(الحلقة الثالثة) من التقرير السياسي الصادر عن المؤتمر القومي الـ13 لحزب البعث العربي الاشتراكي

صحيفة الهدف

المقدمة :

ليس السياسيُّ مجرد إدارةٍ للشؤون، ولا هو حصيلةُ قراراتٍ تُتخذ في غرفٍ مغلقة. السياسي، في عمقه الفلسفي، هو سؤالُ الجماعة عن ذاتها في زمنٍ لم يعد يُجيبها فيه أحد. هو لحظةُ انكشاف المصير حين تستيقظ الأمة على وقع صفعةٍ لا تأتي من خارجها فقط، بل من داخلها الذي ظلت تظنه محصناً. وإذا كان التاريخ يكتب بقلم المنتصرين، فإن الحقيقة تنتظر دائماً أولئك القادرين على قراءة الهزيمة قراءةً تليق بعقل لا ينكسر.

أمامنا اليوم تقرير سياسي، ليس كسائر التقارير. إنه محاولة لفهم جذور لحظة عربية هي من أعقد اللحظات التي مرت بها الأمة منذ سقوط الخلافة. لحظةٌ تداخل فيها الدولي بالإقليمي، والوطني بالقومي، والاجتماعي بالاقتصادي، حتى بات من المستحيل فصل متغير عن آخر، أو عزل أزمة عن سياقها. هذا التقرير لا يقدم وصفاً ولا يكتفي برصد، بل يحاول أن يُنظّر للواقع، ويستشرف للخروج من النفق.

السياسي في ثقافتنا العربية، منذ النهضة، كان دوماً (رد فعل). لم نتعلم بعدُ كيف نكون (فعلاً تاريخياً)، يسبق الأحداث ويصنعها. وكأن قدرنا أن نظل في موقع المُجاب لا السائل، المُتأثر لا المؤثر. غير أن هذه اللحظة الراهنة، بكل تعقيداتها، قد تكون مختلفة. ليس لأن القوى الخارجية أضعف، بل لأن الجماهير العربية، للمرة الأولى منذ عقود، بدأت تتحرك من قاعدة الوعي لا من قاعدة الغضب فقط. وهذا الفارق جوهره الفلسفي هو أن تصير الحركة تعبيراً عن إرادة لا عن ردة فعل.

في هذا التقرير، التقرير السياسي من التقرير العام الصادر عن المؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي، الذي انعقد في يناير/ كانون الثاني تحت شعار: ( استنهاض الأمة والثبات على العهد النضالي والوفاء لشهداء الحزب والأمة )، الذي تنشره صحيفة الهدف تباعاً في ثلاث حلقات، نفتح ملف المتغيرات الدولية والإقليمية كما لم نفتحه من قبل.

لا كمن يقرأ صحيفة، بل كمن يشري جسد الوطن والامة ليرى أين الطعنات. وأي علاج يبدأ دون تشخيص؟ وأي نهضة تبنى دون اعتراف بالمرض؟

نحن لا ندعي امتلاك الحقيقة، بل نبحث عنها. ولا نزعم أن أوراقنا خالية من الخطأ، بل نؤمن أن الخطأ في طريق الصواب خير من السكوت في طريق الهاوية.

ولهذا نضع هذا التقرير بين يدي جماهير الأمة وقواها الحية، وقيادات حزب البعث وتنظيماته أينما وجدت، مستبشرين بكل ملاحظة، منفتحين على كل نقد، لأن الحوار هو الطريق الوحيد لاستعادة الثقة، والثقة هي أول خطوات الفعل.

وثائق المؤتمر القومي الثالث عشر 2026 يناير

التقرير السياسي

الحلقة الثالثة

  1. قضايا عربية أخرى مضافة إلى قضيتي العراق وفلسطين ويندرج ضمنها الأحواز وسوريا ولبنان والسودان واليمن:
  • الأحواز: إذا كانت فلسطين قد شكلت قضية قومية مركزية بعد اغتصابها عام 1948، وإذا كان احتلال العراق شكل أيضاً قضية قومية ارتقت حد القضية المركزية كما جرت الإشارة إليه في متن هذا التقرير، فإن ما يشهده المجال العربي إنما ينطوي على قضايا أساسية أخرى، بعضها يتعلق باحتلال أجنبي لأراض عربية وفي طليعتها الأحواز العربية الرازحة تحت الاحتلال الإيراني منذ قرن من الزمن؛ فقبل العام 1924 كانت الأحواز إمارة عربية تعرف بالإمارة الكعبية وتعرف أيضاً بعربستان (أي بلاد العرب) وهي تمتد على طول الساحل الشرقي للخليج العربي، وهي غنية بالموارد الطبيعية من النفط والغاز، وتمتاز بوجود أراض زراعية خصبة ويصب فيها نهر الكارون وهو واحد من أكبر الأنهار في المنطقة. وفيها الآن واحدة من كبرى مصافي تكرير النفط في العالم وهي مصفاة عبادان، وتعتبر مدينة المحمرة على شط العرب الوجه المقابل للبصرة. إن الاحتلال الإيراني للأحواز يشابه الاحتلال الصهيوني لفلسطين لجهة الأهمية الاستراتيجية للموقع الجيوسياسي للموقعين وتأثيرها على واقع الأمة العربية كون الاحتلالين تحكمهما قاعدة العداء للأمة العربية.

الأول: تستبطنه نوازع التوسع وإقامة الدولة التوراتية التي يسميها دولة “إسرائيل الكبرى”.

والثاني: تستبطنه الأطماع الفارسية التي تغذيها الشعوبية التي تستقر في العقل السياسي الإيراني أياً كانت طبيعة النظام الحاكم، ووحدة المرجعية الدولية ذاتها (بريطانيا) التي تولت الإشراف على إغراق فلسطين بالمستوطنين الصهاينة تمهيداً لإقامة كيان غريب في قلب الوطن العربي، كما تسهيل احتلال إيران للأحواز بتواطؤ المستعمر البريطاني.

إن هذين الاحتلالين جعلا الوطن العربي مهدداً من داخله ومداخله، وكما أن فلسطين مهددة بكاملها بالتهويد من ضمن ما تخطط وتعمل على تنفيذه الحركة الصهيونية، فإن الخليج العربي مهدد بالفرسنة والتي لم تسقطها السلطات الحاكمة في إيران من صلب استراتيجياتها، والتي تصر على تسميته بالخليج الفارسي عند “خروجها” من المضمر إلى المعلن في الإفصاح عن أطماعها بالسيطرة على الضفاف الغربية للخليج العربي من رأس الخيمة حتى شط العرب، وما احتلال الجزر الثلاث، أبو موسى والطنب الكبرى والطنب الصغرى، واعتبار البحرين جزءاً من بلاد فارس إلا تأكيد على تلك الأطماع.

وتنفيذاً لمشروع فرسنة الخليج بكامله فإن مؤسسات الحكم في إيران التي لم تخف نوازعها التوسعية في الجغرافيا العربية براً وبحراً وجواً، تدرج في صلب استراتيجية التوسع التي تنتهجها، توظيف ورقة التغيير الديموغرافي في التكوين السكاني للأقاليم والمناطق التي تستهدفها، بغية تأمين قاعدة ارتكاز داخلية تستند إليها في تنفيذ أجندة أهدافها الخاصة، ولهذا عملت وتعمل على إغراق المناطق التي تمني النفس بالسيطرة عليها بوافدين ومستقدمين.

إن قضية الأحواز بما هي قضية أرض عربية محتلة لم تلقَ الاهتمام الكافي من قبل الأمة العربية على مستوى نظامها الرسمي كما على مستوى جماهير الأمة، علماً أنها قضية تتشابه إلى حد التطابق مع القضية الفلسطينية، إن لجهة التأكيد على الهوية الوطنية في إطار الانتماء القومي للأمة أو لجهة الحق بتقرير المصير. فكما أن الحركة الصهيونية التي تنفذ مشروعها عبر كيانها السياسي القائم على أرض فلسطين تنكر وجود شعب بالأساس هو شعب فلسطين، واستطراداً حرمانه من إقامة دولته وحقه في تقرير المصير، فإن الحركة الفارسية الشعوبية التي تنفذ استراتيجيتها مؤسسة الحكم في إيران، تنكر وجود شعب بالأساس هو شعب الأحواز واستطراداً حقه بالاستقلال وتقرير المصير. والتقصير حيال التعامل مع هذه القضية، لم يقتصر على التعاطي الخجِل معها في الخطاب السياسي العربي الرسمي والشعبي، بل امتد التجاهل إلى الدور الذي تضطلع به حركات المقاومة الأحوازية بمختلف تشكيلاتها ضد الاحتلال الإيراني. وهذا ما يجب أن يشار إليه ويُعترف به ويُثنى عليه نقداً ذاتياً ونقداً للآخرين من القوى السياسية العربية التي تتجاهل قضية الأحواز ولا تدرجها ضمن قضايا الأمة المصيرية. ولذلك فإن على المؤتمر القومي الثالث عشر للحزب الذي ينعقد تحت تأثير تداعيات النتائج الكارثية التي ينوء تحت أعبائها الوطن العربي، أن يرفع قضية الأحواز بما هي قضية وطنية وقومية إلى مصاف القضايا القومية الكبرى، وذلك بأن تبقى دائمة الحضور في صلب الحركة النضالية للحزب بعدها السياسي كما بعدها العقائدي. وأول ما يجب التركيز عليه، هو العمل لتوحيد حركة النضال الأحوازي ضمن إطار مرجعية واحدة، انطلاقاً من كون الواقع القائم يفرض ذلك، باعتبار أن المرحلة التي تمر بها الحركة الوطنية الأحوازية إنما هي مرحلة تحرر وطني، ولهذا فإن الأولوية هي للتحرير من ربقة الاحتلال الإيراني ومدخله وحدة وطنية على قاعدة برنامج سياسي يحاكي الطموح الوطني لشعب الأحواز العربي.

  • أراضٍ عربية أخرى محتلة وأسيرة الاستلاب (لواء الإسكندرون، سبتة ومليلية، إقليم أوجادين والجزر الثلاث):

إذا كانت قضيتا فلسطين والأحواز هما القضيتان الأبرز من بين قضايا النضال العربي، خاصة تلك التي تتعلق بالهوية الوطنية وحق تقرير المصير، إلا إنهما ليستا الوحيدتين اللتين تعانيان من الاحتلال الأجنبي صهيونياً كان أو فارسياً، بل ثمة أراضٍ عربية أخرى ترزح تحت الاحتلال، ومنها لواء الإسكندرونة الذي اقتطعته دولة الانتداب الفرنسي من أرض سورية ومنحته للدولة التركية. ولواء الإسكندرونة الذي يشكل امتداداً للساحل السوري لناحية اللاذقية، يكتسب أهمية خاصة في موقعه الجغرافي وفيما تنطوي عليه عاصمته أنطاكية من رمزية تتعلق بالكنيسة المشرقية. فضلاً عن كون أنطاكية شهدت اجتماعات مسكونية للمذاهب المسيحية في المشرق (المجمع الخلقيدوني)، فإن بطاركة المذاهب المسيحية يلقبون ببطاركة أنطاكية وسائر المشرق. كما أنه في البدايات الأولى لحركة النهضة العربية في العقود الأولى من القرن العشرين، كانت الحركة الوطنية السورية تنشط في لواء الإسكندرونة وتطالب بالاستقلال أسوة بكل الحواضر السورية. وكما سلخ اللواء عن أرض سورية، فإن سبتة ومليلية في المغرب العربي، مازالتا تحت السيطرة الإسبانية وهما جزء لا يتجزأ من الأرض المغربية. وإذا كانت الجزر الثلاث في الخليج العربي ترزح تحت الاحتلال الإيراني منذ بداية السبعينيات، فإن إقليم أوجادين الذي رزح طويلاً تحت الاحتلال الإثيوبي، تنكرت سلطته الحاكمة لهويته القومية واتخذ لنفسه نهجاً ملتوياً بعدما ارتبط بعلاقات سياسية واقتصادية وأمنية مع الكيان الصهيوني، وأخطرها تمكينه من إقامة قواعد عسكرية ومراكز تجسس في البحر الأحمر (جزر أرخبيل دهلك). وهذا الوجود الإسرائيلي في البحر الأحمر الذي يعتبر بمثابة بحر عربي، لا يشكل تهديداً لأمن الملاحة في الممر المائي وحسب، وإنما يمنح الكيان الصهيوني قاعدة متقدمة لتهديد أمن الدول العربية على ضفتي البحر الأحمر الشرقية (مصر واليمن والسعودية) والغربية (السودان وجيبوتي والصومال) ويجعله على مقربة من مجرى النيل الذي تسيل لعاب الصهيونية عليه والذي يعتبر حدوداً لدولة “إسرائيل” بحسب البعد التوراتي الذي بدأت الأوساط الصهيونية التداول به والترويج له. ولهذا فإن وجود هذه المناطق العربية تحت الاحتلال الأجنبي وأياً كانت مساحة الأرض المحتلة إنما يشكل تهديداً للأمن الوطني للأقطار التي تحتل أو يُستلب بعض أراضيها كما للأمن القومي، كذاك الذي ينتج عن استمرار الاحتلال الصهيوني لأراض سورية ولبنانية. ولذلك يجب الحفاظ على إبقائها ضمن دائرة الضوء وإيلاء مخاطر استمرار احتلالها أهمية كبيرة نظراً لمخاطر الاحتلال على الأمن القومي العربي.

  • سورية والمتغير الاستراتيجي بعد سقوط نظام الردة:

 منذ الثالث والعشرين من شباط 1966، دخلت سورية مرحلة جديدة من حياتها السياسية تناقضت مع السمات العامة التي تتميز بها سورية على مستوى دورها وموقفها من القضايا القومية وخاصة قضية الوحدة وتحرير فلسطين. فسورية كانت دائماً إما طالبة لعمل وحدوي وإما مطلوبة، وشارعها هو الأكثر تفاعلاً مع قضية فلسطين وهي التي شكلت قاعدة خلفية لثوار فلسطين طيلة فترة المواجهات التي سبقت اغتصاب فلسطين وإضفاء “شرعية دولية” على هذا الاغتصاب بقرار من مجلس الأمن الدولي.

بعد الردة الشباطية تحولت سورية في ظل النظام الذي أمسك بمقاليد السلطة حتى سقوطه، إلى دولة تدار من نظام مارس ازدواجية المواقف، خاصة حيال القضايا التي تتعلق بالأمن القومي العربي، فالظاهر منها كان يُعبر عنه بالاكتفاء برفع الشعارات التي تدغدغ الوجدان الشعبي العربي، والباطن منها كان يجسد حقيقة الموقف الفعلي من القضايا القومية. فهو كان يرفع ظاهرياً شعار دعم الثورة الفلسطينية، ويمارس العكس على الصعيد العملي، ولعل دوره في لبنان الذي دخله بتغطية أميركية ما كان إلا لأجل ضرب الثورة وفي الحد الأدنى احتوائها، ولما عجز عن تحقيق هذا الهدف عاد إلى التخريب الداخلي في بنى فصائل المقاومة لإبراز بدائل لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهي التي اكتسبت شرعية وطنية فلسطينية وعربية ودولية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد لشعب فلسطين. وكما سعى ذاك النظام إلى ممارسة سياسة التأييد في الظاهر للثورة الفلسطينية والتآمر عليها من الباطن، اتخذ موقفاً شديد الخطورة تجاه القضايا القومية وأبرزها تأييده لسياسات النظام الإيراني بعد التغيير الذي حصل في إيران واستلام المؤسسة الدينية مقاليد السلطة بعد سقوط نظام الشاه، وهذا التأييد لحكم الملالي لم يقتصر على التأييد السياسي والإعلامي وحسب، وإنما امتد ليشمل الوقوف معه عسكرياً في الحرب التي شنها على العراق تحت عنوان ما أسماه “تصدير الثورة”.

بعد وضع الحرب أوزارها، وإقرار النظام الإيراني بهزيمته، وخروج العراق منتصراً، لم يجد النظام السوري حرجاً في الاصطفاف مع الحلف الذي قادته أميركا لضرب العراق تحت حجة إخراجه من الكويت. ومشاركة النظام السوري في العدوان الثلاثيني بإرساله فرقة عسكرية إلى “حفر الباطن”، لم تكن لتشكل عاملاً حاسماً في تعديل موازين القوى العسكرية، وإنما كانت لتوفير تغطية سياسية للعدوان على العراق. وكان الثمن المعجل الذي قبضه ذاك النظام أن أعيد تعويم دوره في لبنان الذي استمر حتى خروج قواته في 26 نيسان أنطاكية 2005، كما غُض النظر عن توفير تسهيلات لوجستية للنظام الإيراني للتغلغل في العمق العربي مستفيداً من الموقع السوري الذي مكن نظام الملالي من إقامة مواطئ قدم ميدانية على ضفاف المتوسط والتي بلغت مستويات متقدمةً من التأثير على الأوضاع السياسية والأمنية في سورية ولبنان وفلسطين بعد الانسحاب الأميركي من العراق تحت ضغط المقاومة الوطنية العراقية، وتسهيل الدخول الإيراني برعاية أميركية والذي مارس سياسة الاحتلال من الباطن.

إن النظام السوري الذي مارس ازدواجيةً واضحة المعالم في تعاطيه مع الأوضاع السياسية في المحيط القومي، مارس الأمر نفسه في التعاطي مع الحزب الذي تآمر عليه عبر الارتداد عن شرعيته. فهو بقي متظللاً بالشعار وبثلاثية الأهداف، وفي ممارسته العملية ونسج علاقاته وصياغة تحالفاته كان يمارس النقيض لما تنطوي عليه أبعاد الأهداف والشعار. وقد مثل هذا الارتداد عن الحزب مع الإبقاء على شعاراته واحدة من أخطر ما تعرضت له حركة الثورة العربية وحزبها من تزييف وتزوير، نظراً لتأثيراته على الحركة الجماهيرية التي أصبحت تشكك بمصداقية الحزب ودوره النضالي وخاصة شعاره الوحدوي عندما بات التساؤل يطرح عن استحالة تحقيق وحدة بين قطرين يحكمهما بنظر العامة حزب واحد، فكيف له أن يكون صادقاً في تحقيق وحدة قومية شاملة؟

لقد أدى هذا النظام خدمة لأعداء الأمة، لم يؤدِّها أي نظام آخر من الذين يقاومون ويعارضون التطلعات الوحدوية للجماهير العربية؛ ولهذا فإن سقوطه بقدر ما ينطوي على إيجابية كبيرة تجاه قضايا الأمة، فإن الإيجابية التي لا تقل أهمية بنظر الحزب، هو سقوط حالة التزييف التي حكم فيها نظام الردة سورية تحت مسمى حزب البعث العربي الاشتراكي. وما يدلل على أنّ الحزب الذي حُكمت به سورية تحت سقف شعاره وأهدافه إنما كان حزباً للسلطة ولم يكن حزباً للشعب ولا للأمة، وأن صفحته طويت وسقط مع سقوط النظام.

من هنا، فإن بقاء نظام في سورية يحكم باسم حزب البعث العربي الاشتراكي ما يقارب الستة عقود كان هدفاً مقصوداً للتشويش على الأمة وحركة نضالها. واعتبار المتغير الذي حصل في سورية هو متغير استراتيجي، لسببين أساسيين: إنه وضع حداً لحالة التزوير والتزييف التي تعرضت لها سورية في حياتها السياسية والحزبية داخلياً وخارجياً على مدى ستة عقود، ولأنه فتح الطريق كي تستعيد سورية موقعها ودورها بعدما غردت طويلاً في مسار محورٍ لم يخف عداءً لحظة للعروبة كهوية قومية جامعة ولأهداف الأمة في التحرر والتقدم والوحدة.

إن الإيجابيتين السريعتي الظهور من جراء التغيير الذي حدث في سورية واللتين تولدتا عن سقوط النظام، هما أولاً، سقوط حزب السلطة، وثانياً توجيه ضربة قاصمة للمشروع الإيراني أدت إلى انكفائه ووأد مشروعه الخطير الذي كان يولي أهمية لساحة سورية، لإقامة قاعدة ارتكاز له وإحداث تغيير ديموغرافي في تكوينها السكاني منطلقاً من بوازع مذهبية وطائفية، ولأجل توفير قاعدة لدعم أذرعه الأمنية والسياسية التي عمل على الاستثمار بها في ساحات لبنان وفلسطين واليمن. ولهذا فإن البعد الاستراتيجي بآثاره الإيجابية التي انطوى عليها ضرب ركائز المشروع الإيراني في سورية، يوازيه بأهميته البعد الاستراتيجي بآثاره السلبية التي انطوى عليها التغلغل الإيراني في العراق.

لكن ونحن نشير إلى هاتين الإيجابيتين الشديدتيّ الأهمية على واقع الحزب والأمة، فهذا لا يعني أن سورية قد استعادت وضعها الطبيعي وعادت لممارسة دورها الطبيعي في استنهاض الأمة، بل إنها ما تزال في منطقة الوسط، والمؤشرات الأولية لمرحلة ما بعد سقوط النظام لا تدلل على أن المسار الحالي إذا ما استمر على منواله سوف يفضي إلى النتائج المرجوة وطنياً وقومياً. فالتحديات التي تواجه سورية كبيرة جداً وأبرزها تحدي مواجهة الاحتلال الصهيوني، وتحدي إعادة البناء الوطني سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. ويكاد يكون البناء السياسي متقدماً على غيره من المهام، لأن سورية في ظل واقعها الحالي المتشظي مناطقياً، والمثقل اقتصادياً، والممزق اجتماعياً، والمدمرة قدراتها العسكرية بسبب استهلاك بعض هذه القدرات في إقدام النظام على ضرب الانتفاضة الشعبية، وتدمير العدو ما تبقى من قدرات بعد سقوط النظام مباشرة كي تصبح سورية بلا أنياب، لن تستعيد عافيتها الوطنية في ظل الآلية التي تعتمد لإعادة تشكيل مؤسسات الدولة. ولهذا فإن المطلوب هو إطلاق ورشة إعادة البناء الداخلي على الأسس التي تحمي المقومات الأساسية للدولة، وهي وحدة الأرض والشعب والمؤسسات وإعادة إنتاج نظام سياسي جديد لدولة مدنية تحكمه قواعد العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات وديمقراطية الحياة السياسية وتطبيق أحكام العدالة الانتقالية بشفافية عالية، هو ما يجب العمل بوحي أحكامه لأجل توفير قاعدة داخلية تستطيع سورية بالاستناد إلى معطياتها مواجهة التحديات الكبيرة التي تعترض مسيرتها، ومنها تحدي الاحتلال ومقاومة الضغوطات الدولية والإقليمية التي تمارس عليها تحت تأثير الظروف الضاغطة عليها لدفعها إلى الاستجابة للإملاءات الخارجية وخاصة الإملاءات الأميركية التي تضبط إيقاع مواقفها على ضوء مقتضيات المصالح الصهيونية.

إن الحزب، وفي ضوء الضرر الكبير الذي لحق بالحزب والأمة من جراء ما قام به نظام الردة الذي حظي بتغطية وحماية دولية وإقليمية بهدف توظيف إمكانيات ودور هذا القطر في الاتجاه السلبي وتحقيق “توازن معطل” مع العراق الذي شكل قلعة الصمود القومي في مواجهة المشاريع المعادية، يرى أن تُولى ساحة سورية أهمية خاصة، تعلق الأمر بدور الحزب فيها أو تعلق بالدور الوطني العام، بحيث يفترض أن تُبذل جهود مضاعفة لإعادة تفعيل حضور الحزب وتقوية مرتكزات الدولة المدنية على الأسس الوطنية والديمقراطية، وحتى لا تبقى أرض الدولة الوطنية، خاصة في الأقطار المتاخمة لفلسطين، أرضاً رخوة لا تتوفر لها مقومات المناعة الداخلية في مواجهة الأعداء القوميين للأمة وفي طليعتهم العدو الصهيوني.

  • لبنان، بلد استنساخ الأزمات الدورية، والساحة المفتوحة على عوامل التأثيرات الخارجية:

 إن لبنان يعتبر من أكثر الأقطار العربية التي تشكل مرآة عاكسة للصراع في الوطن العربي وعليه، فهو ومنذ تأسست دولته، قُدّر له أن يقع على خط التوازنات والتقاطعات بين الاستراتيجيات الإقليمية والدولية المتقابلة فضلاً عن وقوعه على خط التماس الجغرافي مع فلسطين المحتلة.

إن ساحة لبنان كانت دائمة عرضة لاهتزازات قوية تصدع بنيوياً كلما اهتزت التوازنات في الإقليم. فهذا حدث عام 1958، كما إبان الانفجار الكبير الذي تداخلت عناصره الداخلية بالخارجية بدءاً من العام 1975 وامتد حتى نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، ولم يدخل نظرياً مرحلة السلام الداخلي إلا بعد إقرار دستور جديد في أيلول تم التوافق على أحكامه في اتفاق الطائف 1989 مع استمرار جبهة المواجهة مفتوحة مع العدو الصهيوني بسبب احتلاله لقسم من الأراضي اللبنانية.

بعد احتلال العراق وخروج القوات السورية من لبنان بعد اغتيال رئيس وزراء لبنان آنذاك رفيق الحريري، ارتفع تأثير الحضور الإيراني على الساحة اللبنانية بعد تمكينه من الإمساك بساحة العراق بتسهيلات أميركية وتنامي الدور السياسي والعسكري والأمني “لحزب الله” بعد حرب تموز 2006 وهو المرتبط تنظيمياً ومالياً وتسليحياً وفقاً لنظام ولاية الفقيه في طهران. وكما أثقلت ساحة لبنان بأكثر من قدرتها على التحمل إبان الصراع الذي انفجر في منتصف السبعينيات واستمر لخمسة عشر عاماً مع تبدل أطرافه وهو ما أدى إلى تقويض مقومات دولتها، فإن الأمر تكرر مع التغلغل الإيراني لهذه الساحة التي اتخذ منها النظام الإيراني منصة لإدارة مشروعه على مستوى الإقليم والذي شمل ساحات سوريا والعراق واليمن وفلسطين والخليج العربي.

هذا الواقع الذي عاشته الساحة اللبنانية، أدى إلى تعطيل الدولة وشلل مرافقها ومؤسساتها الدستورية والخدمية، واستمر الحال على هذا المنوال، حتى انطلاقة معركة طوفان الأقصى، التي بادر “حزب الله” إلى المشاركة في سياقاتها تحت عنوان “جبهة الإسناد” التي استمرت محكومة بضوابط ما عرف بقواعد الاشتباك إلى أن حصل التصعيد الصهيوني ضد لبنان وقواعد ومعسكرات “حزب الله”. فمنذ منتصف أيلول 2024، وسع العدو الصهيوني من عملياته العسكرية كما ونوعاً، وعلى مدى شهرين ونيف، استطاعت آلته العسكرية والاستخبارية أن توجه ضرباتً لبنية “حزب الله” التنظيمية والعسكرية والأمنية والإعلامية، إلى أن تم توقيع الاتفاق الذي سمي “باتفاق وقف الأعمال العدائية”، وهو أُدير برعاية أميركية فرنسية، والتأثير الأبرز فيه كان للجانب الأمريكي الذي تولى رئاسة اللجنة التي أُبلغ بها تنفيذ الاتفاق الذي لم يلتزم به الكيان الصهيوني واستمر بتنفيذ اعتداءاته “الانتقائية” واحتلاله لخمس مواقع تنطوي بنظره على أهمية استراتيجية.

لم تمض أيام قليلة على الاتفاق على جبهة لبنان، حتى وقع الحدث الزلزالي المدوي الذي أدى إلى سقوط النظام في دمشق وفرار رئيسه خارج البلاد، ومعه خرجت المليشيات الإيرانية التي تعمل بتوجيه وتحكم من المركز الإيراني من سورية ومنها “حزب الله”، الذي كان ينظر إليه بأنه الذراع الأهم الذي كان يُتكل عليه من النظام الإيراني في تنفيذ أجندة أهدافه الخاصة.

إن سقوط النظام السوري، والضربة القوية التي وجهت للمشروع الإيراني على مستوى تمركزه في سورية وأذرعه العسكرية والأمنية كان سريع الانعكاس على ساحة لبنان، إذ بهذا السقوط وُئد المشروع الإيراني في سورية، وضعفت بوضوح القوى المرتبطة به وخاصة “حزب الله”، فتراجعت عوامل التثقيل الإيراني وكذلك عوامل التعطيل لقيام الدولة، وكانت أولى النتائج الداخلية، انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة.

إن المتغير الاستراتيجي الذي شهدته سورية بكل انعكاساته على أدوار القوى المنخرطة في أزمتها وفي الصراع فيها وعليها بكل أبعاده الداخلية والإقليمية والدولية، انعكس سريعاً على دول المحيط وخاصة لبنان الذي لم يكن بمنأى عن التحولات السياسية سواء كانت نتائجها إيجابية لحظة إطلاق ورشة الانتظام لعمل مؤسسات الدولة أو سلبية كونه بقي يواجه جملة من التحديات، أولها، تحدي استمرار الاحتلال الصهيوني لبعض من أرضه مع تواصل الاعتداءات اليومية عليه، وثانيها، تحدي إعادة البناء السياسي والاقتصادي والإعمار والتأهيل المجتمعي، وثالثها تحدي العلاقة مع سورية في ظل نظامها السياسي الجديد، وتشابك العلاقات بين البلدين وضبط الحدود.

لكن مع انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة، وشكلت خطوات هامة على صعيد إعادة الاعتبار للدولة بإعادة الانتظام لعمل مرافقها الدستورية والإدارية، إلا أن الوضع الداخلي بقي مثقلاً بكثير من الأعباء، منها عدم تمكين الدولة من بسط سيادتها على كامل التراب الوطني، والذي يجد ترجمته الميدانية بوجود تشكيلات عسكرية وأمنية تعمل خارج مؤسسات الدولة، والذي طرح حل لسلاحها بما اتفق على تسميته “بحصرية السلاح”. وهذه القضية تحولت إلى إشكالية داخلية، لرفض “حزب الله” تسليم ما تبقى من سلاح لديه للدولة اللبنانية. وما زاد من التعقيدات المتعلقة بهذا الملف، أن منطق تسليم السلاح وحصريته بيد الدولة، يواجه بمنطق آخر هو أن العدو لم ينفذ ما التزم به من بنود الاتفاق وهو يستمر باعتداءاته واحتلاله. وهو منطق على قدر من المشروعية لو لم يكن الاستقواء بهذا السلاح شكل أحد العوامل التي تضغط على الوضع الداخلي لتعطيل دور الدولة وخاصة بسط سيادة شرعيتها على كامل التراب الوطني، ولو لم يكن أيضاً يستبطن خلفية الإصرار الإيراني على استعماله ورقة تفاوضية بيد النظام للمقايضة عليه في إطار المفاوضات التي تدور مع دول الغرب السياسي وعلى رأسها أميركا لأجل فك الاختناقات عن النظام ورفع العقوبات أو تخفيفها.

أما تحدّي إعادة الإعمار، وأمام عجز الدولة اللبنانية عن تلبية احتياجات هذا الملف، فقد تحول إلى ملف سياسي، لأن الدولة والصناديق الدولية والدول المانحة، تربط المساهمة في إعادة الإعمار بتطبيق إنجاز الإصلاحات في البنية الاقتصادية والإدارية وتطبيق قواعد الحوكمة بشفافية، وتمكين الدولة من ممارسة كافة وظائفها وعلى رأسها حل الميليشيات وحصرية السلاح. وهذا دونه عراقيل، لأن الفساد ضارب بجذوره في هياكل السلطة، وتحيط به منظومة المحاصصة. والحزب عندما حدد موقفه من كيفية مقاربة هذا الملف، إنما حدده بالاستناد إلى معطيين، الأول، إن هذا السلاح الذي كانت وظيفته الأساسية تلبية احتياجات المشروع الإيراني وتغوله في الوطن العربي، فقد هذه الوظيفة بعد الضربة التي وجهت له بعد إخراج أدواته وسقوط النظام السوري الذي وفر له كل التسهيلات اللوجستية والحاضنة السياسية أيضاً، وبالتالي لم يعد بالإمكان استعماله بعد انكفاء الدور الإيراني عن سورية ولبنان وضمور تأثيره على الساحة الفلسطينية. وأما المعطى الثاني، فينطلق من الفهم العميق لطبيعة الصراع مع المشروع الصهيوني. فهذا الصراع الذي تحكمه قواعد الصراع الوجودي ويتصف بالشمولية، لا يستهدف حزباً ولا فئة ولا طائفة بذاتها وإنما يستهدف الكل الوطني للمكونات الكيانية العربية كما الكل القومي انطلاقاً من كون هذا الصراع مع العدو الوجودي للأمة والمحمول على الرافعة الاستعمارية هو صراع قومي بكل أبعاده ومضامينه، وبالتالي، فإن إدارته تتطلب وجود الأداة القادرة على تفعيل كل الإمكانات الوطنية المتاحة وهذا لا تستطيعه إلا الدولة باعتبارها الهيئة الاعتبارية التي تعلو فوق الجميع. وهي بقدر ما تكون قوية وتكون مناعتها الداخلية مرتفعة، تصبح إمكاناتها على حشد الجهد الوطني في مواجهة الأخطار المحدقة بالأمن الوطني متوفرة، ولهذا ركز الحزب ويركز على أولوية إعادة الاعتبار للدولة وتقوية مرتكزاتها ليس لتأدية وظيفتها الرعائية في تأمين مستلزمات الأمن المجتمعي وحسب، وإنما أيضاً لتأدية وظيفتها الحمائية في تأمين مستلزمات الأمن الوطني. وإذا كان العدو الصهيوني الذي بدأ يجاهر بوصفه لطبيعة الصراع بأنه وجودي، فهو لا يرى سبيلاً أفضل لما يعتبره آمناً استراتيجياً له، سوى وجود ساحات رخوة محيطة به، وعنوان رخاوتها وجود دول ضعيفة لا تستطيع إدارة الصراع بكل جوانبه وتحمل نتائجه. وإن من يرفض منطق حصرية السلاح ويعيق مشروع قيام الدولة، إنما يساهم في إضعاف الدولة ويكون بذلك قد وقع في فخ ما يخطط له العدو. وهذا تكمن أهمية حصرية السلاح بيد الدولة والعمل على استيعابه بالاحتواء وليس بالتصادم.

وعليه، فإن قيام الدولة، وليس أية دولة، إنما الدولة الوطنية الديمقراطية والمحصن نطاقها الوطني من الاختراقات المعادية بوحدة موقف داخلي لمواجهة التحديات التي تهدد الأمن الوطني، هو المدخل لإعادة تصويب المواجهة مع الذين يناصبون الأمة العداء على مستوى مفرداتها الوطنية أو على مستوى كلها القومي على أساس تحديد مرتكزات القوة في البنيان الوطني والقومي. وعندئذ سيجد الجميع أنفسهم أنهم موجودون في صلب المشروع الوطني الذي يقف على أرضيته كل أبناء الشعب على اختلاف طيفهم السياسي وتشكلهم المجتمعي. وهذا من شأنه أن يسقط المخاوف المتبادلة من تأثيرات التقيّلات الخارجية لمعطى الوضع الداخلي ويرفع من منسوب خطاب التظلمات الوطني الذي لا يستقيم إلا بإسقاط منطق التخوين المتبادل وإحلال منطق الاعتراف الوطني المتبادل في المحاكاة السياسية.

  • اليمن، وتعطيل الحل الانتقالي:

إن اليمن الذي شهد حراكاً شعبياً مع انطلاق الموجة الأولى من الحراك الشعبي العربي، كان قاب قوسين أو أدنى من الدخول الفعلي في رحاب الحلول لأزمته الداخلية والتي استندت إلى مرجعيات ثلاث: المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الذي تمثلت فيه كافة القوى اليمنية على تنوع طيفها السياسي، وقرار مجلس الأمن الدولي رقم ٢١١٦. إلا أن محاولات تنفيذ الحل الانتقالي تعثرت بسبب عاملين أساسيين: الأول، داخلي، وتمثل بعرقلة جماعة الحوثيين لمشروع الحل، ولاعتقادهم بأن الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، ونشوء شبه تحالف بين الطرفين، والثاني الدخول الإيراني القوي على خط الأزمة بالاتكاء على دور الحوثيين على الأرض، وكانت نقطة الاقتراف بين الأطراف الداخلية لحظة تنفيذ الحوثيين انقلابهم على الشرعية في أيلول ٢٠١٤، وهو ما أعاد الأمور إلى المربع الأول، والأساس الذي بني عليه قرار شن عاصفة الحزم التي انطلقت في آذار ٢٠١٥ بقيادة المملكة العربية السعودية ولم تستطع أن تحسم الأمر لأكثر من سبب، منها أن تحالف صالح – الحوثيين، مكن الميليشيات الحوثية من السيطرة على الترسانة العسكرية للجيش ومنها أولاً، الأسلحة الثقيلة والصواريخ، وأفسح المجال أمامها للسيطرة على مناطق الجنوب والتي لم يكن لها فيها أي وجود بحيث بات هذا التحالف الثنائي هو الأقوى على الأرض بالقياس إلى حجم القوى الأخرى التي امتلكت ميزة التفوق الجوي فقط، ومنها ثانياً، أن التحالف الذي أطلق “عاصفة الحزم” كانت تحكمه خلافات حول مقاربة الحل للأزمة ورسم خارطة لتوزع مناطق النفوذ وهو ما بدا واضحاً في الخلاف السعودي – الإماراتي. ومنها ثالثاً، أن انفجار الوضع الأمني فتح المجال أمام التدخلات الخارجية الإقليمية والدولية، حيث إن النظام الإيراني الذي ارتفع منسوب تغوله في الوطن العربي بعد احتلال العراق والتسهيلات الأميركية التي منحته الإمساك بمفاصل الوضع العراقي، وجد في المناخ السياسي والأمني في ساحة اليمن فرصة ذهبية لا يمكن أن تعوض لإقامة مواطئ قدم له على شواطئ البحر الأحمر، يمكن استغلالها في الضغط على السعودية من ناحية وفي التأثير على الملاحة في هذا الممر المائي الحيوي من ناحية أخرى. وإضافة إلى العاملين الداخلي والإقليمي، فإن مراكز القرار الدولي وخاصة أميركا لم تكن بعيدة عن إطالة أمد الأزمة ولم تمارس ضغوطاً جدية لمحاصرة وإسقاط القوى المعطلة للحل الانتقالي استناداً إلى مرجعياته الثلاث.

إن الولايات المتحدة الأمريكية وجدت في تفاقم الأزمة اليمنية فرصة لتوظيف معطياتها في الضغط على دول الخليج العربية وخاصة السعودية لابتزازها مالياً وسياسياً، كما أنها وهي تعمل على الاستثمار بالدور الإيراني من خلال ما يؤديه من وظيفة في تدمير البنى الوطنية العربية وتأجيج المشاعر الطائفية والمذهبية في المشرق العربي، تمهيداً لإضعاف مقومات الدولة الوطنية وإعادة صياغة أوضاعها الداخلية وإنتاج نظم سياسية تبنى على أساس المحاصصات الطائفية والمذهبية والجهوية بما يجعلها تستبطن عناصر تشكل انفجار أزمات دورية، إنما أدخلت اليمن ضمن صلب هذه الاستراتيجية نظراً للأهمية التي ينطوي عليها اليمن سواء لجهة موقعه الاستراتيجي أو لجهة ما يختزنه من ثروات طبيعية لم تستثمر بعد. ولهذا لم تكن أميركا بعيدة عن إطالة أمد الأزمة والحؤول دون حسمها، بل بقيت تمارس سياسة مسك العصا من الوسط وفتح الخطوط مع ائتلاف السلطة الشرعية من ناحية وجماعة الحوثيين من ناحية ثانية وهم الذين شكلوا أحد الأذرع الإيرانية لتنفيذ أجندة الأهداف الخاصة بنظام طهران.

إن تداخل العوامل الداخلية مع العوامل الخارجية للأزمة اليمنية والتي تحولت من أزمة سياسية تتمحور حول الصراع على السلطة إلى أزمة بنيوية تتعلق بإعادة تركيب بنية الدولة، جعل الحل في اليمن مرهوناً بالتقلبات بين معطى الوضع الداخلي ومعطى الوضع الدولي. وإذا كان عامل التأثير الإيراني قد خف بعد الضربات التي تلقاها المشروع الإيراني في المشرق وخاصة وهنه في سورية، فالأرجحية في عوامل التأثير الخارجي سينعقد لواؤها للعامل الدولي الذي تتحكم أميركا وبنسبة كبيرة بسقوفه.

إن أميركا، التي تلعب دور القيادة الاستراتيجية لتشكيل ما تسميه نظام شرق أوسط جديد، تبني استراتيجيتها على إضعاف المكون القومي العربي بقواعده الارتكازية الأساسية، وهذا لا يتحقق إلا بإضعاف مقومات الدولة الوطنية العربية، وإضعاف السلطة المركزية عبر إضعاف مؤسساتها ومنها مؤسسة الجيش، واليمن كدولة وازنة في الوطن العربي لا يشذ عن هذه القاعدة. ولهذا فإن الغارات الجوية التي نفذتها أميركا والكيان الصهيوني على اليمن، بحجة الرد على تهديد الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر والرد على إطلاق الصواريخ والمسيّرات على الكيان الصهيوني، كانت تستهدف المرافق الحيوية في البلاد من موانئ ومطارات ومحطات تحويل كهربائي أكثر من استهدافها لمواقع عسكرية حوثية أو أماكن حكم وسيطرة. وهذا ما يبين بأن الهدف من الأعمال العدوانية على اليمن كان تدمير البنى التحتية أكثر منه البنى العسكرية والهياكل السياسية. وهذا ما يجعل كلفة إعادة الإعمار أكبر، وبالتالي سبيلاً لممارسة الابتزاز السياسي، بتوظيف ورقة المساهمة في إعادة الإعمار كورقة ضغط، لفرض خيارات تحاكي مصالح الدول والهيئات التي تساهم في الإعمار، وبالتالي جعل البلد تحت تأثير مديونية عالية تجعل اقتصاد البلاد مرهوناً لمصادر التمويل.

إن النظر إلى أزمة اليمن باعتبارها أزمة بنيوية، إنما يضعها في مصاف الأزمات الكبرى، والحلول التي ترسم لها لا تخرج عن السياقات العامة لمخرجات الحلول للأزمات البنيوية التي عصفت بأكثر من قطر عربي، ولهذا فإن ما تعرض له اليمن من مخاطر تهدد وحدته الوطنية، هو خطر يتجاوز في أبعاده حدود اليمن إلى رحاب الوطن العربي الكبير، وبالتالي فإن مهددات الوحدة الوطنية هي تهديد للأمن القومي العربي. وهذا ما يدفع لأن يصنف موقف الحوثيين، بأنهم لعبوا دور مطية التغلغل الذي وفر للقوى الإقليمية مداخل للعبث بالأمن الوطني، وبالتالي لا حل وطنياً لأزمة اليمن إلا بإسقاط الدور الذي لعبه الحوثيون كأحد الأذرع للنظام الإيراني، والعودة إلى وطنيتهم اليمنية والانخراط في إنتاج عملية سياسية تفتح الطريق أمام إعادة توحيد اليمن توحيداً وطنياً، وهذه مهمة كل شعب اليمن وكل الأمة التي يفترض بقواها الوطنية والحية أن تنتصر لمشروع إعادة بناء الدولة اليمنية على الأساس الذي يحمي وحدته أرضاً وشعباً ومؤسسات. وهذه يجب أن تكون من مرتكزات النضال الوطني والحزب في طليعتها.

  • السودان من المشروع الواعد للتحول الديمقراطي إلى الحرب العبثية:

 إن السودان الذي واجه أزمة بنيوية، أدت إلى انفصال جنوبه في العام ٢٠١١، اهتز لرياح الحراك الشعبي العربي الذي غطى حينذاك العديد من ساحات الأقطار العربية، وقد تميز هذا الحراك الذي توجت فعالياته بقوة في كانون الأول من العام ٢٠١٨، ببلوغه حدّ محاصرة وإسقاط نظام الإنقاذ وتضييق الخناق على المجلس العسكري الانتقالي بالاحتجاج السياسي والتظاهرات وبشكل خاص تلك التي انطلقت في الثلاثين من يونيو / حزيران، ما دفعه للدخول في تسوية سياسية ودستورية مع قوى المعارضة التي كان طرفاها، الأول، بحسب ما اتفق على تسميته بالمكون المدني الذي مثلته قوى إعلان الحرية والتغيير، وكان الحزب ركناً أساسياً من أركانها وهو الذي كان له دور بارز في تحريك الشارع وبما أدى اعتقال عدد من قياديه أكثر من مرة وعلى رأسه الفريق المناضل الأمين العام المساعد للحزب أمين سر قيادة القطر وعدد كبير من الكوادر والمناضلين من مستويات حزبية مختلفة. والطرف الآخر، الذي اتفق على تسميته بالمكون العسكري الذي مثله قائد الجيش الذي انقلب مع قائد قوات الدعم السريع على البشير وبعض مساعديه ومستشاريه كمحاولة لإنقاذ النظام من السقوط الكلي تحت ضغط حراك الشارع وعلى قاعدة “ما لا يدرك كله لا يترك جله”.

لقد قامت التسوية بين المكونين على أساس وثيقة دستورية حددت العناوين والمضامين الجديدة لإنتاج نظام جديد تحكمه قواعد تصفية ركائز سياسات نظام الإنقاذ والتحول الديمقراطي السلمي. وتم الاتفاق على فترة انتقالية يديرها مجلس سيادي يتشكل بالتوافق بين المكونين، وتكون رئاسته مناوبة يتولاها بداية المكون العسكري، ومن ثم المكون المدني، وتكون الفترة الانتقالية هي الفترة التي يتم فيها إعادة بناء السلطة بكل هياكلها ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية على أساس مندرجات الوثيقة الدستورية التي أقرت بموافقة المكونين. وأما الحكومة التي تم تشكيلها بالتوافق فكان رئيسها مدنياً دون أن يكون من أطراف قوى الحرية والتغيير.

إن الفترة التي امتدت منذ إقرار الوثيقة الدستورية وتشكل المجلس السيادي والحكومة في النصف الثاني من العام ٢٠١٩، وحتى حصول انقلاب الارتداد الذي نفذه المكون العسكري قبل استحقاق تخليه عن رئاسة المجلس للمكون المدني في أكتوبر ٢٠٢١، كانت فترة مساكنة سياسية أكثر منها فترة تفاهمات عميقة وتوافقية على إدارة شؤون السودان داخلياً وفي العلاقة مع الخارج. وقد بدا واضحاً أن الدائرة الضيقة في المكون العسكري الذي يتمثل في المجلس السيادي، كان يتخذ قرارات لا تعرض على المجلس السيادي ولا على الحكومة، وخاصة العلاقة مع القوى الدولية والإقليمية. وكان أكثرها فظاظة الاتصالات التي أجراها رئيس المجلس السيادي والقائد الأعلى للقوات المسلحة عبد الفتاح البرهان مع رئيس وزراء العدو نتنياهو والتي نُظر إليها بأنها بداية لتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني.

إن الموقف الذي اتخذه رئيس المجلس السيادي أدى الى بروز أزمة ثقة بين الطرفين، واعتبر المكون المدني أن هذه المسألة هي مسألة سيادية، لا يقرر بشأنها شخص مهما علا موقعه، وبالتالي لا بد من العودة إلى الشعب للتقرير بشأن ذلك.

لقد بدا واضحاً، وقبل حلول استحقاق انتقال رئاسة المجلس السيادي إلى المكون المدني، أن الأمور لا تسير باتجاه انتقال سلس لتبادل المواقع السيادية عملاً بالأجندة التي حددتها الوثيقة الدستورية، وأن الأمور تتجه إلى تمنع المكون العسكري عن تنفيذ ما سبق وتعهد ووقع عليه. وهذا ما حصل، إذ أقدم هذا المكون بطرفيه الأساسيين قيادة الجيش و”الدعم السريع” على تنفيذ انقلاب على الاتفاق وترافق معه شن حملة اعتقالات طالت رموزاً في “قوى إعلان الحرية والتغيير” وكان نصيب الحزب وافراً منها كالعادة.

إن ارتداد المكون العسكري عن الالتزام بأحكام الوثيقة الدستورية، كشف بما لا يقبل أدنى شك، أن دخول المكون العسكري المنبثق من صلب النظام السابق في رحاب التسوية السياسية والدستورية مع المكون المدني، كان مناورة للالتفاف على مطالب الثورة، وقطع الطريق عليها في الوصول إلى مالاتها النهائية في إحداث التغيير وإنتاج نظام جديد تحكمه قواعد الديمقراطية والتعددية السياسية وتداول السلطة وحماية الثروة الوطنية من نهب الشركات المتعددة الجنسية وإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني بالشكل الذي يلبي الحاجة الوطنية في إحداث التنمية المستدامة والحؤول دون ربط الاقتصاد بشروط الصناديق الدولية والتي تتحكم بها الشركات والكارتلات الأميركية.

ولذلك فإن الانقلاب الذي نفذه المكون العسكري، لم يشكل نكوصاً عما تم الاتفاق عليه وحسب، وإنما ترك تداعيات سلبية على الصيغ التحالفية لقوى الاعتراض الشعبي، بحيث التحقت بعض القوى ذات الحيثية السياسية والشعبية بالحركة الانقلابية، وبعض آخر تعرض لانشقاقات داخلية بين مؤيد ومعارض، وهذا ما أدى إلى إضعاف المعارضة الشعبية والوطنية.

إن الحركة الانقلابية التي لم يكن حصولها ممكناً بدون تحريض ودعم خارجي إقليمي ودولي، لم تستطع أن توفر غطاء مدنياً ولو شكلياً لاستمرارها في الإمساك بناصية الحكم، إذ في فترة لم تتجاوز السنة والنصف بدأ الصراع الخفي بين قيادة الجيش والدعم السريع يظهر على السطح ويتخذ شكل تبادل الاتهامات بينهما وصولاً إلى الانفجار الكبير في ١٥ نيسان من العام ٢٠٢٣ مطلقاً العنان لحرب طاحنة، أكلت الأخضر واليابس بعدما غطت المعارك العسكرية غالبية ولايات السودان.

إن هذه الحرب أحدثت تدميراً هائلاً في بنية الدولة ومؤسساتها ومرافقها الحيوية والحياتية، وأوقعت خسائر فادحة في البشر والحجر، ودفعت الملايين إلى النزوح داخل البلاد وخارجها، والأخطر من كل ذلك، أنها أفسحت المجال أمام القوى الخارجية للتدخل بقوة وعلى المكشوف في الشأن الداخلي، بعدما أصبحت عاملاً مؤثراً في تمويل هذه الحرب وتسليحها بهدف إدامتها والتأثير على قرارات المنخرطين ميدانياً فيها، وأخطر ما في هذا التدخل، هو الدخول الصهيوني على مجرى هذه الحرب عبر خطوط اتصال مع الطرفين.

إن السودان الذي كانت فيه تجربة الحراك الشعبي تجربة واعدة وواحدة من النماذج التي كان يعول عليها في إحداث تغيير سياسي بوسائل التعبيرات الديمقراطية، أدخل في أتون حرب مدمرة، أدت إلى إعادة ترتيب الأولويات بحيث بات المطلب الأساسي والملح للحركية الوطنية السودانية هو وقف الحرب العبثية، وإعادة الاعتبار للدولة التي فقدت وظيفتها الأساسية في توفير الحماية للأمن الوطني وأمن المواطن.

إن الوقوف على خلفية المحركات التي أوصلت السودان إلى ما هو عليه من تهديد فعلي لوحدته الوطنية في الوقت الذي يواجه فيه تحديات كبرى وأولها تحدي الصراع الكامن مع إثيوبيا حول اقتسام مياه النيل بعد إقدام الأخيرة على إنشاء سد النهضة وعدم أخذ مصالح دول المجرى والمصب وهما مصر والسودان بعين الاعتبار، لم يكن سببه فقط مجرد صراع على السلطة بين طرف انبثق من رحم النظام السابق وعاد للاستقواء به من خلال بعض الأجهزة الأمنية والقضائية التي بقيت متحكمة في مؤسسات الدولة العميقة، وبين من وجد نفسه رديفاً وسلطوية استطاع تحصيل امتيازات سياسية ومالية وعسكرية بعدما شرّع وضعه بقانون ربطه مباشرة برئاسة الجمهورية، وإنما السبب الأساسي كان في إدخال السودان دوامة أزمة بنيوية، تتداخل فيها العوامل الداخلية بالخارجية، لإعادة صياغة أوضاعه الوطنية والسياسية بما يخدم مخطط الإطباق والسيطرة على الوطن العربي، عبر إسقاط مواقع القوة فيها وإضعاف مركزية الدولة في هذه المواقع، وإعادة إنتاج نظم سياسية تحاكي مصالح القوى الدولية والإقليمية الطامعة في مقدرات الوطن العربي. والسودان الذي يشغل موقعاً استراتيجياً مهماً في الخارطة الجغرافية للوطن العربي وهو المصنف بأنه سلة الغذاء العربي، لا يمكن أن يكون بمنأى عن المؤامرات التي تستهدف الأمن القومي، والأمن الغذائي والمائي هما من أركان هذا الأمن. لذلك، عمدت القوى الداخلية التي نشأت في ظل “نظام التمكين” الذي سقطت بعض رموزه دون أن تسقط تأثيراته، إلى المناورة الداخلية في مواجهة تصاعد ضغط الانتفاضة الشعبية، وتقاطعت مع مصالح القوى الخارجية التي سال لعابها على ثروات السودان الطبيعية ووجدت فرصة مؤاتيه للتأثير في مجريات الأحداث التي أُحدثت أضراراً سياسية واقتصادية واجتماعية وبشرية، وأعادت السودان إلى مرحلة ما قبل قيام الدولة وما يشكله قيامها من تطور إيجابي في إدارة الاجتماع السياسي للشعوب.

إن الإطلالة على واقع السودان في ظل الصراع المستعر فيه، إن تمت من خلال قراءة للوقائع السياسية، كما كانت الإطلالة على واقع ساحات فلسطين والعراق وسورية ولبنان واليمن والأحواز، فلأن هذه الوقائع تشكل الركن المادي الذي يتم الاتكاء عليه لإعطاء البعد السياسي الحقيقي لتفسير ما تشهده بعض ساحات الأقطار العربية.

إن ترجيح أدوار القوى الدولية والإقليمية في توجيه مسار الأحداث في الأقطار التي تعصف فيها أزمات بنيوية، أدى إلى تدمير بنى الدولة الوطنية وتفكيك المجتمع، وفرض وقائع جديدة في الجغرافية السياسية – الاجتماعية على أساس من الفرز الطائفي – المذهبي والعِرقي والجهوي والقبلي، وهذا ما أدى إلى تصدعات في التماسك الوطني لأكثر من كيان وطني عربي.

أمام هذا التدخل الدولي والإقليمي الذي يطبق على الواقع العربي وفي ظل تراجع المشروع القومي بعد ضرب مرتكزات القوة فيه، أدى التصدع في البنيان العام للدولة الوطنية العربية إلى إحداث اختلال عميق في الاجتماع السياسي العربي، وهو سيزداد تفاقماً إن لم يُستعد المشروع القومي بكل ركائزه الفكرية والسياسية حضوره في المواجهة الشاملة وإحداث تحولات إيجابية واعدة، تكون مقدمة لإعادة تثبيت الهرم العربي على قواعده الارتكازية الأساسية وبالتالي إعادة الموقع العربي ليتبوأ موقعه الأساسي في صياغة نظام إقليمي جديد يكون المكون العربي الأساس فيه، وبما يجعله قادراً على التصدي للمشروع الأميركي الصهيوني ولكل القوى الدولية والإقليمية التي ترمي بأنظارها إلى الوطن العربي باعتباره مجالاً حيوياً لاستثماراتها الاقتصادية وقواعدها العسكرية وسيطرتها على ممرات العبور الاستراتيجية برية كانت أو بحرية، واقتناص الفرص

  1. الحراك الشعبي العربي، مقدماته ومآلاته:

لقد انطلقت الانتفاضات الشعبية على مساحة الوطن العربي على مرحلتين:

الأولى، انطلقت عشية العام ٢٠١١، وغطت ساحات تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية والبحرين وبعض مدن وحواضر العراق.

الثانية، انطلقت بداية العام ٢٠١٩، وغطت ساحات السودان والعراق ولبنان والجزائر وفلسطين. وإذا كان الحراك الشعبي الذي انطلق في الجولة الأولى لم يصل إلى تحقيق مآلاته في إحداث التغيير المطلوب وطنياً وديمقراطياً، إما بسبب فرض العسكرة عليه وجرِّه إلى المربع الأمني الذي أفقد تعبيراته السلمية الديمقراطية وأفسح المجال أمام اختراقه في بعض الساحات من قوى التخريب والتمزيق البنيوي للمجتمعات التي ترافقت مع القمع السلطوي لإجهاض الحراك، وإما بسبب ضعف الهيكلة السياسية الوطنية للساحات التي شهدت حراكاً، حيث استطاعت أن تسقط نظاماً، لكنها لم تستطع أن تنتج بدائل وطنية. وقد اتضح أن الساحات التي تعسكر حراكها، أصبحت أسيرة التدويل والأقلمة لمخرجات الحلول لأزماتها. وإن الأطراف الداخلية التي انخرطت في الحراك، أخرجت من المعادلة، بعدما بدأت التحضيرات للحلول ترتسم في الكواليس الدولية والإقليمية كما هو حال ليبيا وسورية واليمن ولبنان والعراق المحاصرين بقطبي الرحى الأميركي والإيراني.

أما الساحات التي لم ينجر حراكها إلى العسكرة في الجولة الثانية من انطلاقته، فبعضها حقق اختراقاً فعلياً في بنية السلطة ودخل طرفاً مؤثراً في إنتاج سلطة جديدة كحال السودان الذي لم تكتمل عملية التحول الديمقراطي فيه بعد الردة التي قام بها المكون العسكري على العملية السياسية التي كانت تجري أساساً وفق الوثيقة الدستورية. هذا الحراك الشعبي انطلق بشمولية لم يشهد الوطن العربي مثيلاً لها، إلا تلك التي عمت الشارع العربي بعد تأميم قناة السويس ورداً على العدوان الثلاثي على مصر عقب التأميم.

فالأمة العربية التي كانت تبدو في حالة ذهول بعد احتلال العراق، استقبلت على مدى سنوات معدودة ضخاً تعبوياً من فعاليات مقاومة شعب العراق للمحتل الأميركي، كما كانت تعيش حالة مخاض داخلي رفضاً لتواطؤ النظام الرسمي العربي مع الاحتلال، وهي تعيش اختلاجات داخلية ضد ممارسات القمع والتسلط ومصادرة الحريات الأساسية من المنظومات الحاكمة.

إن الإنسان العربي بخلافه العقل الجمعي، بقدر ما كان منفتحاً على الانبهار بإنجازات المقاومة الوطنية العراقية وانتفاضة جماهير فلسطين، كان يعيش صراعاً داخلياً، يعود بجانب منه إلى قصور في تحركه انتصاراً لقضيتي العراق وفلسطين وقضايا الحرية والديمقراطية، وبجانب آخر إلى ما يعتصره من ألم من جراء هذا القصور وما تتعرض له جماهير العراق وفلسطين من قمع الاحتلال والتنكيل والتعذيب والتهجير والانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان.

إن الانفجار الشعبي الذي عم ساحات الوطن العربي، أثبت أن المعاناة الشعبية العربية واحدة، كما هي وحدة الأهداف التي يتوقف على تحقيقها تحرير الأمة وخلاصها من كل أشكال استلابها القومي والاجتماعي. هذا الحراك الذي أدرج تحت توصيف الانتفاضات الشعبية جرت قراءته من وجهتي نظر متناقضتين، واحدة اعتبرته مندرجاً في إطار نظرية المؤامرة وثانية أدرجته تحت عنوان الثورة الشعبية وإن لم تكن مكتملة العناصر والمقومات. فأي التوصيفات ينطبق على هذا الحراك؟ إن الذين يعتبرون الحراك الشعبي يندرج ضمن نظرية المؤامرة يستندون في مقاربتهم إلى المبررات التالية:

الأول، أن الوطن العربي من مشرقه إلى مغربه، كان ومازال محط استهداف الاستراتيجيات الدولية المتقابلة وتلك الإقليمية الملتحقة أو المتماهية معها، وبالتالي فإنه من خلال قدرة أصحاب هذه الاستراتيجيات على التأثير والإمكانات الكبيرة المتاحة لهم، لا يمكن أن يتركوا هذه المنطقة في حالة تفلت من قبضتهم أو تهاوي هيمنتهم عليها.

الثاني، أن الفترة الزمنية الطويلة نسبياً، للاستعمار المباشر لهذه المنطقة على مستوى الكل القومي والجزء القطري، مكنت القوى الاستعمارية من إقامة مرتكزات سياسية واجتماعية، تلجأ إليها عند الحاجة، لتوظيفها في الاتجاه الذي يخدم مصالحها.

الثالث، أن هذه المنطقة تشغل موقعاً بالغ الأهمية في الجغرافيا والسياسة الدولية والقارية وتحوي على مخزون هائل من النفط والغاز والمواد الأولية، وبه ترتبط عجلة الإنتاج الصناعي والمنظومات الخدماتية، وإن القوى الاستعمارية لا تتساهل مع من تعتبره مهدداً لهذه السلع الاستراتيجية، بل إنها ربطت السيطرة على هذه السلع بأمنها القومي، وكما تفصح عنه الإدارة الأميركية دون مواربة أو التباس.

الرابع، أن خروج المنطقة العربية من تحت سقف الهيمنة الدولية، وبروز حالة شعبية ضاغطة على النظم الحاكمة في الحد الأدنى، ومنشئة لنظم وطنية مفتوحة في رؤيتها السياسية الاستراتيجية على التوحد القومي، يجعل من الكتلة الشعبية العربية، كتلة مؤثرة ليس في إدارة شأنها الخاص بعيداً عن الالتحاق والتبعية وحسب، بل يجعل منها أيضاً عنصراً مؤثراً في نظام التوازنات الإقليمية والدولية، خاصة وأن هذه الكتلة تستوطن الشواطئ الشرقية والجنوبية للبحر الأبيض المتوسط وهو نقطة التوازن في النظام الدولي باعتباره الحاجز الذي يفصل بين الشمال والجنوب.

الخامس، أن اغتصاب فلسطين، لم يكن باستهدافاته الأساسية استلاباً لفلسطين وحسب، بل أيضاً لإقامة قاعدة ميدانية في قلب الوطن العربي للمشروع الاستعماري، تنفيذاً للاستراتيجية التي أطلق إشارة تنفيذها نابليون، يوم كانت فرنسا الإمبراطورية الأكثر تأثيراً في حوض المتوسط وأوروبا. وإن أمن الكيان الصهيوني المحتضر دائماً من مواقع التقرير في النظام الاستعماري والذي تبدلت مواقعه ويستقر اليوم في العقل السياسي الأميركي، لا يسمح بأن تحصل متغيرات سياسية تؤثر على الكيان الصهيوني والوظيفة المناطة به في استراتيجية السيطرة والهيمنة على هذه المنطقة من العالم، وإذا ما حصل التغيير فإنما يجب أن يكون في السياق الذي يخدم هذه الاستراتيجية، لا أن يكون في الموقع المتصادم معها.

هذه المبررات الخمس التي يتناولها أصحاب إدراج الحراك ضمن نظرية المؤامرة، تكفي بنظرهم، لأن تجعل التغيير السياسي يندرج في حوض هذه الرؤية، وهو يكون مطلوباً عادة لتجديد شخصية الأنظمة التي استهلكت ولم تعد قادرة على تلبية متطلبات وحاجات قوى التأثير الدولي في الخارطة العربية، ولهذا يرى أصحاب هذه النظرية أن هذا الحراك كان استجابة لأجندة مطالب خارجية وإعادة إنتاج النظم المستهلكة، مستندين في تدليلهم إلى التغطية الإعلامية الواسعة التي حظي فيها الحراك من وسائل الإعلام الغربية، والتدخل الذي كان يحصل بصيغ متعددة الأشكال لتوجيه دفة الأمور بالاتجاه الذي يخدم مصالحها. وبالتالي فإن الذي جرى ويجري لا يندرج ضمن معطى التغيير الثوري.

أما الذين يعتبرون أن الحراك الشعبي العربي، هو إفصاح عن معطى ثوري حقيقي، فإنما يسندون وجهة نظرهم إلى توفر أسباب جوهرية لتفجر هذا الحراك ومن هذه الأسباب:

أولاً، القهر السياسي المتراكم في الوجدان الجمعي للجماهير العربية والذي قارب احتقانه درجة الغليان والانفجار، بعدما استفحلت إجراءات القمع التي أدارتها المنظومات الأمنية المتحكمة بالقرار السياسي، بحيث باتت هذه المنظومة هي الحاكم الفعلي أو الموجه لدفة الحكم.

ثانياً، الفساد الذي استشرى في مفاصل السلطة بكل أجهزتها ومؤسساتها السياسية والاقتصادية والأمنية والقضائية، بسبب غياب أو تغييب المساءلة وانعدام الشفافية في إدارة الحكم، واعتماد المحسوبية والزبائنية في تولي المناصب العامة، وتحول الاقتصاد إلى اقتصاد ريعي بيئي للربح السريع، وهو ما أدى إلى تدني مرعب في فرص العمل وازدياد معدلات البطالة، واتساع المساحة القاعدية للشرائح الشعبية الفقيرة والمعوزة، وحيث أشارت التقارير ذات الصلة بالتنمية البشرية في الوطن العربي أن واحداً من كل خمسة أشخاص ليس فقيراً وحسب وإنما يعيش تحت خط الفقر، وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن معدلات الفقر وحسب تقرير التنمية البشرية العربية العام ٢٠٠٩ بلغت ٤١٪ من مجموع السكان. وأن هذه المعدلات ارتفعت كثيراً بعد الأزمات البنيوية التي عصفت بالعديد من الساحات العربية وأفرزت ظاهرة جديدة ضاغطة على الواقع المعيشي هي ظاهرة التهجير والنزوح الواسع النطاق الذي جعل الملايين من المواطنين العرب يواجهون أوضاعاً مأساوية في واقعهم المعيشي.

ثالثاً، غياب الديمقراطية عن مجرى الحياة السياسية العربية، بحيث انعدمت تقريباً فرص تداول السلطة، وساد نهج التوريث السياسي والتأييد في السلطة، بحيث لا يترك الحاكم منصبه إلا إلى مثواه الأخير.

إن التأييد في ممارسة الحكم ما عدا استثناءات قليلة جداً، ترافق مع ترويج مفاهيم سياسية، تجعل من الحاكم مختصراً للوطن في ذاته، بحيث عدّ سقوط الحاكم سقوطاً للدولة وكانت السلطة حقاً إليهم ممنوع نقدها أو تبديلها، وهذا أدى إلى جعل الحاكم يحتكر مفردات المسميات الوطنية كعنوان ورموز للوطنية، فمن والاه هو “الوطني بامتياز”، ومن عارضه هو “الخائن بامتياز”. وبحكم أن “الخيانة” يقع مرتكبوها تحت طائلة المساءلة الجنائية بعقوبة الحد الأقصى كانت تطبق بحقهم أقسى العقوبات من الإبعاد وإسقاط الجنسية والحبس المؤبد والإعدام.

إن التأييد السلطوي، دفع الحاكم إلى تحصين نفسه إما بنظام دستوري يثبت الوراثة في الحكم، وإما بالاستناد إلى استفتاء فلكلوري عبر ثبات الرقم ٩٩.٩٩ في عداد الاستفتاءات الشعبية.

رابعاً، تبعية النظام الرسمي العربي بأغلبيته الساحقة لمراكز التقرير في النظام الدولي. فالسلطات الحاكمة لم تكتف باعتماد نهج الاستلاب السياسي للشعب في إدارة الشأن العام الداخلي، بل اعتمدت أيضاً الالتحاق مباشرة أو مداورة بمواقع دولية ذات استهداف واضح للسيطرة على الوطن العربي، وهذا ما أدى إلى جعل الجماهير العربية تقع تحت تأثير استلاب قومي من أبرز تجلياته، الانخراط في منظومات عسكرية وأمنية واقتصادية تتعارض في أهدافها مع مصالح وطموحات الأمة العربية في توقها نحو التحرر وممارسة خياراتها المستقلة في حق تقرير المصير. ومن هذه الالتحاقات، توقيع الاتفاقيات مع العدو الصهيوني وتطبيع العلاقات معه، ومشاركة جيوش عربية في الحرب الأطلسية على العراق بحجة الالتزام بالشرعية الدولية وأيضاً المشاركة في عدوان ٢٠٠٣، ونسج تحالفات من مواقع إقليمية تستبطن في ذاتها عدائية تاريخية ضد الأمة العربية كالتي تنسجها بعض الأنظمة والقوى مع النظام الإيراني.

هذه التبعية للنظام الرسمي العربي بغالبية أطرافه، كانت الجماهير العربية تعارضها، لأنها كانت ترى فيها تهديداً للأمن القومي العربي بجوانبه السياسية والمجتمعية، وهذا ما كان أحد الأسباب التي أدت إلى رفع منسوب الغضب الشعبي ضد المنظومات الحاكمة.

خامساً، الضخ التعبوي الذي أفرزه الفعل المقاوم للاحتلال والعدوان الأجنبيين، حيث إن الجماهير العربية التي كانت تعيش ظروفاً اقتصادية واجتماعية وإنسانية شديدة القسوة والتي كانت مترافقة مع قهر وظلم سياسيين موصوفين، كانت تنشد بأحاسيسها إلى الفعل العربي المقاوم للاحتلال الذي برز في ثلاث ساحات، فلسطين والعراق ولبنان.

هذا الفعل المقاوم الذي استطاع أن يحقق إنجازات قومية هامة، أهمها دحر الاحتلال الأميركي عن العراق وفرض الانسحاب الصهيوني من لبنان، واستمرار الأداء المقاوم في فلسطين المحتلة رغم التعقيدات الذاتية والموضوعية المحيطة بالوضع الفلسطيني، كلها شكلت علامات مضيئة، وهي بما استطاعت أن تنجزه وخاصة بالطريقة التي أدارت فيها المقاومة الوطنية العراقية حربها التحريرية ضد المحتل الأميركي وبعدها ضد الاحتلال الإيراني، لعبت دوراً بارزاً في تحقيق حالة امتلاء نفسي وسياسي في مواجهة مشاريع إفراغ الخطاب الرسمي العربي من مضامينه الوطنية والقومية.

إن هذه الأسباب التي جرت الإشارة إليها، هي عناوين رئيسية، وإن ثمة عناوين أخرى، ترتبط بشكل أو بآخر بهذه العناوين. وإذا كان واحد منها كافياً لإحداث وضع ثوري، فكيف إذا تجمعت هذه العناوين، من القهر السياسي – الاجتماعي إلى القهر القومي، في وعاء مجتمعي واحد، إضافة إلى فساد الأنظمة وتبعيتها وتآمرها وتوريثها السياسي وتأييدها السلطوي، والموقف السلبي، لا بل المعادي للفعل المقاوم للاحتلال الأجنبي صهيونياً كان أو دولياً أو إقليمياً. ألا يكفي ذلك ليكون عاملاً مفجراً لوضع شعبي بعد بلوغه مستوى الاحتقان؟

إن الإطلالة على الواقع الشعبي العربي بكل ما ينطوي عليه من اختلاجات سياسية واقتصادية واجتماعية تؤكد بأن المناخات كانت متوفرة لإطلاق حراك شعبي، وهو الذي انطلق استجابة لحاجة شعبية عربية، بعد معاناة طويلة من القمع والاستلاب ومصادرة الحريات وإماتة الحياة السياسية في المجتمع العربي، بعدما حالت النظم الحاكمة بما تملكه من أدوات تعطيل وقمع من الحؤول دون تداول السلطة. لكل هذه الأسباب كان لا بد للوضع الشعبي أن ينفجر تحت عنوان “الشعب يريد التغيير”. لكن السؤال الذي يطرح نفسه، هل هذا الحراك الذي جمعته خواص مشتركة في أسباب انطلاقته، وتميز بعناوينه بحسب الخصوصيات الوطنية للساحات يندرج تحت عنوان الثورة المكتملة العناصر والأركان؟

بالرجوع إلى استعراض وجهتي النظر، لا بد من التوقف عند تساؤلات يفترض الإجابة عليها حتى تكون المقاربة لقضية الحراك مقاربة موضوعية:

التساؤل الأول: هل التدخل الأجنبي بشقيه الدولي والإقليمي حصل منذ انطلاقة الحراك ولم يكن موجوداً سابقاً، ليقال إن هذا التدخل واكب زمنياً بداية هذا الحراك ويتواصل معه؟

الجواب على هذا التساؤل إنما يندرج ضمن البديهيات، وهو أن التدخل الأجنبي بكل أشكاله وعلى تعددية مرجعياته، ليس أمراً طارئاً على الحياة السياسية العربية، هو قديم، قدم التشكل القومي للأمة، وهو يأخذ في كل مرة حلة جديدة، وهذا التدخل سيبقى قائماً ما بقي الصراع قائماً في الأمة وعليها.

التساؤل الثاني: هل إذا توقف الحراك، يتوقف التدخل الأجنبي المندرج ضمن نظرية المؤامرة؟

إن الجواب على هذا التساؤل يرتقي حد البديهية أيضاً، وهو أن التدخل سابق للحراك وقائم إلى ما بعد رسوه على نتائج سياسية محددة المعالم أو الأبعاد، وأن هذا التدخل إذ اشتد في هذه الآونة فلأن أطرافه يريدون أن يكونوا على مقربة وعلى تماس مع الأحداث وفي مواقع مؤثرة على أبواب الدخول لإرساء معالم نظام إقليمي جديد.

التساؤل الثالث: هل أن التدخل الأجنبي يأخذ شكل تواصل مع القاعدة الشعبية العريضة، أم يعمل عبر حضوره المباشر أو إمساكه واحتوائه المفاصل السياسية والأمنية في النظم التي تنتهج سياسية التبعية، أو تلك التي انضوت تحت سقف الاستراتيجيات الدولية والإقليمية التي لم يتوان أصحابها عن القتال وضرب كل من يحاول أن يخترق سقف هذه الاستراتيجيات، كما حصل مع مصر إبان الحقبة الناصرية ومع الثورة الفلسطينية ومع ثورة البعث في العراق، وحيث إن هذه النماذج تعرضت للعدوان عندما ظهر العجز الدولي عن احتوائها؟

إن منطق الأمور يفضي إلى القول إن التدخل الأجنبي إنما يتم عبر حلقات سياسية وأمنية واقتصادية، وليس بتواصل مع حركة شعبية عارمة.

أما أن يأخذ هذا التدخل الأجنبي، وعبر وسائط ووسائل مختلفة، عسكرية واقتصادية وسياسية وإعلامية وتحت مظلة تقديم “خدمات إنسانية” بُعداً جديداً، فلأن الحدث نوعي بطبيعته، وهذا ما أمل على المتدخلين تكيف وسائط هذا التدخل مع نوعية الحدث، ولتحقيق ثلاثة أهداف تصب في الوصول إلى غاية واحدة.

الهدف الأول، هو إضعاف الاتجاه الوطني في الحراك، كي لا يصل إلى مداه الأقصى في شد الحراك إلى مرتكزات المشروع الوطني ذي المضمون التحرري ببعديه الاجتماعي والقومي.

الهدف الثاني، في حال حيل دون تحقيق الهدف الأول عبر التدخل المباشر، يكون البديل اللجوء إلى تقديم مساعدات لتشكيلات وهيئات سياسية واجتماعية ملتبسة في توجيهاتها وأدوارها، من أجل تمكينها من قيادة الحراك بالاتجاه الذي يجعلها في الموقع المؤثر لتحديد مسارات التغيير بما يخدم مصالح القوى المتدخلة.

الهدف الثالث، وفي حال عدم إمكانية تحقيق أي من الهدفين الأول والثاني، يتم دفع الأمور باتجاه صراع داخلي يتجاوز حدود التعبيرات الديمقراطية إلى صراع مسلح، ينخرط فيه الجميع، من موقع السلطة المعترض عليها والمعارضة التي تندفع برد فعل واستدراج إلى استعمال السلاح كرد فعل على العنف السلطوي. وإذا ما أضيف إلى مسار العسكرة بين السلطة والمعارضة الصراع الذي ينفجر بين أطراف المعارضة ذاتها واتخاذه طابعاً تصادماً بالسلاح أيضاً، تكون القوى المعادية لأهداف التغيير قد خلقت واقعاً ضاغطاً على قوى التغيير ومشروعها مع إفساح المجال أمام اختراق الحراك من قبل الذين يمولون ويسلحون تشكيلات سياسية مصطفاة في إطار الحراك.

إن هذا الواقع الذي ينشأ عن استدراج الصراع السياسي إلى العسكرة يؤدي إلى بروز تعقيدات وخلق إرباكات تجعل الحركة السياسية المعارضة تعيش حالة إرباك في إدارتها للصراع الذي ينفجر بصيغة الهبات الشعبية ويواجهون صعوبات تنجم فضلاً عن العسكرة التي سادت في أكثر من ساحة، إلى جملة من الأسباب الذاتية.

من هذه الأسباب:

أ- أن الحراك الشعبي في معظم الساحات التي شهدت حراكاً، لم تتوفر له قيادة محورية مركزية في التخطيط والتنفيذ والتحكم.

ب- أن القوى السياسية المفترض فيها أن تكون معنية بقيادة هذا الحراك لم تكن تقف على أرضية موقف سياسي واحد في رؤيتها لآلية التغيير كحد أقصى والإصلاح كحد أدنى، باستثناء الحالة السودانية التي واجهت تعقيدات شابت مسيرة التحول الديمقراطي بسبب ارتداد المكون العسكري على مندرجات الوثيقة الدستورية.

ج- أن حجم الانفجار الشعبي كان قوياً، لدرجة أنه فاجأ المنظومات الحاكمة وبان عجزها عن احتوائه بداية، وبعد التقاط أنفاسها لجأت للانقضاض عليه وقمعه، كما أن الانفجار الشعبي فاجأ القوى السياسية التي تصنف نفسها في خانة المعارضة، وبان عجزها عن تأطير الحراك في سياق حركة منظمة ضمن استراتيجية تغيير واضحة، ولذا بدت الجماهير متقدمة في شعاراتها عن كثير من القوى السياسية التي سعت لركوب الموجة الشعبية لتأمين موقع وحصة لها في الحصاد السياسي.

د- أن الحراك الشعبي العربي باتجاهاته التغييرية بالبعدين الاجتماعي والقومي، لم تتوفر له حاضنة سياسية قومية يتكئ إليها في صراعه المفتوح على آفاق تغييرية، فيما توفرت للنظم الحاكمة والقوى التي اخترقت الحراك الشعبي وسائط دعم مادية وغير مادية وتدرجت من الإعلام إلى السياسة والدعم المالي والتسليحي من المواقع الدولية والإقليمية.

ه- ازدواجية المعايير في التعامل مع هذا الحراك، وظهرت هذه الازدواجية من خلال تأييد البعض للحراك في ساحات معينة فيما عارضته في ساحات أخرى وبحسب مواقفها من الأنظمة التي انطلق الحراك ضدها. علماً أن الحراك كان بواعثه واحدةً وشعاراته العامة كانت تقريباً واحدة، وهي الانتفاض ضد القهر السياسي والظلم الاجتماعي. وهذه الازدواجية في التعامل مع الحراك، قدمت الاعتبارات والمصالح السياسية على حساب مصالح الطبقات الشعبية والفئات الكادحة وقاطني العشوائيات.

هذا الواقع المعاش للحراك الشعبي، وما استطاع إفرازه، بيّن أن الذي جرى ويجري في الساحة العربية، كما أنه لا يندرج ضمن نظرية المؤامرة، فإنه لا يقع تحت توصيف الثورة المكتملة العناصر والأركان. لأن الثورة التي هي فعل تغييري في الاتجاه الإيجابي، بعض من عناصرها كان متوفراً وبعض آخر لم يكن متوفراً.

من العناصر المتوفرة، البيئة المجتمعية والسياسية، التي لا بد من توفرها لقيام الثورة أو اندلاعها، وهي القهر والظلم والبطالة والفساد، والتبعية للأجنبي، وبشكل عام كل ما يندرج تحت عنوان الاستلاب الاجتماعي والوطني. هذه البيئة المجتمعية بالمواصفات المشار إليها، جعلت الفئات الشعبية التي تعاني من تداعيات هذا الوضع، تشكل بيئة حاضنة لأي تحرك شعبي، وفي حال الوضع الشعبي العربي عشية انطلاق الحراك فإن المناخات الثورية الاجتماعية والوطنية كانت متوفرة بمادتها ومضمونها.

أما العوامل التي لم تكن متوفرة، فهي عدم توفر الأدوات الثورية، حزباً كانت أو جبهة، لأجل تأطير عوامل الاستياء الشعبي والرفض والتمرُّد من الواقع السياسي والاجتماعي في سياق مشروع متكامل الأبعاد للتغيير. وهذا ما أدى إلى بروز ثلاث نتائج سلبية:

الأولى، أن قوى الحراك التي رفعت شعار “الشعب يريد التغيير”، توحدت حول الشعار واختلفت على تطبيق آلياته.

الثانية، أن هذا الاختلاف وعدم التوافق على استراتيجية عمل مرحلي، دفع القوى السياسية المنخرطة في الحراك أو التي ركبت موجته، لأن تدخل في صراع مبكر على السلطة، وحول الأولويات المطلوب تنفيذها.

الثالثة، أن هذا الاختلاف، دفع قوى سلطوية لأن تتمترس في مواقعها وتدافع عنها حتى الاستماتة بهدف إطالة أمد الصراع، مراهنة على استنزاف وإرهاق الحركة الشعبية، وبالتالي جعلها مفتوحة على القبول بحلول تمكن النظام من إعادة إنتاج نفسه مع بعض التجميلات الشكلية.

من هنا، فإن اعتبار الحراك بخطوطه العامة ثورة مكتملة الأركان، يفتقر إلى التدقيق الموضوعي، إذ لا يكفي توفر المناخات الثورية لقيام الثورة، بل لا بد من توفر الأدوات الثورية الواضحة في رؤيتها واستراتيجيتها وهذا لم يكن متوفراً. كما أن إدراجه تحت عنوان “نظرية المؤامرة” يناقض صيرورة التغيير والسياق الطبيعي لتطورات الحياة المجتمعية، التي وإن بدت في مراحل معينة تعيش حالة استكانة، إلا أن هذه الاستكانة ليست أبدية، بل هي الفترة اللازمة لانحباس الظروف الذاتية والموضوعية التي يتطلبها العمل الثوري التغيير. وإن اعتبار الحراك الشعبي مندرجاً ضمن “نظرية المؤامرة” بينما هو فعل نضالي بامتياز رغم ما اعترضه من معوقات، فهذا يعني اعتبار كل فعل مقاوم للاحتلال الأجنبي بدءاً من فلسطين وحتى العراق ومروراً بلبنان واندلاع ثورات الجزائر واليمن والثورة الفلسطينية إنما يندرج ضمن نظرية المؤامرة.

فهل ثورة المليون شهيد ومقاومة الاحتلال الأميركي وسقوط عشرات آلاف الشهداء والحراك الشعبي الذي أعقب الانسحاب الأميركي من العراق والحراك الشعبي الذي انطلق في جولته الثانية في السودان ولبنان والعراق والجزائر يندرج ضمن “نظرية المؤامرة”؟ إن إسقاط هذا التوصيف على الحراك هو المؤامرة بذاتها. لذلك فإن التوصيف الموضوعي الذي ينسجم ومعطى الحراك بمقدماته وآلياته وما تمخض عنه من نتائج هي الانتفاضات الشعبية ذات الطابع الثوري.

إن الحراك الشعبي، بالمشهدية التي أطل من خلالها هو انتفاضة بامتياز، وهي انطلقت لتعبر عن انفجار حالة شعبية تختزن في طياتها كل مقدمات التغيير، وهي فتحت الواقع العربي على آفاق التغيير، وحتى يفضي الحراك إلى نتائج إيجابية، فعليه أن يكون محكوماً بجملة ضوابط عامة تشكل بمجموعها قانوناً عاماً، يجب عدم تجاوز أحكامه. والضوابط العامة تتلخص بالآتي:

1- الحراك الشعبي يجب أن تكون بوصلته الأساسية متجهة نحو إحداث التغيير السياسي في بنى النظم الفاسدة والمفسدة والمرتبطة والملتحقة بمواقع أصحاب الاستراتيجيات الدولية والإقليمية. أما الحراك الذي يخترق ويدفع به باتجاه تهديد الوحدة الوطنية، هو بالأساس ليس حراكاً وطنياً، وإذا ما لاحت بوادره فيجب مقاومتها.

2- إن الحراك الشعبي يجب أن يكون حاسماً في رفضه لأي شكل من أشكال التدخل الأجنبي، لأن من يستقوي بالأجنبي يصبح ملحقاً به ومنفذاً لأجندة أهدافه، وبالتالي فإن الاستقواء بالأجنبي يجب أن يدرج في خانة المحرمات الوطنية.

3- إن الحراك الشعبي يجب أن يكون محمولاً على رافعة سياسية وطنية، وأن تكون قاعدته الشعبية عريضة وتقف على أرضيتها كل المكونات المجتمعية للقطر الذي تشهد ساحته حراكاً، وهذا يعني أن لا مكان للطروحات الطائفية والمذهبية والإثنية والجهوية والقبلية في مرتكزات المشروع الوطني للتغيير، لأن المطلوب إحلال نظام المواطنة الذي تحكمه قواعد المساواة في الحقوق والواجبات واعتبار الكل الشعبي هو كل واحد في تشكيلة المكون الوطني أياً كانت الانتماءات المعتقدية الإيمانية لأفراد الشعب.

4- إن الحراك الشعبي يجب أن يكون ديمقراطياً في تعبيراته، وهذا يعني إسقاط العسكرة منطقاً وسلوكاً والاعتماد على قوة الزخم الشعبي في الضغط على المنظومات الحاكمة لفرض أجندة التغيير.

أما أين هو الحزب من الحراك الشعبي الذي يندرج تحت توصيف الانتفاضات الشعبية ذات الطابع الثوري؟ إنه رغم التباسات التي تلف مواقف البعض من هذا الحراك، فالحزب لا يتردد في تحديد خياراته عندما يكون الصراع بين الشعب من جهة ونظام فاسد وقمعي ومرتهن من جهة ثانية. إن الحزب هو مع الشعب، وحيث يقف الشعب يقف الحزب على ضفته. فالحركية الثورية العربية والحزب ركن أساسي من أركانها هي في قلب الانتفاضات الشعبية، لأن هذه الانتفاضات تحاكي القضايا الإنسانية الأساسية، المحقة والعدالة. وإذا كانت الانتفاضات الشعبية انطلقت ضد الجوع والفقر والفساد والبطالة وقمع الحريات وممارسات الدولة الأمنية وتأييد الحكم والتوريث السياسي والتسويات المذلة والتطبيع مع العدو الصهيوني، فإن أي تغيير يصيب بنى هذه الأنظمة سيحمل في طياته معطيات ثورية إيجابية. وإذا كانت الظروف الذاتية والموضوعية لم تمكنها من بلوغ أمداءاتها النهائية، فإن أهمية المعطى الإيجابي التي ينطوي عليها الحراك، تكمن في أن الجماهير العربية التي “علقت إرادتها السياسية” لعقود، عادت إلى مسرح العمليات بأسلوب التعبير الديمقراطي، وهي في استمراريتها في اعتماد هذا الأسلوب، تكون قد بدأت فعلياً في هيكلة الحياة السياسية للمجتمع العربي، وإن ألف باء إعادة هذه الهيكلة هي بإخراج الحراك الشعبي من عفويتيه وعشوائيته.. وبالتالي قيادته والتوجه به إلى حيث يجب أن يرسم مسار التغيير.

من هنا فإن الحركة الثورية العربية يجب أن تكون وأن تبقى الحاضر الأكبر في التقاط المعطى الشعبي، والعمل بوتيرة سريعة لتأطير الحالة الشعبية حول البرنامج الوطني للتغيير، وحتى تكون ذات وزن وتأثير في الحياة السياسية، وبما يحول دون الفراغ الوطني الذي تستنفذه قوى لا تستند في أدائها السياسي إلى برامج وطنية مضموناً وأسلوباً.

إن الحزب يراهن دائماً على دور الجماهير، وهي مادة الثورة وهدف التغيير، وإنها وإن عانت طويلاً من استلابها الاجتماعي والوطني والقومي، فإنها في صراعها مع السلطة المستبدة والظالمة هي المنتصرة حكماً، فإن لم يكن في الجولة الأولى ففي جولات لاحقة. وعندما تطرح معادلة الشعب يريد إسقاط النظام، والنظام يريد إسقاط الشعب، فإن الشعب هو المنتصر لأنه الثابت التاريخي فيما الأنظمة تتبدل وتتغير، تبدل وتغير الأحوال.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.