قراءات حول خروج النور قبة…

صحيفة الهدف

ماجد الغوث

ما بين انشقاق النور قبة وأبو عاقلة كيكل، وصولاً إلى انضمام موسى هلال بثقله القبلي والتاريخي إلى صفوف الجـ.ـيش السوداني، تتكشف بوضوح حقيقة أن قوات الدعم السريع تمر بمرحلة تفكك داخلي غير مسبوقة؛ إذ لم تعد هذه الانشقاقات مجرد قرارات فردية عابرة، بل تحولت إلى ظاهرة تعكس تصدعاً عميقاً في بنية القوات التي قامت أصلاً على الولاءات القبلية والشخصية.

فموسى هلال، الذي يُعتبر المؤسس الحقيقي لمـ.ـيليشيات الجـ.ـنجـ.ـويد، ليس مجرد قائد عـ.ـسكري ينشق، بل هو الزعيم التاريخي لقـ.ـبيلة المحاميد، إحدى أقوى فروع قـ.ـبيلة الرزيقات التي ينتمي إليها حميدتي نفسه. ولذلك، فإن انضمامه إلى الجـ.ـيش بعد أن استـ.ـهدف الدعم السريع منزله وقـ.ـتـ.ـل أحد أبنائه، يمثل نقطة تحول كبرى كسرت الحاجز القبلي الذي كان يحمي هذه القوات؛ فلم يعد الصـ.ـراع “عرباً ضد غير العرب”، بل تحول إلى صـ.ـراع داخل البيت العربي الواحد.

يرتبط هذا التحول مباشرة بما حدث مع النور قبة، الذي يُعتبر أعلى رتبة عـ.ـسكرية تنشق حتى الآن؛ فـ “قبة” لم ينشق بسبب قناعات سياسية بقدر ما كان انشقاقه تعبيراً عن خلافات حادة مع القيادة المركزية حول التعيينات ومراكز النفوذ في دارفور، وهو الأمر نفسه الذي دفع أبا عاقلة كيكل إلى اتخاذ قرار مماثل. ومع انضمام هلال إليهم، أصبح المشهد واضحاً: فالقـ.ـبيلة التي كانت مصدر قوة الدعم السريع تحولت إلى مصدر ضعفه الأكبر؛ لأن الاعتماد على الولاءات القبلية جعل هذه القوات عرضة للانهيار بمجرد أن شعر أبناء القـ.ـبيلة بأن مصالحهم تتعارض مع بقاء حميدتي في القمة.

تترتب على هذه الانشقاقات المتسلسلة صدمات قوية على جميع المستويات:

  • عـ.ـسكرياً: خروج قادة مثل النور قبة ومعه مـ.ـقاتلوه ومعداته يخلق فراغاً في سلسلة القيادة ويهدد خطوط الإمداد.

  • معنوياً: انهارت صورة القوات التي “لا تُقهر” تماماً حين رأى المـ.ـقاتلون العاديون أن كبار القيادات يغادرون السفينة الغارقة.

  • قبلياً: فتح انضمام هلال الباب أمام مزيد من الانشقاقات من القبائل التي كانت تتردد.

وإذا أضفنا إلى ذلك الضغط العـ.ـسكري المتزايد من الجـ.ـيش السوداني، الذي يسيطر الآن على تسع ولايات بشكل كامل، فإن الصورة تكتمل بشكل قاتم لمستقبل هذه القوات. أمام هذا الانهيار المتسارع، لم يعد أمام القيادة المتبقية سوى خيارات محدودة وصعبة لترميم ما يمكن ترميمه قبل فوات الأوان.

فلو أرادت، مثلاً، إصلاح علاقتها بالنسيج القبلي ومحاولة استرضاء موسى هلال عبر وسطاء، فإن ذلك سيصطدم بحقيقة أن الصـ.ـراع معه قد تجاوز مرحلة الخلاف السياسي إلى العداء الشخصي بعد استـ.ـهداف منزله ومـ.ـقـ.ـتل ابنه، كما أن الجـ.ـيش لن يسمح بعودة هلال عن موقفه. أما خيار الانكفاء إلى دارفور كمعقل أخير والتخلي عن الخرطوم، فهو وإن كان يبدو عملياً لتقصير خطوط الإمداد، إلا أنه يمثل إعلان هزيمة معنوية كبرى قد تسرع بالمزيد من الانهيارات، مثلما حدث مع انشقاق النور قبة الذي كان أصلاً قائداً مـ.ـيدانياً في دارفور.

وحتى لو حاولت القيادة الدخول في مفاوضات سياسية جادة لقبول دمج قواتها بالجـ.ـيش السوداني، فإن انضمام رموز مثل هلال إلى الطرف الآخر جعل الجـ.ـيش في موقع قوة لا يستوجب معه تقديم تنازلات كبيرة، بالإضافة إلى أن الرأي العام السوداني يرفض بشدة منح حصانة لقادة متهمين بانتـ.ـهاكات جسيمة. وعندها يبقى الخيار الإقليمي بأن تتحول القوات إلى “قوة مرتزقة” لحلفائها في حال تخليها عن طموحها السياسي الخاص بالحكم في السودان، لكن هذا الخيار نفسه يثير تساؤلات حول مدى قبول القيادات المـ.ـيدانية العادية الذين لا يزال بعضهم يرى نفسه جزءاً من النسيج السوداني.

بالتالي، فإن محاولة دمج هذه الخيارات في سياق واحد تكشف عن مأزق حقيقي: فكلما زادت الانشقاقات وترسخ التصدع القبلي، ضاقت مساحة المناورة أمام القيادة المتبقية، وأصبح السيناريو الأقرب إلى التحقق هو استمرار التفكك حتى الانهيار التام، خاصة مع تآكل الولاءات واتساع رقعة المنشقين مثل النور قبة وكيكل الذين نقلوا معهم معلومات استخباراتية حساسة ومـ.ـقاتلين وأسـ.ـلحة إلى الجانب الآخر.

يمكن القول، إن ما بين خروج النور قبة وكيكل وانضمام موسى هلال ليس سوى فصول متتالية من رواية التفكك التي بدأت تُكتب منذ اللحظة التي انقلب فيها حميدتي على حلفائه القبليين القدامى؛ فالقوات التي قامت على الرمال المائلة لا يمكن أن تصمد طويلاً أمام عاصفة الانشقاقات. ومهما حاول الدعم السريع التمسك بالسلطة، فإن التاريخ يشهد أن أي كيان عـ.ـسكري يقوم على الولاءات الشخصية والقبلية دون أسس مؤسسية راسخة مصيره الزوال عندما تختلف المصالح وتتغير التحالفات. والآن أصبح السؤال ليس: هل سينهار الدعم السريع؟ بل: متى وكيف سيحدث هذا الانهيار؟ وعندها ستحتاج القبائل العربية في دارفور إلى سنوات طويلة من المصالحات لترميم ما تمزق من نسيجها الاجتماعي نتيجة لهذا الصـ.ـراع الذي مزقها من الداخل قبل أن ينهكها من الخارج.

#السودان #الجـ.ـيش_السوداني #موسى_هلال #النور_قبة #كيكل #دارفور #أخبار_السودان  #النسيج_الاجتماعي #الخرطوم

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.