طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
ليس كل ميلاد بدايةً، فثمة ولادات تكتفي بأن تضيف جسدًا إلى العالم، وثمة ولادات تضيف سؤالًا إلى التاريخ. وحين تُستعاد ذكرى ميلاد الشهيد صدام حسين، فإن ما يُستدعى -في عمقه- ليس اسمًا، بل صيغة من الحضور؛ حضور الإرادة حين تختار ألا تكون امتدادًا لما هو قائم، بل اعتراضًا عليه.
الميلاد هنا ليس حادثة بيولوجية، بل وضعية وجودية، في أن يدخل الإنسان العالم وهو محكوم بشرطين متلازمين: محدوديته كفرد، واتساع الأفق الذي يدعوه. ومن هذا التوتر تولد الإمكانية، وأن يصير الفرد حاملًا لما يتجاوز فرديته. بهذا المعنى، لا يعود الرمز اختزالًا للفكرة، بل موضع عبورها، فتعبر من التجريد إلى الفعل، ومن الإمكان إلى التاريخ.
في 28 نيسان 1937، ولد في تكريت طفل لم يكن حدثًا بيولوجيًا فقط، بل بداية لمسار سيتقاطع مع أخطر تحولات الأمة العربية في القرن العشرين. وفي هذا العبور، يلتقي الخاص بالعام، سيرة الفرد بأفق الجماعة. هنا يتقاطع مسار الرمز مع أفق حزب البعث العربي الاشتراكي بوصفه محاولةً لقول شيء عن الأمة أكثر مما هو عن التنظيم، في أن الأمة ليست معطىً ساكنًا، بل فعل بعث دائم، وليست ما هي عليه، بل ما تقرر أن تكونه. فالرسالة الخالدة في هذا السياق ليست جملة مكتملة، بل أفقًا مفتوحًا، ووعدًا يختبر نفسه في كل جيل. فالرسالة، في جوهرها، ليست نصًا يُحفظ، بل طاقة تُعاد صياغتها في كل جيل، وإلا تحولت من قوة دافعة للتاريخ إلى عبء عليه.
هنا يتخذ الإيمان معنىً آخر؛ فليس الإيمان تصديقًا يغلق الأسئلة، بل طاقةً تبقيها حيّة. إنه ليس يقين النتيجة، بل ثقة المسار، وليس امتلاك الحقيقة، بل الاستعداد لدفع كلفتها. الإيمان، بهذا المعنى، هو ما يجعل الفكرة قابلة للاستمرار حين تتآكل شروطها، وما يمنحها القدرة على العبور من جيل إلى جيل دون أن تفقد روحها. ومن هنا، لا يعود الإيمان نقيضًا للعقل، بل شرطًا لإرادته، إذ لا يمكن للعقل أن يصنع التاريخ ما لم يسنده إيمان بجدوى الفعل.
لم يكن الشهيد صدام وحده، كان حزب البعث هو الحاضنة التي صقلت مواهبه، ورفاق السلاح والقلم -أمثال عزة إبراهيم وطه ياسين رمضان وطارق عزيز- هم من شاركوه النـ.ـضال والمسيرة. لكنه كان في قلب الحزب، كما كان الحزب في قلبه؛ هو لم ينحز للبعث، بل كان تجسيدًا له على الأرض.
غير أن الإيمان، إن لم يجد توازنه، يتحول إلى أحد طرفي العجز. فليس الخطر في أن ينحاز الإنسان إلى الأرض، ولا في أن يتطلع إلى السماء، بل في أن يختار أحدهما بوصفه بديلًا عن الآخر. فالأرض، حين تُختزل إلى مجالٍ للمصلحة المجردة، تفقد معناها وتحوّل الإنسان إلى كائن وظيفي يعيش داخل الضرورة لا داخل الحرية. والسماء، حين تُختزل إلى مثالٍ معزول، تفقد قدرتها على التحقق، وتتحول إلى عزاء جميل لا يغيّر شيئًا في مجرى التاريخ. وهنا يبدأ المأزق الحقيقي، حين ينفصل المسار عن المعنى، وحين يعمل الإنسان بلا رسالة أو يؤمن بلا فعل، فيتبدد الاثنان معًا.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة تجربة الشهيد صدام لا بوصفها حدثًا سياسيًا عابرًا، بل بوصفها محاولةً لردم هذه الهوّة: أن تتحول الأرض إلى مجال لتجسيد الفكرة، وأن تنزل السماء من تجريدها لتصبح قوةً فاعلة في الواقع. فالقيمة هنا لم تكن في ادّعاء المثال، ولا في الارتهان للواقع، بل في حمل التوتر بينهما إلى أقصاه، حيث يصبح الفعل امتحانًا دائمًا للفكرة، وتصبح الفكرة معيارًا أخلاقيًا للفعل.
غير أن أخطر ما يهدد أي فكرة ليس خصومها، بل تحوّلها إلى يقينٍ مكتفٍ بذاته. فحين تتحوّل الرسالة إلى شعار، والرمز إلى ملاذ، يفقد الزمن وظيفته النقدية، ويتحوّل الماضي إلى سلطة على الحاضر. عندها لا يعود السؤال: كيف نستمر؟ بل: كيف نُكرّر؟ — وهنا يبدأ العطب؛ لأن الاستمرارية الحقيقية ليست تكرار الأثر، بل إعادة إنتاج المعنى في شروطٍ مغايرة.
وعلى الأرض، كانت التحولات واضحة؛ ففي الأول من حزيران 1972، أعلن العراق تأميم نفطه، لينتقل التحكم في المورد الاستراتيجي من الشركات الأجنبية إلى الدولة الوطنية. ذلك القرار لم يكن مجرد نقل ملكية من يد إلى يد، بل كان إعلانًا بأن ثروات الأمة ليست رهينة لشركات الاحتكار، وأن القرار الوطني لا يُشترى بالدولار. وخلال السبعينيات، شهد العراق توسعًا في التعليم والصحة والبنية التحتية، حتى بات من بين الأقطار العربية الأكثر تقدمًا في مؤشرات محو الأمية والخدمات الأساسية، حيث تعمم التعليم المجاني وأُنشئت المؤسسات التعليمية في مختلف المناطق، ما وضعه في موقع متقدم عالميًا في مؤشرات التنمية البشرية آنذاك.
أما الجـ.ـيش العراقي، فلم يعد مجرد مؤسسة داخلية، بل تحول إلى قوة إقليمية فاعلة، شاركت في حـ.ـرب تشرين 1973، وخاضت لاحقًا واحدة من أطول الحـ.ـروب في المنطقة خلال الثمانينيات. فلم تكن العلاقة بين الشهيد صدام والحزب علاقة انتماء تنظيمي فحسب، بل علاقة تداخل، حيث تماهت الذات مع الفكرة، إلى حد بدا فيه الفرد امتدادًا للتنظيم، والتنظيم تعبيرًا عن إرادة الفرد في لحظة تاريخية معينة.
أما فلسـ.ـطين، فكانت حاضرة في الخطاب والسياسة معًا؛ من الدعم المالي لعائلات الشهداء، إلى المواقف السياسية التي ربطت بين مصير العراق ومصير القضية الفلسـ.ـطينية. لم تكن قضية بعيدة عنه، بل كانت نبضًا يوميًا؛ لم يكتفِ الشهيد صدام بإرسال الأموال والسـ.ـلاح، بل وضع العراق في خط المـ.ـواجهة الأول، وجعل من الجـ.ـيش العراقي رقمًا صعبًا في معادلة الصـ.ـراع مع العدو الصهيوني. وكان من أعظم مفارقات القدر أن يُشنَّ العدوان على العراق عام 2003 تحت شعار وهمي، ليسقط بعد عقدين وتنكشف الحقيقة؛ وهي أن العدوان ما كان إلا لضرب رأس الحربة العربية. والايوم، وبعد طوفان الأقصى الذي أيقظ ضمير العالم، يتجدد السؤال: أين كان العرب لو أن العراق بقي سيف الأمة؟ ولم تقف فلسـ.ـطين وحدها في دائرة اهتمامه، بل كان الشهيد صدام ناصرًا للجزائر في محنتها، ولبنان في حـ.ـروبه، وسورية في مـ.ـواجهاتها؛ كان يرى أن جرحًا في أي بقعة عربية هو جرح في جسد الأمة كلها.
ومن هنا، فإن دلالة الذكرى لا تُقاس بما تحييه من عاطفة، بل بما تحدثه من يقظة: يقظة تميّز بين الوفاء للفكرة والارتهان لصورتها، بين حمل الرسالة وتجديدها. فالأمم لا تُبعث باستدعاء رموزها فقط، بل بقدرتها على أن تجعل من تلك الرموز أسئلة مفتوحة لا إجاباتٍ منتهية. هنا يصبح النضـ.ـال تعريفًا آخر للزمن؛ ليس زمنًا يمرّ، بل زمنًا يُصنع. ليس تراكمًا للأحداث، بل توترًا دائمًا بين الممكن والمتحقق. فالنضـ.ـال هو أن تبقي الفجوة مفتوحة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، لا لتستكين إلى الحلم، بل لتجعل منه معيارًا يحاسِب الواقع.
وفي هذا المعنى، يصبح الإنسان الحقيقي هو ذاك الذي يمشي على الأرض وهو يحمل السماء في داخله؛ لا يفر من واقعه باسم المثال، ولا يفرط في مثاله باسم الواقع، بل يخلق من هذا التوتر طاقةً تدفع التاريخ إلى الأمام. وفي صبيحة عيد الأضحى 2006، قدم الشهيد صدام أعظم دروسه، حين وقف على حبل المشنقة في زنزانة الاحتلال؛ لم يرِ الجلادون ظهره خائفًا، بل واجههم بوجه لا يهاب المـ.ـوت، وبكلمات اختصرت معنى البطولة: “عاش العراق، عاشت فلسـ.ـطين حرة عربية، عاشت الأمة العربية”. في تلك اللحظة، لم يعد الشهيد صدام مجرد قائد، بل أصبح فكرة لا تُقـ.ـتل بالمشانق؛ لأن من يمـ.ـوت وهو يهتف لوطنه وأمته، لا يمـ.ـوت أصلاً.
لذلك، فإن معنى هذه الذكرى لا يكمن في استعادة البداية، بل في امتحان الاستمرار: هل ما زال الإيمان طاقة فاعلة أم تحول إلى لغة مطمئنة؟ هل ما زالت الرسالة أفقًا مفتوحًا أم صارت نصًا مغلقًا؟ هل ما زال الرمز معبرًا للفكرة أم صار بديلًا عنها؟
عند هذه الأسئلة يبدأ المعنى الحقيقي للميلاد؛ فالميلاد الحقيقي لا يكون يوم يولد الإنسان، بل يوم تتحول حياته إلى معنى. وبعض المعاني لا تمـ.ـوت، لأنها لم تكن تخص صاحبها فقط، بل كانت تعبيرًا عن زمن كامل لم ينتهِ بعد.
عاشت ذكرى ميلاد القائد الخالد، وعاشت فلسـ.ـطين حرة عربية، وعاشت الأمة العربية. اللهم ارحم نفسًا كانت لك مطمئنة، وإليك راضية مرضية، فادخلها في عبادك الصالحين، وأسكنها فسيح جناتك يا أرحم الراحمين.
#صدام_حسين #ذكرى_الميلاد #العراق #فلسـ.ـطين #الأمة_العربية #البعث #الرسالة_الخالدة #تاريخ_العرب #البطولة #الشهادة

Leave a Reply