أمجد السيد
منذ اندلاع الحرب في السودان، لم تكن المعركة كما حاولت آلة الدعاية تصويرها معركةً فاصلة بين الخير والشر، ولا مواجهةً بين الوطنية والخيانة، ولا حربًا من أجل الكرامة الوطنية كما يردد خطاب التعبئة الرسمي
كلما انكشفت طبقات هذه الحرب، اتضح أنها أكثر تعقيدًا، وأكثر قسوة، وأكثر توظيفًا للمأساة الإنسانية في خدمة مشروع سياسي قديم؛ مشروع لم يغادر السلطة يومًا، حتى حين أسقطته الجماهير في الشوارع.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم من هو المتعاون؟
هل هي ست الشاي التي وجدت نفسها محاصرة داخل مناطق سيطرة الدعم السريع، فلم تغادر لأن الفقر قيّد قدميها، ولأن أطفالها كانوا ينتظرون لقمة العيش، فواصلت بيع الشاي لكل من يدفع ثمن كوبه، ومن بينهم عناصر الدعم السريع؟
هل هو المواطن الذي عاش تحت سلطة الأمر الواقع، واضطر تحت تهديد السلاح إلى التكيف مع شروط البقاء؟
هل هو الموظف الذي استمر في أداء عمله حتى لا تنهار حياة الناس؟
هل هو المدني الذي اختار النجاة بأسرته بدلًا من الموت المجاني؟
إذا كان هؤلاء متعاونين، فبأي توصيف نُسمّي أولئك الذين حملوا السلاح ضمن قوات الدعم السريع، وقادوا عمليات عسكرية، وارتبطت أسماؤهم وقواتهم بانتهاكات واسعة ضد المدنيين، ثم انشقوا لاحقًا، ففُتحت لهم أبواب الغفران، واستُقبلوا بالتهليل والتكبير، وتحولوا فجأة من متهمين إلى حلفاء؟
هنا يسقط القناع عن وجه العدالة الانتقائية
هنا تصبح العدالة ليست ميزانًا، بل أداة سياسية
تعاقب الضعيف وتُسامح القوي
تُدين المدني الأعزل وتحتفي بصاحب البندقية
تلاحق من قال لا للحرب بينما تفتح صدرها لمن خاض الحرب ثم غيّر موقعه العسكري
أي منطق هذا؟
وأي قانون؟
وأي وطن يُبنى بهذا الكيل بمكيالين؟
الحقيقة التي يهرب منها كثيرون أن هذه الحرب، منذ إرهاصاتها الأولى، لم تكن منفصلة عن المسار السياسي الذي سبقها.
منذ انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر ومنذ الاعتصام الذي شكّل منصة لتحالف كل القوى المناهضة للانتقال المدني الديمقراطي، كان واضحًا أن هناك مشروعًا مضادًا للثورة يتشكل في العلن مشروع هدفه إجهاض حلم السودانيين في دولة مدنية ديمقراطية
حين هتف الناس الجوع ولا الكيزان لم يكن ذلك مجرد شعار غضب، بل كان إعلانًا شعبيًا برفض إعادة تدوير الاستبداد
وحين التف السودانيون حول ثورتهم، ضاقت الخيارات أمام القوى التي فقدت السلطة فكان الحرب هو الخيار الأخير؛ الخيار الأكثر دموية، والأكثر ضمانًا لخلط الأوراق، وإعادة إنتاج السيطرة تحت لافتة المعركة الوطنية
ولهذا، فإن التناقضات الظاهرة اليوم ليست صدفة
لا مشكلة لديهم مع الدعم السريع حين يكون تفاهمه السياسي ممكنًا
لا مشكلة لديهم مع الانتهاكات حين تخدم توازناتهم
لا مشكلة لديهم مع جرائم الحرب، وهم أنفسهم مطلوبون بتاريخهم السياسي والأمني أمام ذاكرة الدم السوداني، وبعض قياداتهم مطلوبة أمام العدالة الدولية
مشكلتهم الحقيقية ليست مع مليشيا هنا أو قوة هناك
مشكلتهم مع القوى المدنية
مع الديمقراطية
مع دولة القانون
مع السودان الذي يحكمه صندوق الاقتراع لا فوهة البندقية
لهذا يُعتقل المدني
ويُصفّى المواطن ميدانيًا بتهمة التعاون
وتُلاحق الأصوات المطالبة بوقف الحرب
وتُجهّز ملفات الخيانة لكل من يقول السلام أولًا بينما يُعاد تدوير أمراء البنادق داخل المشهد السياسي والعسكري متى ما اقتضت المصلحة
هذه ليست عدالة
هذا استخدام سياسي للعدالة وهذه ليست حربًا من أجل الوطن
هذه في جوهرها حرب على الثورة وعلى الانتقال المدني الديمقراطي وعلى حق السودانيين في بناء دولة جديدة خارج قبضة العسكر والمتاجرين بالدين والحرب معًا
وسيبقى السؤال الذي يطارد الجميع
إذا كان الفقير الذي باع الشاي تحت سلطة السلاح متعاونًا
فماذا نسمّي من أشعل الحرب، ورعاها واستثمر في دم السودانيين ليعود إلى السلطة؟
ذلك هو السؤال الذي تخشاه السلطة أكثر من أي شيء آخر.

Leave a Reply