تشريح: الاقتصاد والحياة.. المعيشة في أزمة وانهيار شامل

صحيفة الهدف

ود الأغبش 

فـ.ـسادٌ نهش جسد دولةٍ كانت تملك كل مقومات النهوض، لكنها سقطت تحت ثقل الجشع والحـ.ـرب وتآكل المؤسسات. الجنيه السوداني ينهار بلا سقف، يفقد قيمته كل يوم حتى غدا ورقاً هشّاً لا يحمي صاحبه من جوعٍ ولا من مرض. اقتصاد الحـ.ـرب ابتلع ما تبقى من مؤسسات الدولة، وتحوّل المال العام إلى وقودٍ للمـ.ـعارك بدل أن يكون سنداً للحياة.

الموارد تُهرَّب عبر الحدود: ذهبٌ ومواد خام تغادر بلا رقيب ولا حسيب، لتغذي مصانع دول الجوار، ثم تعود إلينا في هيئة سلع بأسعار مضاعفة؛ يعود إلينا شيءٌ يُسمّى “الشيبس”، وكأن السودان مجرد منجمٍ مفتوح بلا سيادة وبلا قانون. الفـ.ـساد لم يعد سرّاً، بل صار نظاماً قائماً بذاته؛ وزارة المالية غائبة أو مُغيَّبة، والرقابة على المال العام شبه معدومة، بينما العملات الصعبة تنزف إلى الخارج في صمتٍ مريب.

والسؤال الذي يؤلم: كيف يحصل تجار من دول الجوار على كميات ضخمة من الجنيه السوداني لشراء الموارد؟ الإجابة المختبئة بين السطور تشير إلى شبكات فـ.ـساد وغسيل أموال وتهريبٍ منظّم تربط الداخل بالخارج في منظومة نهبٍ عابرة للحدود. لقد أشارت لجنة تفكيك نظام 30 يونيو 1989 إلى أن ما نُهب في الفترة الأخيرة يفوق ما تم خلال عقودٍ سابقة؛ وهذا ليس رقماً فحسب، بل جرس إنذارٍ لدولةٍ يجري تفكيكها اقتصادياً أمام أعين الجميع.

المشهد يزداد قسوة حين ترى طلاب المدارس يجلسون في “رواكيب” متهالكة بلا كتبٍ ولا مقاعد، بينما يتنقّل النافذون في سياراتٍ فارهة ويقيمون في شققٍ تُدفع إيجاراتها بالدولار. لم تعد الفجوة اجتماعية فقط، بل تحوّلت إلى فجوة أخلاقية تكشف حجم الانفصال بين الحاكم والمحكوم. حتى الإعلام الذي كان يبرّر، بات يتحدث عن الفـ.ـساد؛ لا حباً في الحقيقة، بل صراعاً على نصيبٍ من الغنيمة؛ فحين تقل الحصص يرتفع الصوت، وحين تمتلئ الجيوب يسود الصمت.

الطبقة المرتبطة بالسلطة تعيش في رفاهية: مرتبات بالدولار، ودعم للسكن والتعليم والعلاج؛ في المقابل، يطارد المواطن العادي رغيف الخبز وجرعة الدواء، ويقف في صفوفٍ طويلة لخدمات غير موجودة. الخرطوم لم تعد حلمًا للعودة، بل صارت كابوساً من الرسوم والجبايات والانفلات الأمني، ومع الأزمات العالمية وارتفاع أسعار الوقود -خاصة بعد توترات مضيق هرمز- تضاعفت كلفة الحياة وتوقفت مشاريع زراعية كانت تمثل الأمل الأخير.

وفي الشوارع تكتمل الصورة: اقتصاد بلا قانون، وسلطة بلا مساءلة. الحقيقة القاسية أن الدولة تذوب، وأن الفـ.ـساد بات أقوى من المؤسسات. وفي النهاية، يدفع الشعب الثمن وحده: جوع، مرض، وخـ.ـوف، بينما يواصل صُنّاع هذه الكارثة حياتهم كأن شيئاً لم يكن.

قف وتأمّل: هؤلاء الذين يديرون اقتصاد البلاد.. هل يبنون دولة، أم يكتبون فصلها الأخير؟ إن انهيار الجنيه السوداني ليس لغزاً، بل نتيجة منطقية لضعف السيطرة على الموارد وغياب الانضباط النقدي. الحل لا يكمن في “المطبعة”، بل في معادلة توازن بين الانضباط المالي والإدارة العلمية للموارد. لقد آن الأوان للانتقال من التشخيص إلى الفعل، وبناء اقتصاد يقوم على الإنتاج لا المضاربة؛ فالدول لا تُبنى بوفرة الموارد، بل بكيفية إدارتها.

#السودان #اقتصاد_السودان #انهيار_الجنيه #الفـ.ـساد #أخبار_السودان #المعيشة #حـ.ـرب_السودان #ملف_الهدف_الاقتصادي #نهب_الموارد #الثورة_السودانية #لا_للحرب #ود_الأغبش

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.