ولديه معرفة بالمواد القانونية لكثرة عرضها عليه؛ فيكتب الحالة في سياق شيّق دون إسهاب في الإنشاء أو إسراف في الشرح من غير داعٍ.

#اضغط_الرابط_في_أول_تعليق:

تتناثر شجرات الزونيا العملاقة أمام باحة المحكمة المدنية بالمدينة، وتحت كلٍ منها طاولة صغيرة وشمسية من القماش الثقيل تكاد تخفي الطاولة والكاتب والزبون، وكأنها تغطي بظلالها أسرار وأحوال الزبائن من أعين المتلصّصين وآذان الفضوليين. على كراسي الخيزران التقليدية يجلس كتّاب العرائض، وأمامهم الزبائن من مختلف السحنات والملامح، وتسمع بين الفينة والأخرى سؤالًا من كاتب أو توضيحًا من زبون، رغم الحرص الشديد على خصوصية لا يحفظها تقارب الطاولات ولا فهم الزبائن.

وقف عبد الله تحت شجرة الزونيا وهو يقرأ في الجريدة، وأمامه فنجان من القهوة، ينظر إلى الزبائن من تحت نظارته الشمسية وهم يذهبون إلى طاولات الزملاء المتناثرة أمام ساحة المحكمة دون أن يقف أي منهم أمامه. لم يكن ممن ينادي على الزبائن أو يقبضهم من أيديهم حين يصلون كبعض زملائه؛ فهو المعاشي الوقور، كما أن فلسفته في الحياة تحتّم عليه التؤدة والأناة في طلب الرزق؛ فرزقه كما يقول مقسوم ومحسوم، لن يسبقه عليه راكض ولن ينقصه منه جبّار.

مرّ وقت طويل قبل أن يجلس أمامه مزارع وهو يحمل أوراقه، وبصوت عالٍ خاطبه قائلًا: “اتفضل، دي أوراق قضيتي، وقصتي كالآتي: كنت واقفًا في وسط مزرعتي حين أتى..” وأكمل قصته دون أن يتوقف، كمن يرمي حمله الثقيل من ظهره على الأرض.

أخذ عبد الله ورقة بيضاء، وبقلم حبر قديم مشقوق الغطاء كتب بخط جميل: “بسم الله الرحمن الرحيم.. في يوم كذا من شهر كذا، وقف المذكور..” وبدأ في سرد القصة بأسلوب جذاب وخط جميل، إلى أن ختمها قائلًا: “لذا ألتمس من سعادتكم الأمر على من يلزم بإنفاذ ما ترونه مناسبًا وفق إجراءات القانون المتبعة في مثل هذا الوضع، ولكم فائق الاحترام والتقدير”.

وألصق على الطلب دمغة من فئة العشرة جنيهات، وابتسم راضيًا عما كتب. وقبل أن يقدّم ورقة الطلب للزبون، بدأ في قراءة ما كتبه بصوته الجهوري، والزبون ينصت باهتمام شديد. وما أن وصل إلى السطر الأخير حتى اغرورقت عينا الزبون بالدموع تأثرًا بما سمع، وكاد أن يبكي، لكنه توقف حينما سمع عبد الله يطالبه بمبلغ خمسين جنيهًا أتعابًا عن الطلب.

رد الزبون غاضبًا: “خاف ربك، عملت شنو يعني عشان تطلب خمسين جنيه؟ ورقة فلوسكاب بيضاء وقلم حبر جاف مكسور لا يساوي نصف جنيه، ودمغة عشرة جنيهات! اطلب مثلًا خمسة عشر جنيهًا، أو قل عشرين جنيهًا كرمًا مني”.

غضب عبد الله، وأمسك بالطلب، ودوّر بالقلم على كلمة في منتصفه عدة مرات حتى خرم الورقة، ورفع رأسه للزبون قائلًا وهو يستشيط غضبًا: “بالله عليك، كلمة (بيدَ أنّ) دي براها بكم؟”

#السودان #ملف_الهدف_الثقافي #صحيفة_الهدف #قصص_قصيرة #أدب_سوداني #حكايات #اللغة_العربية #نوادر #الشيخ_فرح #ثقافة #Sudan #Literature #ShortStories #Arabic

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.