الشَّريـف الضَّــي يكتــب: متى ينتهي ديربي القـ.ـتل والدمـ.ـار والتخـ.ـريب!؟

صحيفة الهدف

محمد آدم الضي (الشريف)

البشر يحملون في جيناتهم شهـ.ـوةَ القـ.ـتل وغريزةَ سفـ.ـك الدمـ.ـاء. عندما أخبر الله، جلَّ وعلا، الملائكة بأنه جاعلٌ في الأرض خليفة، دافع الملائكة عن أفضليتهم بحجة بأنهم يسبّحون الله، وأن البشر قـ.ـتلة وسفـ.ـاكي دمـ.ـاء. في الجنة، إنهار عزم آدم، فعصى أمر الله، وأكل من الشجرة المحرمة، فأهبطه الله إلى الأرض عقوبة له. وفي الأرض، قرَّبَ كلٌ من هابيل وقابيل قربانًا. ووفقًا لمعيار الإخلاص والنية، تقبل الله قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل. فقـ.ـتل قابيل هابيل، فهل البشر الحاليون هم سلالة ذلك الابن القـ.ـاتل؟

في مباريات كرة القدم، تطلق كلمة الديربي (Derby) على المنافسات بين فريقين من نفس المدينة أو المنطقة الجغرافية الواحدة. وتتميز هذه المباريات بالضراوة بين اللاعبين، والانقسامات العـ.ـنيفة بين المشجعين، تمامًا مثل مباريات هلال مريخ.

وإزاء الحـ.ـرب العبثية التي أشعلتها الحركة الإسلامية في 15 أبريل 2023، انقسم الناس، وكأنهم يشجعون مباراة لكرة القدم بين فريقي برشلونة وريال مدريد. فكان المشهد الأكثر بشاعة ومأساوية: الحـ.ـرب تتحول إلى ديربي!

مشجعو التنظيم الإرهـ.ـابي، أثرياء الحـ.ـرب، وتجار المـ.ـوت، يدعمون القـ.ـتل والدمـ.ـار والتـ.ـشريد واستمرار الحـ.ـرب. يجلسون في مدرج حـ.ـرب الكرامة، والدفاع عن العقيدة، والوطن، وما إلى ذلك من الشعارات الجوفاء، منتهية الصلاحية. يصفقون، ويهللون ويكبرون، يصرخون ملء حناجرهم: الله أكبر! بل بس، لأن قوة من فريقهم أو مسيّرة تابعة لهم، نفذّت ضربة قاتـ.ـلة في معاقل الطرف الآخر، وليس مهماً أن يكون القتـ.ـلى مزارعين، أو رعاة أو نساء أو أطفالاً أو حتى بهائم. المهم هو كمية القـ.ـتلى والد.م المُراق. يفرحون عندما يكون القـ.ـاتل ملثماً من كتائب “البراؤون”، أو قوات العمل الخاص، أو حتى من الجيش أو المليشيات المساندة. يكبرون الله، عندما يشاهدون قوة من العمل الخاص يجزون رؤوس القـ.ـتلى ويبـ.ـقرون البطون ويستخرجون الأحشاء، ويرفعون فيديوهات الجثـ.ـث كأنها أهداف في مرمى الخصم، وكأن أشلاء القـ.ـتلى من الأبرياء بمثابة نقاط في دوري الدمـ.ـاء. وفي المدرج الآخر، يجلس مشجعو قوات الدعـ.ـم السـ.ـريع. يفعلون الشيء نفسه؛ يهللون ويكبرون عندما يكون القـ.ـاتل منهم. يتبادلون صور الحـ.ـريق والدمـ.ـار. يصرخون: الله أكبر! جغم بس.

وبين صرخات التكبير والتهليل، يتساقط المدنيون وتنـ.ـزف جـ.ـراحات الأبرياء والعزل؛ رجالًا ونساءً وأطفالًا وعجزة، لا حيلة لهم ولا قوة. الضعفاء وحدهم يدفعون فاتورة الحـ.ـرب. يُقـ.ـتلون، يُشرّدون، تُغـ.ـتصب نساؤهم، يُهجّرون قسراً من ديارهم وأراضيهم وآبارهم ومراعيهم. يسقطون من ذاكرة المشجعين؛ لأن المشجعين الذين مـ.ـاتت ضمائرهم، وتبلدت أحاسيسهم، لا يرون إلا لاعبي فريقيهم في الديربي. إنها ليست حـ.ـربًا، وإنما تنافس على نشر الكراهـ.ـية والبـ.ـغضاء والفتنة.

في كرة القدم، يعلن الحكم انتهاء زمن المباراة بعد تسعين دقيقة، ويعود المشجعون إلى منازلهم. يختلفون، لكن بيت واحد يجمعهم. أما في ديربي الد.م السوداني فلا يوجد حكم ولا صافرة نهاية، (أسبوع أسبوعين، سنة سنتين إن شاء الله مئة سنة)، لأنه لم يعد هناك بيت؛ لقد احـ.ـترق البيت! وأضحى ساكنوه ما بين قـ.ـتيل ونازح ولاجئ وطريد. لقد مـ.ـاتت الحكمة، وبقيت غريزة قابيل في الشرايين والأوداج المنتفخة. والغريزة لا تعرف معنى البيت الوطن، إنها تعرف عصبية القبيلة. لا يحركها القانون ولا الأخلاق، وإنما يحركها الثـ.ـأر والكـ.ـراهية، وإعلام المدرجات ومنصات الميديا التي تحولت إلى روابط مشجعين. حيث الأعضاء لا ينقلون الخبر فحسب؛ بل يعلقون على عدد أهداف القـ.ـتل التي تم إحرازها، كميات المـ.ـجازر. والمحللون لا يقرأون خريطة الوطن، بل يحسبون النقاط. والضحية واحدة، والقـ.ـاتل متعدد: براؤون، ودراعة ومشتركة، يقتـ.ـلون باسم الجيش. ودعـ.ـامة يقـ.ـتلون باسم المهمشين. ولا هامش للتفاوض من أجل السلام، والنتيجة: طفلٌ يمـ.ـوت جوعًا، وقتـ.ـيل في العراء تدفنه الريح من دون كفـ.ـن، وفتاة تغتـ.ـصب كرامتها قبل أن يُغـ.ـصب بيتها. والمطالب بوقف الحـ.ـرب يتم تخوينه، والمختلف في لونه وجنسه، يعاقب تحت قانون الوجوه الغريبة.

الشخص الذي يفرح بديربي القـ.ـتل ويضحك بسيلان الد.م اليوم، سوف يبكي غدًا ويلعق جـ.ـراحاته ويعض على أصبع الندامة، لا الكرامة. لأن ساقية الد.م دائرة، وهي لا تعرف لون القميص، ولا أقنعة البراؤون، ولا كداميل الدعـ.ـامة. إذ تظل هذه الأقنعة والكداميل مجرد أشياء مؤقتة على قوائم المـ.ـوت. والضحية هو المواطن المذبـ.ـوح، والخاسر هو الوطن. القـ.ـتيل هو مواطن سوداني، والد.م المراق هو د.م سوداني! والحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع قبل فوات الأوان هي أن الحـ.ـرب ليست مباراة قدم. ليس فيها توزيع كؤوس ذهبية أو فضية، ولا ميداليات ولا هدايات. المنتصر فيها مهزوم، لأنه سيرث وطنًا مدمـ.ـرًا عبارة عن خرائب يسكنها البوم.

توقفوا عن التصفيق، توقفوا عن التكبير على جـ.ـثث المـ.ـوتى؛ وليكن التكبير خالصًا لله، وليس تأييدا للقـ.ـتلة المجـ.ـرمين. توقفوا من أن تكونوا شركاء في الجـ.ـريمة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.