الهدف (خاص)
أصدرت الأمانة العامة لحزب البعث العربي الاشتراكي التقرير السياسي الشامل، المنبثق عن التقرير العام للمؤتمر القومي الثالث عشر للحزب. وقدم التقرير قراءة استراتيجية معمقة لواقع الأمة العربية في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية الراهنة، متناولاً بالتحليل الدقيق خارطة الاستهداف المعادي للأمن القومي العربي، ومشدداً على ضرورة استعادة المبادرة التاريخية للأمة في مواجهة مشاريع التفتيت والتبعية.
واستعرض التقرير تحولات القوى العالمية، مشيراً إلى صعود مجموعة “البريكس” كفرصة لقيام نظام دولي متعدد الأقطاب ينهي الاستفراد الأمريكي. كما حلل التقرير الأطماع الدولية لكل من روسيا والصين، مؤكداً أنها تتحرك بدوافع اقتصادية وجيوسياسية تضع المجال العربي في دائرة استهدافاتها الحيوية.
وقدم التقرير تشخيصاً دقيقاً لما وصفه بـ”التغول الإيراني” القائم على نظرية ولاية الفقيه، والدور التركي الساعي لاستعادة أمجاد تاريخية بغطاء “الإسلام السياسي”. كما حذر من استهداف الأمن المائي العربي من بوابة إثيوبيا وسد النهضة، معتبراً إياه تهديداً وجودياً للأمة.
وأكد التقرير السياسي أن التجزئة الكيانية (22 دولة)، وتكريس المصالح القطرية على حساب المصالح العليا للأمة، شكلت الثغرة الأساسية التي نفذت منها القوى الطامعة. وشدد على أن استعادة مشروع النهوض القومي، الذي شكل العراق قاعدته الارتكازية، هو السبيل الوحيد لإسقاط حدود “سايكس بيكو” المتجددة.
وكشف التقرير عن الترابط العضوي بين مشاريع “ولاية الفقيه” و”الحاكمية” وبين مساعي الكيان الصهيوني لفرض “يهودية الدولة”، معتبراً أن تفتيت المجتمعات العربية إلى هويات طائفية وإثنية يهدف لتبرير وجود الكيان الصهيوني كجزء طبيعي من منطقة ممزقة.
ويخلص التقرير في حلقته الأولى، إلى أن الأمة العربية تمر بمرحلة مصيرية تتطلب صياغة مشروع مواجهة شاملة، يرتكز على الوعي القومي الشعبي والمقاومة الوطنية بكافة أشكالها، لإعادة بناء دولة الأمة القادرة على حماية مقدراتها وصون سيادتها من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي.
“الهدف” تنشر الحلقة الأولى:
المقدمة :
ليس السياسيُّ مجرد إدارةٍ للشؤون، ولا هو حصيلةُ قراراتٍ تُتخذ في غرفٍ مغلقة. السياسي، في عمقه الفلسفي، هو سؤالُ الجماعة عن ذاتها في زمنٍ لم يعد يُجيبها فيه أحد. هو لحظةُ انكشاف المصير حين تستيقظ الأمة على وقع صفعةٍ لا تأتي من خارجها فقط، بل من داخلها الذي ظلت تظنه محصناً. وإذا كان التاريخ يكتب بقلم المنتصرين، فإن الحقيقة تنتظر دائماً أولئك القادرين على قراءة الهزيمة قراءةً تليق بعقل لا ينكسر.
أمامنا اليوم تقرير سياسي، ليس كسائر التقارير. إنه محاولة لفهم جذور لحظة عربية هي من أعقد اللحظات التي مرت بها الأمة منذ سقوط الخلافة. لحظةٌ تداخل فيها الدولي بالإقليمي، والوطني بالقومي، والاجتماعي بالاقتصادي، حتى بات من المستحيل فصل متغير عن آخر، أو عزل أزمة عن سياقها. هذا التقرير لا يقدم وصفاً ولا يكتفي برصد، بل يحاول أن يُنظّر للواقع، ويستشرف للخروج من النفق.
السياسي في ثقافتنا العربية، منذ النهضة، كان دوماً (رد فعل). لم نتعلم بعدُ كيف نكون (فعلاً تاريخياً)، يسبق الأحداث ويصنعها. وكأن قدرنا أن نظل في موقع المُجاب لا السائل، المُتأثر لا المؤثر. غير أن هذه اللحظة الراهنة، بكل تعقيداتها، قد تكون مختلفة. ليس لأن القوى الخارجية أضعف، بل لأن الجماهير العربية، للمرة الأولى منذ عقود، بدأت تتحرك من قاعدة الوعي لا من قاعدة الغضب فقط. وهذا الفارق جوهره الفلسفي هو أن تصير الحركة تعبيراً عن إرادة لا عن ردة فعل.
في هذا التقرير، التقرير السياسي من التقرير العام الصادر عن المؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي، الذي انعقد في يناير/ كانون الثاني تحت شعار: ( استنهاض الأمة والثبات على العهد النضالي والوفاء لشهداء الحزب والأمة )، الذي تنشره صحيفة الهدف تباعاً في ثلاث حلقات، نفتح ملف المتغيرات الدولية والإقليمية كما لم نفتحه من قبل.
لا كمن يقرأ صحيفة، بل كمن يشري جسد الوطن والامة ليرى أين الطعنات. وأي علاج يبدأ دون تشخيص؟ وأي نهضة تبنى دون اعتراف بالمرض؟
نحن لا ندعي امتلاك الحقيقة، بل نبحث عنها. ولا نزعم أن أوراقنا خالية من الخطأ، بل نؤمن أن الخطأ في طريق الصواب خير من السكوت في طريق الهاوية.
ولهذا نضع هذا التقرير بين يدي جماهير الأمة وقواها الحية، وقيادات حزب البعث وتنظيماته أينما وجدت، مستبشرين بكل ملاحظة، منفتحين على كل نقد، لأن الحوار هو الطريق الوحيد لاستعادة الثقة، والثقة هي أول خطوات الفعل.
وثائق المؤتمر القومي الثالث عشر
يناير 2026
التقرير السياسي
تمهيد:
ينعقد المؤتمر القومي الثالث عشر للحزب بعد مضي أكثر من ثلاثة عقود على مؤتمره الثاني عشر، وهي مرحلة طويلة نسبياً وكان يفترض أن تشهد انعقاد أكثر من مؤتمر لو كانت الظروف الموضوعية المتعلقة بواقع الأمة، والذاتية المتعلقة بواقع الحزب قد سمحت بذلك.
إن المرحلة الفاصلة ما بين المؤتمرين الثاني عشر والثالث عشر، لم تكن مثقلة فقط بمتغيرات كبرى استراتيجية وجيوسياسية بكل تداعياتها على القضايا الوطنية والقومية، وصولاً إلى قضية الأمة العربية كوجود تاريخي وحضاري ورسالة إنسانية، بل أثقلت أيضاً بارتفاع منسوب العداء الفكري والسياسي للمشروع القومي النهضوي الذي حمل الحزب لواءه ودعا إلى ترجمة مفرداته بآليات العمل النضالي وهو يخوض صراعاً متعدد الأبعاد ضد أعداء الأمة على اختلاف مواقعهم ومشاربهم واستراتيجياتهم. ولهذا كان استهداف الحزب بنفس السياقات والحدة التي استُهدفت فيها الأمة العربية بهويتها القومية وتماسك نسيجها المجتمعي.
إن المؤتمر القومي الثالث عشر، ينعقد هذه الأيام وقد فقد الحزب كوكبة من قيادته المناضلين الذين بقوا حتى الرمق الأخير من حياتهم قابضين على جمر المواقف المبدئية، من مختلف الترتيبات التنظيمية، ومنهم من استشهد مهيب الحضور من خلال المشهدية التي أطل من خلالها على جماهير أمته ومناضلي حزبه وهو يواجه العدو المحتل وعملاءه بشخصية البطل الذي كان يحقق الامتلاء النفسي والنضالي لشعبه في حياته وأصبح بعد استشهاده يجسد الرمزية الوطنية والقومية التي انتشقت إليها الجماهير العربية بكل مشاعرها وأحاسيسها، إنه شهيد الحج الأكبر الأمين العام للحزب الرفيق القائد صدام حسين.
كما فقد الحزب خلال الفترة الفاصلة بين المؤتمرين، ثمانية من قادة الحزب أعضاء القيادة القومية: الأمين العام للحزب وأمين سر قيادة قطر العراق الرفيق عزة إبراهيم، والرفاق المناضلين: عبد المجيد الرافعي نائب الأمين العام للحزب، وإلياس فرح، وبدر الدين مدثر، وطه ياسين رمضان، وطارق عزيز، وعبد الصمد الغريري، وصبار المشهداني، إضافة إلى العديد من الرفاق المناضلين من قيادة قطر العراق ومن قيادات الأقطار العربية الأخرى ومئات الرفاق من الكادر المتقدم وعشرات الآلاف من الرفاق المناضلين الذين استشهدوا وهم يقاومون الاحتلالين الأميركي والإيراني للعراق، وأنظمة القمع والاستبداد والتوريث السلطوي، هذا إلى المئات من الرفاق الذين مازالوا قيد الاعتقال في معسكرات العدو الصهيوني ولدى السلطة العميلة في العراق وهم يواجهون أوضاعاً صعبةً وقاسيةً وحرماناً من أبسط الحقوق الإنسانية التي كفلتها المواثيق الدولية وتلك التي نصت عليها أحكام القانون الدولي الإنساني.
إن المؤتمر القومي الثالث عشر إذ ينعقد بعد أكثر من ثلاثة عقود، فإنما ينعقد في ظل متغيرات متسارعة على أكثر من صعيد دولي وإقليمي وقومي ووطني، وهذه المتغيرات التي تتسارع أحداثها تركت بصماتها على العلاقات الدولية ومنظومات الأفكار والمفاهيم والإيديولوجيا، وآليات الحكم للنظم السياسية، ودور الدولة كهيئة عامة اعتبارية ووظيفتها الرعائية والحماية، وصولاً إلى المجتمعات وتشكيلاتها البنيوية ومشكلاتها من حيث الاندماج والتماسك، أو الانقسام والتفكك على أسس من الفرز الانشطاري الديني والإثني والجهوي وغير ذلك.
الحلقة الأولى
1. المتغيرات الدولية في ظل التفرد الأميركي بالأحادية القطبية:
مع مطلع التسعينيات من القرن العشرين، بدأ التأسيس لنظام دولي جديد يقوم على أنقاض نظام ثنائية القطبية التي تمحورت حول الموقعين الأميركي والسوفياتي. وفي الوقت الذي كان فيه العالم يدخل مرحلة السقوط المدوي للاتحاد السوفياتي كنظام اعتمد التطبيقات الشيوعية للاشتراكية على مستوى الداخل ومركز استقطابي على المستوى الدولي، كان النظام الأميركي يندفع بسرعة للتفلت من الضوابط والمواثيق التي كانت قائمة، عبر السير على خطين متوازيين:
الأول: اندفاعة عسكرية نحو الشرق الأوسط وخاصة نحو حوضه العربي، بهدف خلق وقائع جديدة على الأرض وخدمة للمصالح الاستراتيجية الأميركية، وقد تمثلت هذه الاندفاعة بالتحضيرات التي بدأتها الإدارة الأميركية لضرب العراق بعد انتهاء الحرب مع إيران وما تمخض عنها من نتائج وجدت فيها أميركا تهديداً مباشراً لاستراتيجيتها حيال الوطن العربي والتي تتمثل بأمن النفط وأمن الكيان الصهيوني. وما الحرب التي شنت ضد العراق على أرضية عملية الدخول إلى الكويت إلا واحدة من الاستهدافات المعادية للأمة العربية التي تتوالى فصولها. ولو لم تتوفر الأرضية الناشئة عن تلك الواقعة والتي وجدت فيها أميركا فرصة لتنفيذ خطتها، لكان العراق ضُرب على أرضية موقف آخر، والدليل على ذلك أن الحرب استمرت عليه بأشكال مختلفة بعد خروجهم من الكويت عبر منظومة العقوبات الاقتصادية التي لم يشهد التاريخ مثيلاً لها، وتوجت بالغزو عام 2003 الذي أدى إلى احتلال العراق والتي ما تزال تداعياته ترخي بظلالها الثقيلة على واقعي العراق والأمة العربية.
الثاني: يتعلق بطبيعة الاقتصاد الرأسمالي الأميركي، الذي سجل تحولات متسارعة نحو العولمة والدخول إلى مرحلة ما بعد الإمبريالية في ظل نيوليبرالية جديدة ساعدت على تقدم رأس المال المعولم من خلال قرابة 500 شركة متعددة الجنسية ما تزال الأرجحية في عددها تعود للشركات الأميركية ولدول الشمال رغم تزايد عدد الشركات الصينية وتلك التي تأسست في دول الجنوب. وتوزعت الشركات على الشكل التالي: 472 شركة في دول الشمال، مقابل 28 شركة فقط في دول الجنوب.
وهنا تسجل ملاحظتان:
الأولى: أن كوريا الجنوبية التي تدور سياسياً في الفلك الأميركي تستحوذ تقريباً على نصف شركات دول الجنوب.
والثانية: أن الدول العربية شبه مغيبة عن أنشطة مثل هذه الشركات إلا من شركتين، أرامكو 1990 والإماراتية الوطنية 2024.
مع دخول الولايات المتحدة الأميركية مرحلة ما بعد الإمبريالية باتت إمبراطورية عالمية، ليس فقط من خلال مديات انتشارها القاري في العالم، وإنما أيضاً من خلال الوظيفة الجديدة للنظام الإمبراطوري في تحوله من دولة الإمبريالية إلى الإمبراطورية الإمبريالية. فدولة الإمبريالية قامت في الأساس على نظام الدولة المشرّعة لتراكم رأس المال، وهذه الدولة إذ بسطت سلطتها الاستعمارية على مساحة من المستعمرات خارج أراضيها، إلا أنها أبقَت بنسبة معينة على خصوصيات الشعوب المستعمرة في ثقافتها وهويتها التاريخية.
إن المحور المركزي للسياسة الإمبريالية في المستعمرات قام على النهب المركز للمناطق الخاضعة من جهة، وعلى إبقاء هذه “المناطق الطرفية” كملحقات تابعة لرأسمالية المركز الأميركية من جهة أخرى. أما النظام الإمبراطوري الإمبريالي فهو لم يكتف فقط بممارسة سلطته على البلدان الدائرة في فلكه الاستعماري، ولم يأبه لحدود ومفاهيم السيادة أو لحواجز وضوابط محددة، وكل ذلك بسبب كونه نظاماً يديره جهاز غير ممركز وغير محدد بحدود ثابتة أو نهائية، كونه نظاماً يسعى إلى إدراج كل الفضاء العالمي ضمن حدوده المفتوحة.
على هذا الأساس من التعريف للنظام الإمبراطوري الإمبريالي الذي بدأت الولايات المتحدة الأميركية تحدد معالمه بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتفكك منظومته الدولية وانتهاء “الحرب الباردة”، يمكن تلخيص خصائص نظام الإمبراطورية الإمبريالية بأربع:
- فضاء إمبراطوري إمبريالي تغيب معه الحدود الوطنية للدول، وهو يتسع ليشمل كل العالم.
- التسويق الفكري والإيديولوجي للإمبراطورية الإمبريالية على أنها نهاية التاريخ، فهي تلغي التاريخ لتسقط صفتها الأبدية على العالم الراهن.
- اتساع المساحة العالمية للسلطة الإمبراطورية لتطال كل مستويات الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية فضلاً عن مساحة الانتشار العسكري.
- ضبط العالم ضمن ضوابط منهج التطوير الإمبراطوري، أو بعبارة أخرى جعل العالم مستسلماً لإرادة القوة المهيمنة عسكريةً واقتصاديةً وسياسياً وحضاريةً.
هذه الخواص الأربع التي سعت الولايات المتحدة الأميركية للاستفادة منها وتوظيف معطياتها في سياق تنفيذ استراتيجيتها الكونية استندت إلى مقومات لم تكن متوفرة لغيرها. ويمكن تلخيصها بالآتي:
أ- مرونة النظام الأميركي وقدرته على امتصاص الأزمات دون أن تحدث اختلالاً بنيوياً في بنيته السياسية والاقتصادية.
ب- مرجعية العملة الأميركية التي تحتسب على أساسها كافة العمليات الأجنبية والمعادن والمواد الخام وخاصة النفط والغاز.
ج- تحكم الولايات المتحدة الأميركية بأكثر من 75% من منظومات المعلوماتية، ومعلوم ما لهذه المنظومات من تأثير على الرأي العام وعلى أنظمة التحكم في وسائل الاتصالات والتواصل الاجتماعي.
إننا ونحن نشخص ما يتمتع به المركز الأميركي من عناصر قوة، بدا واضحاً أن تنامي عناصر التأثير السياسي والاقتصادي والعسكري بالاستناد إلى الخواص التي تميز ويتميز بها الموقع الأمريكي، لم تكن لتسير في خط بياني مستمر في تصاعد. فهو بقدر ما كان يسجل قفزات نوعية ومذهلة في التطور، كان يعاني من أزمة مخزونة في بنيته العامة، وبمعنى آخر فإنه كان يتطور على قاعدة أزمة بدأت مؤشراتها بالبروز في نهاية التسعينيات من القرن الماضي.
فعلى الصعيد الاقتصادي، لم يستطع الاقتصاد الأمريكي تجاوز العثرات التي اعترضت مساره على مدى العقود الثلاثة التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفياتي، حيث سجل الناتج المحلي نمواً سلبياً في معظم السنوات الفاصلة بين 1990 و2020 ووصل في نهاية العام 2010 إلى ناقص 3.5%.
وإذا كان تدني النمو السلبي للناتج المحلي السوفياتي قد سجل ناقص 10% عام 1991 وهو عام إعلان السقوط، فإن التكرار أي النمو السلبي في الناتج القومي الأمريكي سوف يترك بلا شك تداعيات سلبية على واقع النظام الرأسمالي وعلى مجمل ترابطاته الاجتماعية والاقتصادية وسياساته الداخلية والخارجية. لكن ما يؤخر ظهور نتائج هذه التداعيات هو مرونة النظام الأمريكي التي تساعده على امتصاص الأزمات التي تعترضه.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن سقوط الاتحاد السوفياتي، وإن كان أفسح المجال للولايات المتحدة الأميركية أن تصبح القطبية الدولية الأحادية، إلا أنه أدى إلى جعل الموقع الأمريكي في موضع الانكشاف بعدما فقد ميزة ابتزاز الوضع الدولي بتوظيف المخاوف من “المعسكر الاشتراكي” في فرض خيارات سياسية واقتصادية وعسكرية بحجة مواجهة الاتحاد السوفياتي؛ وكان الابتزاز الأكبر يمارس على أوروبا الغربية بذريعة حمايتها من الخطر السوفياتي.
إن فقدان التوازن بين القطبين، أفقد الرأسمالية العالمية التي تشكل أميركا الموقع الأكثر فعالية في توجيه مسارها الحوافز التي كانت تساعدها في التخفيف من إبراز حدة أزماتها وبالتالي تمكينها من إعادة إنتاج ذاتها. إن الانكشاف الاقتصادي لرأسمالية المركز الأميركي في أكثر من محطة من المحطات الفاصلة خلال الثلاثين سنة الماضية، كان سبباً رئيسياً لتبني خيارات سياسية وعسكرية للإدارات التي تعاقبت على الحكم بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وما ترتب على ذلك من تفكيك لمنظومته الدولية التي عرفت بحلف وارسو.
لقد انطلقت الإدارات المتعاقبة في تحديد خياراتها السياسية والعسكرية من خلفية فكرية تستبطن العقل الأميركي في الدولة العميقة وفي مراكز القرار الأميركي، بأن تجاوز أو تأجيل السقوط للإمبراطورية الأميركية، لن يكون إلا باجتياح العالم عبر تدمير كافة الحواجز التي تحول دون حرية رأس المال وتجعله يفتح الحدود السيادية للدول والأقاليم بهدف إعادة تنظيم هذه الدول والأقاليم اقتصادياً وسياسياً وثقافياً في الإطار الذي يلبي من خلاله مصالح أصحاب الأسهم الكبار في الشركات العملاقة المتعددة الجنسية، وهذا ما يساعد في حال تحققه من الإبقاء على الطبيعة الرأسمالية الأميركية واستمرارها كنظام قطبي أحادي على مستوى العالم وبالتالي تفرد الولايات المتحدة بزعامتها للقرن الحادي والعشرين. وإنه ضمن سياق هذه الرؤية الاستراتيجية لقوى الرأسمالية الأميركية ارتفع منسوب السلوك الحربي لدى
الإدارة الأميركية وترجم بشكل مباشر في ما سمي بحرب عاصفة الصحراء على العراق 1990، وحرب كوسوفو في النصف الثاني من التسعينيات وتفكيك يوغسلافيا ومن ثم غزو أفغانستان واحتلالها وصولاً إلى العدوان على العراق واحتلاله عام 2003 بعد حصار استمر ثلاث عشرة سنة وتوفير الإسناد التسليحي لأوكرانيا في حربها مع روسيا والتهديد باجتياح فنزويلا واختطاف رئيسها والدعم الملحوظ للكيان الصهيوني في حرب الإبادة التي شنها على غزة وإطلاق يده في شن عدوان متواصل على العديد من الدول العربية.
لقد أدت الحرب التي خاضتها أميركا وبمشاركة دولية وإقليمية، إلى جعلها تحقق مكاسب كبيرة وخاصة لشركات السلاح والتصنيع العسكري، وتأمين وجود عسكري مباشر ومكثف في منطقة الخليج العربي خاصة والشرق الأوسط عامة بنشر أكثر من ثلاثين قاعدة عسكرية، إضافة إلى الأثمان الكبيرة التي قبضتها من صفقات السلاح التي أبرمتها وتنظيم معاهدات واتفاقات عسكرية وأمنية مع أكثر من دولة من دول الخليج العربي ودول عربية أخرى، فضلاً عن ممارستها لسياسة الابتزاز المالي القائم على مقايضة توفير الحماية بالمال كما حصل مع المملكة العربية السعودية على سبيل المثال لا الحصر.
لقد تميزت المرحلة بين المؤتمرين الثاني عشر والثالث عشر، بإقدام أميركا على شن أكثر من حرب في أكثر من منطقة، بعضها مباشر وبعض آخر غير مباشر، وأبرز الحروب المباشرة، تلك التي شنت على أفغانستان وعلى العراق. فالأولى شنت تحت ذريعة التصدي للإرهاب بحسب التعريف الأمريكي له بعد تفجير برجي التجارة العالمي في 11 أيلول 2001، وهو سيبقى لغزاً أن تُفكَّ شفرته في المدى المنظور، والثانية شنت تحت ذريعة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل وعلاقة مزعومة مع القاعدة وثبت أنها ذرائع كاذبة باعتراف أميركي متأخر.
وأما الحروب غير المباشرة التي انخرطت وتنخرط أميركا في سياقاتها فقد أدرجت تحت عناوين مختلفة كي يراد لنتائجها أن تصب في الحوض الأميركي، ومنها تلك التي يمثلها تصاعد العدوانية الصهيونية ضد الأمة العربية. فأميركا التي تشكل الداعم الأساسي للكيان الصهيوني سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، تتبنى حيثيات الموقف الصهيوني بكل تفاصيله، فهي اعترفت بضم الجولان وبالقدس عاصمة للكيان الصهيوني ونقل سفارتها إليها، ومارست كل أشكال الضغوط لتوسيع رقعة علاقات التطبيع، وأخيراً، تأمين غطاء حماية لحرب الإبادة الجماعية التي شنها العدو ضد غزة تحت ذريعة الرد على عملية “طوفان الأقصى”، وهي لم تمارس موقفاً جدياً وعملياً لوقف هذه الحرب وفك الحصار الغذائي والإغاثي، إلا بعدما رأت أن الواقع على الأرض بات يفرض الاستجابة لأية مبادرة لوقف الحرب وبعد اتساع مساحة الإدانة الدولية لحرب الإبادة ضد غزة وللتحول الإيجابي في الرأي العام العالمي لمصلحة حق شعب فلسطين بتقرير مصيره، فكانت المبادرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي والتي كانت في محصلتها تحاكي مصلحة العدو الصهيوني والمصالح الأمريكية بالدرجة الأولى وعلى حساب الحق الوطني الفلسطيني وحق شعب فلسطين في تقرير مصيره.
كما أن من الحروب غير المباشرة التي انخرطت بها أميركا، هي الحرب الروسية – الأوكرانية، التي وإن كانت روسيا هي البادئة في عملياتها العسكرية وقبلها إقدامها على استعادة شبه جزيرة القرم إلى السيادة الروسية وهي التي كان خروتشوف قد ألحقها بجمهورية أوكرانيا يوم كانت من جمهوريات الاتحاد السوفييتي، فإن السبب المباشر الذي أدى إلى اندلاع هذه الحرب، هو الدفع الأميركي بتمدد حلف شمالي الأطلسي إلى دول شرق أوروبا والتي كانت دولاً منضوية في إطار حلف وارسو الذي تفكك مع سقوط الاتحاد السوفييتي وتفكك دول المنظومة التي كانت تدور في فلكه.
وإذا كان الاحتقان الروسي – الأوكراني قد تشكلت عناصره قبل اندلاع الحرب بسنوات بالاستناد إلى الصراع السياسي الداخلي بين الاتجاهات التي تدعو للاندمج بالاتحاد الأوروبي اقتصادياً وسياسياً وثقافياً، واستطراداً الانضمام إلى حلف شمالي الأطلسي وهي النقطة التي جعلت “الكيل الروسي” يفيض لما اعتبرته روسيا تهديداً لأمنها القومي بالنظر لأهمية الموقع الجيوسياسي لأوكرانيا في الشرق الأوروبي، وبين الاتجاه الذي يشده الحنين إلى إعادة الارتباط بالموقع الروسي خاصة في المناطق التي تسكنها أغلبية سكانية ناطقة بالروسية.
فإن تداعيات هذه الحرب التي سجلت مدى زمنياً تجاوز السنوات، يبدو حتى الآن أن المستفيد الأكبر منها هي أميركا. فروسيا التي كانت تطمح وتعمل على استعادة مكانتها الدولية، أدت الحرب إلى استنزافها بشرياً واقتصادياً وحتى عسكرياً. وأوكرانيا التي كان الاتجاه السياسي الغرب – أوروبي يسعى لأن يربطها بالمنظومة الأوروبية بكل مؤسساتها، خسرت مساحات واسعةً من أرضها فضلاً عن التدمير الذي لحق ببنيتها الاقتصادية والتحتية. ونظراً لاختلال التوازن بينها وبين روسيا، أصبحت أسيرة التمويل والتسلح الغربيين الأميركي منه كما الأوروبي وهو الذي يتحمل عبء النتائج بكل جوانبها.
إن أميركا التي تدير هذه الحرب من الخلف، تتمثل استفادتها من الإنهاك الذي يطال الموقع الروسي وحاجته لأميركا في البحث عن حل في ظل عدم الإمكانية عن حسم الحرب لمصلحته. وهو ما ينعكس على حضوره على الساحة الدولية، كما أن أوكرانيا ستبقى بحاجة للدور الأميركي على مستوى التدخل لإنتاج حل سياسي وأيضاً للإسناد العسكري، وهذا لن يكون دون مقابل، أقله الرضوخ للشروط الأميركية في اتفاقية المعادن.
وأما أوروبا، التي كانت تمني النفس باستقلالية عن الهيمنة الأميركية وخسرت معركة “مرجعية اليورو” كعملة دولية في مقابل الدولار، تعود مجدداً للاستعانة بأميركا في مواجهة تداعيات الحرب ومنع تمددها وهي التي تدور على تخومها. إن هذه الحرب أنهكت حتى الآن طرفيها المباشرين كما المحيط الأوروبي، وهو ما يجعل كل هؤلاء بحاجة لأميركا التي أعادت التدخل في الحروب والأزمات الدولية الكبرى بعد أن يكون الأطراف المنخرطون بها مباشرةً قد تعبوا وباتوا بحاجة لمخارج وحلول لها. هذا الدور لعبته أميركا في الحرب العالمية الأولى كما الحرب العالمية الثانية، وهي تمارسه في هذه الحرب التي وإن بدت أنها تدور في شرق أوروبا، إلا أنها بتأثيراتها تطال العالم كله، وهي تكاد تكون أقرب إلى حرب عالمية ثالثة لكثرة المنخرطين فيها بشكل مباشر أو غير مباشر، كما المتأثرين بسياقاتها اليومية ومسارح عملياتها الميدانية ونتائجها السياسية وخاصة ما يتعلق بالبعد القاري في الدرجة الأولى والأمن الدولي في الدرجة الثانية.
ونظراً للدور الذي تضطلع به أميركا في إدارة السياسة الدولية وتدخلها المباشر وغير المباشر في الصراعات والأزمات الدولية، فإنه من مصلحة الدول والقوى المتضررة من النهج الأمريكي أن يواجهوا الغطرسة الأميركية، والأمة العربية منهم، بموقف اعتراضي مع رغبة بأن لا تخرج روسيا من هذه الحرب مهزومة سياسياً حتى مع سيطرتها على أراضٍ أوكرانية، لأن ذلك ستكون له تداعيات شديدة السلبية على واقع الشعوب والأمم التي تعاني من الهيمنة الأميركية بسبب تفرد الموقع الأمريكي بعالمه، والدور المعطل الذي يقوم به للحؤول دون تشكل نظام جديد تحكمه قواعد التعددية القطبية. وهذا هو أصل الهاجس الأساسي لدى صناع القرار في الدولة الأمريكية العميقة الذي يحركه باعثان أساسيان:
أ. الباعث الرئيسي الأول- ملء الفراغ الدولي بعد انهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي: إن أميركا، بعد سقوط النظام السوفياتي وتفكك منظومة دوله القارية، أدركت أن فراغاً سيحصل من جراء انكفاء المركز الروسي عن عمقه الآسيوي، ولذلك لا بد من ملء هذا الفراغ قبل أن تستفيق روسيا من صدمة الانهيار للإمبراطورية السوفياتية وتعيد لملمة أوراقها وإعادة تقديم نفسها كدولة عظمى وهي التي تملك ترسانة عسكرية هائلة تجعل منها وإلى أمد قوةً قارية عظمى، وبالتالي وجدت في الحرب الأوكرانية الروسية الفرصة الذهبية التي عليها اقتناصها بأقل الخسائر الممكنة.
ب. الباعث الرئيسي الثاني- الاستجابة لمصالح الشركات العملاقة: فهو المرتبط بالحروب المباشرة التي خاضتها أميركا لأجل أن تستجيب بنتائجها لمصالح أصحاب الشركات العملاقة الذين يشكلون في الواقع الأميركي حكومة ظل دولية تديرها نخبة من كبار رجال المال والاقتصاد والإعلام، مشكلين ما يشبه الحكومة السرية العالمية، تستطيع بما تملكه من نفوذ وتأثير في الحقول المشار إليها أن تشكل مركز القرار الفعلي في صلب الإدارة الأميركية أيًا كان الرئيس الجالس في البيت الأبيض، ديمقراطياً كان أم جمهورياً سيكون مجبراً على أن يعمل على تنفيذ جدول الأعمال الذي تضعه حكومة الشركات ومؤسسات الظل التابعة لها. ومنها الحرب على “الإرهاب المصنع أميركياً” مع بداية القرن الواحد والعشرين، والذي هو محاولة أميركية مكشوفة لإعادة تركيب نظم إقليمية بمواصفات أميركية على أنقاض النظم والهياكل الإقليمية التي تشكلت في ظل نظام الثنائية القطبية الدولية. فأميركا ترى أن فرض هيمنتها على العالم لا يستقيم بسقوط الند الدولي وحسب، وإنما يجب أن يُستتبع بإسقاط كل ما أنتجه النظام الدولي السابق من هياكل إقليمية، وضمن هذا السياق أخذت أميركا تطرح تشكيل نظام إقليمي جديد تحت مسمى “الشرق الأوسط الجديد” أو الكبير يقوم على أنقاض النظام الإقليمي العربي الذي رُسم له مساران للبلوغ بأهدافه:
المسار الأول: توفير أرضية لإدخال قوى إقليمية في النظام الجديد وهي تتمحور بشكل رئيسي حول ثلاثة، “إسرائيل” وإيران وتركيا، وهي كيانات غير عربية وكلها ترى في الفضاء العربي مدى جغرافياً لتنفيذ استراتيجيتها في الإقليم. وهذه الدول لا تحكمها علاقات “حسن الجوار” مع المكون القومي العربي بحكم الاغتصاب للأرض والاحتلال والسلب كحال فلسطين والأحواز ولواء الإسكندرون والجزر الثلاث في الخليج العربي. وهذا ما اقتضى من وجهة نظر مهندس النظام الإقليمي الجديد إضعاف المكون العربي على مستوى الكل القومي، وعلى مستوى الدول الوطنية الارتكازية في البنيان القومي. لهذا كانت الحرب على “الإرهاب”، تكثيفاً عسكرياً أميركياً لتحقيق هدفين متلازمين:
الأول: تحويل الدولة التي باتت أرضها ساحة للحرب، إلى دولة فاشلة تبقى بحاجة ماسة للاستعانة بالقوة العسكرية الأميركية المنتشرة في قواعد عسكرية برية وبحرية، وإدارة حرب بالتكلفة الصفرية عبر تأجيج الصراع بين أبناء البلد الواحد، وذلك تجنباً للخسائر البشرية الأميركية بعدما ذاقت مرارة هذه الخسائر في العراق بفعل المقاومة الوطنية العراقية والتي بلغت 75 ألف جندي بين قتيل وجريح ومعوق بحسب ما أعلنت به وزارة الدفاع الأميركية، علماً أن الخسائر الفعلية هي أعلى من هذا الرقم بكثير وهو ما فرض الانسحاب على القوات الأميركية نهاية العام 2011.
الثاني: توظيف أميركا في مقاربتها للوضع الدولي وتشكل نظامه الجديد بعد سقوط الاتحاد السوفياتي على ما تحوز عليه من عناصر قوة وتأثير على الصعد العسكرية والاقتصادية والإعلامية والمعلوماتية، وهي الدولة الوحيدة في الوقت الحاضر التي تنطبق عليها مواصفات الدولة العظمى الأولى على مستوى العالم، فيما الدول الأخرى التي تسير بخطى متسارعة نحو إثبات وجودها على مسرح الأحداث الدولية وتحولاته، إنما تركز اهتمامها على البعد القاري، باعتبار أن هذه الدول باتت في ظل المتغيرات التي أعقبت سقوط نظام الثنائية القطبية، دولة قارية بحيث لا تسمح إمكاناتها المتاحة حالياً لبروزها كقوى متكافئة مع تأثيرات الموقع الأميركي الذي يمسك بمفاصل القوة الجيو-استراتيجية ومخزونات الثروات الاقتصادية من أجل توظيفها في توليد مشروع جيو-سياسي يخدم أهداف أميركا في السيطرة على العالم.
ونظراً لعدم قدرة أيّ من المواقع الدولية الطامحة لدور مؤثر وكابح للاندفاعة الأميركية، أقدمت عدة دول على تشكيل كتلة اقتصادية أطلقت على نفسها مجموعة دول “البريكس”، التي تضم في عضويتها مثلث القوة الآسيوي: روسيا الاتحادية والصين والهند، إضافة إلى البرازيل وجنوب أفريقيا، وإيران وتركيا ومصر والإمارات من دول الشرق الأوسط وإثيوبيا وإندونيسيا.
هذا التشكل الدولي الجديد الذي أعلن عن نفسه على مشارف القرن الواحد والعشرين تحت مسمى دول “البريكس”، كان الهدف منه توفير أرضية لبنية اقتصادية قوية لموازاة تأثير الموقع الأميركي لأجل تشكيل نظام دولي جديد على قاعدة تعدد قطبيته للحد من الاستفراد الأمريكي كقطب مهيمن على العالم.
إن الحزب الذي كان يشدد على الاستقلالية في تحديد خياراته السياسية وصياغة علاقاته الدولية، وجد في حركة عدم الانحياز إطاراً طبيعياً لتموضعها الدولي يوم كان مسؤولاً عن إدارة شؤون الدولة بعد ثورة السابع عشر – الثلاثين من تموز 1968، وهو كان أول ضحايا انهيار نظام الثنائية القطبية “والهجين” الأمريكي لفرض إيقاعه السياسي والاقتصادي على العالم. ولهذا فإن الحزب الذي كان يشدد على قيام نظام دولي تحكمه قواعد التعددية القطبية حتى قبل سقوط نظام الثنائية، كان يرى أن النظام التعددي هو الذي يمكن الشعوب من ممارسة حقها في تقرير مصيرها وتحديد خياراتها التي تنسجم مع مصالحها. وعليه يرى في بروز مجموعة “البريكس” ظاهرة إيجابية لأنها محاولة عملية على طريق تشكل نظام دولي جديد متحرر من هيمنة القطبية الأحادية التي تُختصر هذه الأيام بالمرجعية الأمريكية.
وإذا ما قُيِّض لمجموعة “البريكس” أن تستمر في انتظام علاقاتها وفق ما نص عليه ميثاقها، فإن مستقبلاً واعداً سيكون بانتظارها ومعها العالم كله نظراً لانتقال مراكز الثقل في الاقتصاد العالمي من الرأسمال الغربي بمركزيه الأمريكي والأوروبي إلى الشرق الآسيوي. الأمر الذي لا يعود يجعل من انتقال القوى الرئيسية رهناً بالانتصار العسكري أو التحالف الجيوسياسي فقط، وإنما بمعدلات النمو الاقتصادي، ذلك أن تلازم القوتين العسكرية والاقتصادية يبقى مفتاح الانتقال والمركزة في عالمنا المعاصر. وهذا ما جعل أمريكا التي تحوز حالياً على هاتين الميزتين تتحكم برسم استراتيجياتها الدولية والتي تحدد ملامحها الحكومة الخفية التي تدير السياسة العامة وتحرك الخيارات الداخلية والخارجية. وإن “الحدث – الهزة” الذي عاشته أمريكا بعد أزمة البنوك الأمريكية عام 2008 وبعده تمرد ترامب على التقاليد الدستورية لآليات انتقال السلطة وقد عاد إليها في انتخابات 2024، هذان حدثان وإن أشارا إلى اهتزاز بنيوي في المجتمع الأمريكي، إلا أنهما سيبقيان حدثين عابرين في ظل سيطرة الشركات الكبرى المالية والإعلامية وذات الصلة بالتصنيع العسكري على مركز القرار السياسي وتوجيهه بما يخدم مصالح هذه الشركات حتى ولو أقدمت على اتخاذ قرارات بالحروب العسكرية التي يعبر عنها “بالحروب الخشنة”، أو بالحروب الاقتصادية التي توصف “بالحروب الناعمة” والتي تعتمدها أمريكا كخيار بديل عن الخيار العسكري وتجاوز الخسائر البشرية التي يمكن أن تصيبها كما حصل في حربها على العراق وقبل ذلك على فيتنام.
وعليه فإن مقاومة الاستفراد الأمريكي ونهجها الإمبريالي يجب أن يسير على خطين:
الأول: الترحيب والتأكيد على كل خطوة تهدف إلى توفير أرضية لقيام نظام دولي جديد تحكمه قواعد التعددية القطبية، “البريكس” نموذجاً.
الثاني: التصدي الاقتصادي والسياسي والعسكري للنهج الأمريكي القائم على الاحتلال والهيمنة وتخريب اقتصاديات الدول والسيطرة على مقدرات الشعوب والاستفادة ما أمكن من عوامل الضعف الأمريكية والتي تبرز بين الحين والآخر بتسجيل ناتج قومي سلبي والتي سجلت أكثر من محطة في الفترة ما بين 1990 و2020.
إن مقاومة النهج الأمريكي من شأنه أن يراكم الإنجازات التي تحققها الشعوب وهي تقاوم استراتيجية الهيمنة الأمريكية، والتي لا بد وأن تنعكس سلباً على الأداء الأمريكي الذي سيوزان بين ما يقدمه من خسائر وما يجنيه من مكاسب، تجربة مقاومة العراق للاحتلال الأمريكي مثلاً. فأمريكا ما كانت لتنسحب من العراق لولا الدور الذي اضطلعت به المقاومة الوطنية العراقية وجعلت تكلفة البقاء تفوق تكلفة الانسحاب، فكانت أن اختارت أمريكا الأقل تكلفة بحسب المنطق البراغماتي الذي يحكم سلوكها.
2. المتغيرات الإقليمية في ظل تنامي الدورين الإيراني والتركي:
أ- إيران من الطموح الجامح وفائض القوة إلى الهبوط والانفجار: طموح توسعي جيوبوليتيكي بغطاء إيديولوجي – مذهبي:
تشكل إيران دولة وازنة في الإقليم، إذ تبلغ مساحتها 1,648,195 كم² وعدد سكانها يفوق الثمانين مليون نسمة، وهي مشاطئة لبحر قزوين، والخليج العربي بامتداد طولي يصل إلى 1173 كلم (وهو طول شاطئ إمارة الأحواز العربية المحتلة)، ويرتكز دخلها الأساسي على النفط والغاز فضلاً عن صناعات تحويلية خاصة في صناعة المشتقات النفطية والصناعات العسكرية وحياكة السجاد والمنسوجات.
إن إيران كانت تترصد أية فرصة متاحة لملء الفراغ في ظل الأزمات والحروب التي تدور في الإقليم وخاصة الحوض العربي منه، وإنه بعد حصول التغيير فيها وصول الملالي إلى سدة الحكم، بنت استراتيجيتها الشرق أوسطية على التلازم بين الإيديولوجيا – المذهبي والجيوسياسي. فهي على المستوى الإيديولوجي – المذهبي، أخذت بالمذهبية الشيعية السياسية كحالة تاريخية متميزة بشكل عام عن الإسلام العربي وبشكل خاص عن التشيع العربي. فالتشيع في إيران الذي يمتد إلى العهد الصفوي وأصبح يسمى باسمه، هو تشيع تغلب عليه العصبية الفارسية التي تستبطن عدائية تاريخية للعرب منذ القادسية الأولى، كما أن النظام الحالي الذي تديره المؤسسة الدينية، أخذ بنظرية ولاية الفقيه في افتراق واضح عن فقه التشيع العربي الذي لا يؤمن بهذه النظرية التي تجعل من حاكم إيران الفعلي (المرشد) نائباً للإمام المهدي المنتظر.
لقد جهد النظام الإيراني الحالي إلى انتهاج أسلوب الإسقاط التاريخي للماضي الإسلامي على الحاضر بهدف إحداث انقسامات عامودية في الاجتماع الإسلامي العربي. ولذا فإن إيران ومنذ حصول التغيير فيها نهاية السبعينيات من القرن الماضي، أصبحت تقدم نفسها دولة قومية لكل الشيعة في العالم في تشابه مع تقديم “إسرائيل” لنفسها دولة قومية مرجعية لكل يهود العالم. وعليه فإن النظام الحاكم في إيران ينظر إلى الشيعة في العالم وأياً كان تموضعهم في إطار الدول الوطنية، عربية كانت أو غير عربية، بأنهم جاليات إيرانية بالارتباط العقدي، وعليه يجب أن يرتبطوا بمركز التوجيه الديني الذي يديره ولي الفقيه، ومركز التوجيه والتحكم السياسي الذي تديره الطبقة الحاكمة تحت إشراف ما يسمى بالمرشد وهو ولي الفقيه ونائب الإمام المنتظر على الأرض إلى حين ظهوره. ولأجل هذا عمدت إيران إلى إيجاد أطر تنظيمية لكل من يرتبط بالنظام لغايتين:
الأولى: تقوية مواقع هذه الأطر بالتمويل والتسليح لتشكل أذرعاً عسكرية وسياسية تنفذ من خلالها أجندة أهدافها خارج حدود الدولة الإيرانية لجهة التحكم بمواقع استراتيجية في خارطة الإقليم.
الثانية: نشر مذهب التشيع وفق مرتكزاته الصفوية من أجل تقوية نفاذ المؤسسة الدينية الإيرانية في قم على حساب المرجعية الشيعية في النجف، والتي تعارض نظرية ولاية الفقيه.
هذا على المستوى المذهبي، أما على المستوى الجيوسياسي، فإن النظام الإيراني استفاد من الوقائع التي ترتبت على نتائج العدوان على العراق واحتلاله، بأن اندفع في ظل التسهيلات الأمريكية له، نحو تأسيس نقاط ارتكاز له في العراق وسورية ولبنان واليمن باتجاه الوصول إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط من ناحية، واليمن من ناحية ثانية، من أجل التحكم بالممرات البحرية للنفط في مضيقي هرمز وباب المندب وصولاً إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي. ولهذا لم يتوان حكام إيران عن التصريح مراراً وتكراراً بأن إيران باتت تسيطر على أربع عواصم عربية: بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، وأكثر من ذلك إعلانهم بشكل صريح بأن بغداد ستعود عاصمة تاريخية للإمبراطورية الفارسية في تأكيد على أبعاد التغول الإيراني في العراق أولاً، وفي العمق القومي ثانياً.
ومن أجل هذا الهدف الاستراتيجي من وجهة النظر الإيرانية، عملت إيران بعد اشتداد تغولها على بناء مشروع يؤسس لحضور إيراني في النظام الإقليمي للشرق الأوسط يقوم على ربط إيران بالعراق وسورية ولبنان بشبكة من خطوط المواصلات تربط البر الإيراني بساحل المتوسط. ويبدأ مشروع الربط البري من قصر شيرين على الحدود الإيرانية العراقية لينتهي بتدمر في الأراضي السورية، ثم يتفرع عبر شبكة داخلية إلى مختلف المدن السورية. أما مشروع السكك الحديدية فيبدأ من مدينة المحمرة مروراً بالبصرة ليصل إلى الموصل في العراق ومن ثم إلى القامشلي في سورية.
إن الهدف الاستراتيجي الإيراني الذي يكمن وراء تنفيذ مشروع الربط البري وخط سكك الحديد، إنما هو للسيطرة الاقتصادية والسياسية على العراق وسورية وصولاً إلى لبنان وبالاتكاء على الحضور المباشر للنظام الإيراني عبر التشكيلات العسكرية والأمنية التي دفع بها إلى الداخل العراقي والسوري والأذرع العسكرية والأمنية التي أنشأها، كحزب الله، أو التي استقدمها من باكستان وأفغانستان وسعى لفرض توطينها خاصة في سورية، من أجل إحداث تغيير في التركيب الديموغرافي لسورية بعد التهجير الواسع الذي تعرض له أبناؤها. ولهذا فإن مخطط التوطين لهذه المجموعات ترافق مع اعتماد اللغة الفارسية كلغة أساسية في مناهج التعليم وإقامة مراكز ثقافية إيرانية تغطي المدن السورية والعراقية، وتقديم إغراءات مالية لنشر التشيع الصفوي عبر إقامة مراكز دينية.
إن هذا السعي الإيراني لإحداث تغيير في التركيب السكاني في سورية والعراق، يفسر التدمير الممنهج للمدن والحواضر العربية من ديالى وجرف الصخر وبغداد والموصل في العراق إلى دمشق ومدن ريفها وحلب وحمص وحماة وكل المدن التي يرى فيها الفرس بأنها تشكل حاضنات للثقافة القومية العربية ومركز ثقل سكاني منشدّ بقوة إلى هويته القومية. إن هذا المشروع الذي كان النظام الإيراني يسعى لتثبيت مرتكزاته وإيجاد حاضنات شعبية له كان محاولة استردادية تاريخية لإمبراطورية فارس، لكنها في هذه المرحلة مغلّفة بلبوس مذهبي، ومستحضرة شعار دعم المقاومة الفلسطينية، كشعار يتم الاستثمار به نظراً للموقع الذي تحتله القضية الفلسطينية في الوجدان العربي.
وإذا كان النظام الإيراني استفاد من حالة الفراغ في الفضاء العربي بعد احتلال العراق وانكشاف المجال العربي أمام القوى الطامعة، فإن التخاذل الرسمي العربي وتواطؤه المكشوف، لا بل تآمره ضد مشروع النهوض القومي وما كان يشكله العراق من قاعدة ارتكازية لهذا المشروع، شكل عاملاً مساعداً استغل النظام الإيراني معطياته لينفذ إلى العمق القومي مستفيداً من التسهيلات الأميركية له والتلاقي مع المشروع الصهيوني (رغم العداء الظاهري بينهما)، لدفع الواقع العربي نحو مزيد من التفكيك والتفتت.
من هنا، فإن الاستهداف الإيراني المعادي للعروبة لا يقتصر على احتلاله لأرض الأحواز وحسب، بل هو يشكل خطراً دائماً على الأمة العربية، وكل مشروع مواجهة لا يضع التصدي للخطر الإيراني ضمن أوليات أهدافه، إنما يكون مشروعاً قاصراً عن تشخيص أدوار القوى المعادية للأمة من داخل الوطن أو من خارجه. إن الطموح الإيراني باستعادة “أمجاد فارس”، وصل إلى مرحلة الانتفاخ بعدما استطاع أن يضرب معاوله التدميرية في البنيات الوطنية العربية وخاصة في العراق وسورية ولبنان واليمن، وهذا الانتفاخ لم يكن بسبب إمكاناته الذاتية وحسب بل وكما جرت الإشارة إليه، لأنه استفاد من عاملين موضوعيين:
الأول: الفراغ في الواقع العربي بعد الزلزال الذي أحدث تصدعات قوية في البنيان القومي انطلاقاً من سقوط العراق.
الثاني: الرافعة الصهيو-أميركية التي مكنت النظام الإيراني من تمادي تغوّله في الواقع العربي، وإمساكه بمفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية في العراق وسورية.
وقد بقي النفوذ الإيراني فاعلاً وضاغطاً على الأوضاع في العراق وسورية ولبنان واليمن وساحة فلسطين، إلى أن حصل التغيير في سورية في الاتجاه النقيض لما كان يخطط له النظام الإيراني. وإذا كان الوجود الأمني والميليشياوي في سورية قد أصبح بعد “طوفان الأقصى” مستهدفاً من العدو الصهيوني، فليس لأن الوجود الإيراني في المشرق العربي يشكل خطراً على الكيان الصهيوني، بل لكونه أنهى وظيفته لجهة إضعاف البنيات الوطنية للدول التي أمسك بمفاصلها السياسية والأمنية، وحول ساحاتها إلى ساحات رخوة لا تقوى على الصمود والتصدي لعدوانية المتصاعدة.
إن الذي جعل الوجود الإيراني بكافة تعبيراته الميليشياوية والأمنية والاجتماعية عرضة للاستهداف الصهيوني مؤخراً، فلأنه أصبح يقدم نفسه شريكاً “مضارباً” على تقاسم النفوذ والمصالح مع الحلف الصهيو-أمريكي. وهنا حصل التضاد بين الطرفين، وكان الخاسر هو النظام الإيراني، لأنه فقد ميزة الأرض بعد المتغير الاستراتيجي الذي شهدته سورية وأدى إلى إسقاط النظام الذي كان يقيم حلفاً مع نظام الملالي منذ أكثر من أربعين عاماً، كما فقد ميزة الغطاء الصهيو-أمريكي بعد انتفاخ دوره.
من هنا، فإن النظام الإيراني، الذي عاش عقوداً على وهم السيطرة على المجال العربي، واستعادة أمجاد فارس التي لم يُخفها في لحظة فورانه، تلقى ضربة قاصمة، عبر وأد مرتكزاته في سورية والضربات القوية التي تلقتها أذرعه في لبنان واليمن، وضمور تأثيره السياسي على الواقع الفلسطيني بعد الحرب على غزة. ولهذا يمكن القول إن المشروع الإيراني الذي عاد للانكفاء تحت الضربات الموجعة التي أصابته، عاد إلى حجمه الطبيعي، وهو الحجم المرسوم له في دوائر القرار الأمريكي؛ وكي يبقى ضمن حدود الاحتواء الذي يحدد مداه بحدود تراه أمريكا كطرف دولي يقدم نفسه قيادة استراتيجية لرسم معالم النظام العالمي والأنظمة الإقليمية ومنها ما يسميه بنظام الشرق الأوسط الجديد.
ب- تركيا: استعادة حضور تاريخي على المجال العربي بخلفية أيديولوجيا الإسلام السياسي: إن تركيا دولة امتلكت حضوراً تاريخياً في المنطقة العربية والشرق الأوسط امتد لأكثر من أربعة قرون، وقد منحها موقعها الجغرافي ميزات لتعزيز دورها الإقليمي، فهي من جهة دولة ذات مساحة واسعة وعدد سكانها يقارب المئة مليون نسمة، وهي من جهة ثانية مشاطئة لعدد من البحار: المتوسط والأسود ومرمرة وإيجه، وتمسك بضفتي مضيقي البوسفور والدردنيل، كما هي على تجاور جغرافي مع ثلاث كتل بشرية: الأولى آسيوية وتشمل منطقة القوقاز ذات الطابع الإسلامي في الانتماء الديني لسكانها، والثانية أوروبية وتشمل منطقة البلقان، والثالثة عربية، وهي تحد دولتين عربيتين هامتين في البنية القومية العربية، سورية والعراق.
بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة السلطة في العام 2002، أصبح يتجاذبها خياران استراتيجيان:
الخيار الأول: اعتماد العلمنة من خلال المزيد من الانفتاح على أوروبا والغرب، بهدف اكتساب العضوية في الاتحاد الأوروبي.
الخيار الثاني: خيار “الأسلمة”، والتوجه نحو العمق الإسلامي في الوطن العربي وجمهوريات القوقاز الخارجية كدول مستقلة من الحقبة السوفياتية.
وقد آثر حزب العدالة والتنمية اعتماد خيار “الأسلمة”، وراح في سياسته الخارجية يعمل على توفير أرضية توفيقية تدمج بين الإسلام كهوية تاريخية، والمصالح الاستراتيجية في علاقاته الاقتصادية والسياسية والثقافية مع المجموعتين العربية والقوقازية. وهي تسعى في ظل احتدام التنافس الدولي والصراع في المحيط القاري الممتد من أعالي القوقاز إلى العمق العربي مروراً بالشرق الأوسط الذي يعوم على خزان هائل من النفط والغاز، إلى تعزيز حضورها عبر ثلاثة مواقع:
الموقع الأول: سورية: من خلال الدخول على خط الأزمة السورية سياسياً وعسكرياً، بهدف حفظ موقع لها على طاولة الحل السياسي الذي سيرسم الأزمة في سورية، والحساسية التي تبديها السلطة الحالية في ظل تنامي الدعوة لمنح الأكراد في سورية حقوقاً سياسية قد تقضي إلى حكم ذاتي، مع ما لذلك من انعكاسات على الداخل التركي حيث الأكراد يشكلون أقلية وازنة. وبحجة المسار الذي سلكته الأزمة السورية، تحولت تركيا إلى إحدى قلاع القوى المنخرطة في الصراع السوري، وملازمة للملايين من النازحين، ومن ثم تطور الموقف إلى التدخل العسكري المباشر واحتلال مساحة من الأرض السورية وربما جعلها أحد اللاعبين الأساسيين في تحديد مسار الصراع عسكرياً وسياسياً، وقد حفظت لنفسها موقعاً على طاولة ترتيبات مخرجات الحل بعدما أصبحت الأزمة السورية مدوّلة بامتياز من خلال تعدد أدوار اللاعبين الدوليين والإقليميين في أزمتها، وقد برز الدور التركي بقوة بعد سقوط النظام وانكفاء النظام الإيراني عن ساحتها.
لقد شكلت تركيا، الداعم الأبرز لحركة التغيير في سورية، وهذا الدعم تناول الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية. وهذا الدور الذي بدا منتفخاً في بداية دخول سورية مرحلة التحول السياسي الجديد، تراجعت انتفاخاته بعد دخول قوى عربية ودولية على خط احتواء الوضع المستجد وكان أبرزه التدخل الصهيوني في أحداث السويداء وعلاقات تحت الطاولة مع “قسد” والدور الأميركي الذي يلعب دوراً بارزاً في تأهيل النظام السياسي الجديد على المستوى الدولي، إلى الدور السعودي الذي شكل أبرز رافعة اقتصادية للواقع السوري، وهو ما ساهم في تخفيف حدة الاحتقانات الاقتصادية والمالية وساهم في وضع البلد على سكة التعافي الاقتصادي من خلال رزمة مشاريع الاستثمار الممولة سعودياً والمساعدات النقدية والعينية لإعادة تأهيل القطاع العام، وأخيراً رفع العقوبات الاقتصادية التي كانت مفروضة استناداً إلى ما عرف “بـقانون قيصر”.
الموقع الثاني: العراق: صحيح أن تركيا لم تنخرط بقوة مع التحالف الدولي لشن العمليات العسكرية الجوية على العراق إبان العدوان عليه، إلا أنها بعد وقوعه تحت الاحتلال أقدمت على اختراق الأجواء العراقية وإقامة مواطئ قدم برّية لها في جبال العراق الشمالية بذريعة مهاجمة قواعد عسكرية لحزب العمال الكردستاني التركي، كما أنها كانت تعلن بين الفينة والأخرى أنها معنية بمصير الأقلية التركمانية الموجودة في العراق، وبالتالي كانت ترى أن لها الحق بالتدخل لسبب يتعلق بأمنها الوطني من ناحية، وتقديم نفسها كحامية للأقلية التركمانية من ناحية أخرى.
وإذا ما أخذت بعين الاعتبار المنافع التي حصلت عليها تركيا من خلال مد أنبوب النفط العراقي إلى ميناء جيحان وخط الترانزيت البري لنقل البضائع والوقود، فإن تركيا ترى نفسها معنية أيضاً بتطور الأوضاع السياسية والأمنية وبما يجري في العراق وهي التي كانت تحفظ لنفسها “كرسياً” على طاولة اجتماع دول الجوار العراقي. وعليه فإن تركيا التي تتشارك مع العراق بمياه دجلة والفرات كما مع سورية، تعتبر نفسها تمتلك ورقة ضغط على البلدين نظراً لكونها دولة المنبع لأهم مصدرين مائيين لبلدين عربيين تُعتبر الزراعة من مواردهما الاقتصادية الأساسية، فضلاً عن السدود المنشأة على النهرين في كل البلدين والتي تتأثر حكماً بانخفاض منسوب المياه في النهرين فيما لو حجبت تركيا كمية المياه المتدفقة أو خففت منها بفعل السدود التي تنشئها في أراضيها. ولذلك فإن تركيا ترى المدى العراقي والسوري مجالاً لممارسة الضغط على الواقع العربي إذا ما اقتضت مصالحها ذلك.
الثالث: الموقع الليبي: قد يكون هناك تفسير تفرضه معطيات الواقع الجيوسياسي للتدخل التركي في كل من سورية والعراق للأسباب التي جرت الإشارة إليها، لكن ما هو التفسير الذي يعطى لسبب التدخل التركي في ليبيا وهي البعيدة نسبياً بالمدى الجغرافي عن الحدود التركية؟
إذا ما اعتبر أن الصراع على النفط والغاز في شرق المتوسط ومد خطوط الأنابيب من ليبيا إلى قبرص وتركيا وصولاً إلى بلغاريا مبرراً للتدخل التركي في ليبيا بعد الانكشاف الوطني لهذه الساحة وتحولها مسرحاً لتدخل دولي وإقليمي متعدد الأطراف، فإن سبباً جوهرياً يكمن وراء هذا التدخل والذي اتخذ بعداً عسكرياً عبر تقديم تركيا لنفسها غطاءً لتشكيلات عسكرية تعمل تحت عباءة تنظيم “الإخوان المسلمين”.
إن هذا السبب الجوهري لا يرتبط بالمصالح الاستراتيجية العليا لتركيا وحسب، وإنما يرتبط بالمخطط الذي تسعى أميركا لترسيخ خطوطه على أساس رؤيتها لتشكل نظام إقليمي جديد. وهنا لا بد من التوقف عند الإشارات التي سبق وأطلقها الرئيس الأميركي باراك أوباما من على مدرجات جامعة القاهرة في أول زيارة له لمصر وأعطى حيزاً في خطابه لحوار الأديان، وأبدى إعجابه بما ينطوي عليه الدين الإسلامي من “تسامح”. ومن يقرأ جيداً الخلفية الحقيقية للرسالة التي وجهها أوباما لفتح حوار بين الأديان، أدرك أن هذه الخلفية الكامنة وراء هذه الرسالة ليست باعتبارها دافع عقائدي كما صُوّر الأمر، بل الباعث هو سياسي، بهدف إبراز دور القوى الدينية في إدارة شؤون الدولة العربية وتوفير بيئات ملائمة لتبرير الدخول في التطبيع السياسي مع الكيان الصهيوني من بوابة التطبيع الديني.
وأن يطلق العنان لمشروع نظام ولاية الفقيه الذي يهدف إلى إقامة دولة المذهب، استناداً إلى دور تضطلع به مكونات مجتمعية مذهبية في إيمانها المعتقدي وهي جزء من المكون الوطني على حساب دولة المواطنة، وأن تنشط الحركة الأميركية لتمكين تنظيم “الإخوان المسلمين”، من السيطرة على الحكم في تونس ومصر وبعدها ليبيا استناداً إلى وجود فروع لهذا التنظيم في هذه البلدان، فهذا لم يكن بمحض الصدفة، ولا بالتعامل مع الوقائع التي أفرزها الصراع بخلفية النهج البراغماتي الذي يشكل فلسفة للسلوك السياسي الأميركي، بل أطلق ذلك الموقف عن سابق تصور وتصميم ليلاقي الطرح الصهيوني بإضفاء الطابع الديني على دولة الكيان الصهيوني تحت عنوان يهودية الدولة. ومن يتوقف عند تصريح السفيرة الأميركية في القاهرة باترسون في العام ٢٠١٣، بأن عودة اليهود من الشتات من كل بلدان العالم إلى أرض الموعد من النيل إلى الفرات صارت وشيكة، وأعلنت بفخر أنها لعبت دوراً محورياً وخطيراً حقق “شعب الله المختار” التنبؤات التي قيلت عنه بصورة تعتبر إعجازية، يتبين له بشكل قاطع بأن ما كان مضمراً في العقل السياسي الأميركي ويعبر عنه مواربة، أصبح يجاهر به بعد ضرب مواقع القوة في الوطن العربي.
إن تمدد الحضور السياسي والعسكري التركي على طول الشاطئ الجنوبي للمتوسط، ما كان ليتم لولا غض النظر الأميركي لإقامة ما يسمى بنظام “الحاكمية” الذي يحاكي نظام ولاية الفقيه الذي فتحت له قنوات العبور في المشرق العربي. وقيام مثل هذه الأنظمة الهدف منه، تبرير نظرية يهودية الدولة كما جرت الإشارة إليه. وهنا تكمن خطورة الدور التركي الذي يغلف نفسه بلبوس ديني فيما ينطوي على أهداف توسعية في المجال العربي كحال النظام الإيراني. وكما عمد النظام الإيراني إلى تأمين حضور سياسي له ضمن الإطار الفلسطيني من خلال علاقاته مع تنظيمي حمـ.ـاس والجهاد الإسلامي في نفس الوقت التي كانت تنشط فيه العلاقات التجارية مع الكيان الصهيوني عبر الشركات العاملة في الدولتين والتي يفوق عددها الثلاثين، فإن تركيا أبرمت تحالفاً مع إسرائيل العام ١٩٩٦ لضمان المصالح المشتركة للبلدين. وهذا التحالف وإن كان قد اهتز بعد حادث سفينة مرمرة في العام ٢٠١٠، إلا أن الطرفين عادا إلى تعويم علاقاتهما عبر اللجوء إلى “دبلوماسية الطاقة”، التي أفضت إلى عقد اتفاقية إطارية لنقل الغاز الذي تستخرجه “إسرائيل” من ميناء حيفا عبر خطوط بحرية تمر بقبرص وتركيا إلى أوروبا.
ج- أثيوبيا: استهداف الأمن القومي من بوابة الأمن المائي:
إن أثيوبيا التي تقع في القرن الإفريقي، هي من الدول الإفريقية الكبرى مساحة وسكاناً، وهي على تماس جغرافي مع دولتين عربيتين، السودان والصومال، وكانت تحتل إريتريا، التي خرجت من تحت الاحتلال دون أن تنتظم في النظام العربي. إن أثيوبيا التي ما تزال تحتل إقليم أوغادين من أراضي الصومال، تملك ورقة ضغط على الأمة العربية، من بوابة الأمن المائي. فأثيوبيا هي دولة المنبع للنيل الذي يغذي السودان ومصر قبل أن يصب في المتوسط. وكما تستغل تركيا وإيران موقعها كدولتي منبع لدجلة والفرات والكارون وديالى والزاب للضغط على العراق وسورية، فإن أثيوبيا تمارس السياسة ذاتها، وقد برزت مؤخراً في إقدامها على إنشاء سد النهضة دون التنسيق والتوافق مع مصر والسودان. والموقف الأثيوبي في استعمال ورقة المياه للضغط على دولتي المصب وهما عربيتان، ليس منعزلاً عن الاستراتيجية العامة التي تستهدف الوطن العربي.
إن الحروب القادمة، ستكون حروباً حول الثروة المائية في ظل الحاجة المتزايدة لهذه الثروة الطبيعية مع تزايد السكان والحاجة إلى مساحات أوسع للزراعة. لذلك فإن التهديد للأمن القومي العربي ينطلق من أكثر من موقع من مداخل الوطن العربي، وأثيوبيا هي واحدة من هذه المواقع. وإن العدو الصهيوني الذي بدأ يوسع من دائرة تواجده في إفريقيا يضع القرن الإفريقي في سلم أولويات اختراقه لإفريقيا ويعمل لتعزيز تواجده في الدول المحيطة بالسودان وهي أثيوبيا وإريتريا وأوغندا. وهذا التواجد في القرن الإفريقي وإن كان بهدف الاستثمار الاقتصادي، إلا أن وجوده على مقربة من مصادر المياه وخاصة النيل يرتبط بحاجته للمياه من ناحية وكون النيل يشكل حدوداً للدولة الإسرائيلية بحسب المنظور التلمودي. وهذا ما يجب أن يكون ملحوظاً في صياغة مشروع المواجهة الشاملة للمخاطر المهددة للأمن القومي العربي.
عناصر الداخل القومي المساعدة لمشاريع استهداف الوطن العربي من القوى الدولية والإقليمية:
في سياق الاستعراض العام لمشاريع الاستهداف المعادي للأمة العربية من قبل القوى الاستعمارية الدولية وتلك التي تجد في المجال العربي مدى حيوياً لمشاريعها الإقليمية، لا يسقط التركيز على طبيعة هذه المشاريع وأبعادها، وجود عوامل داخلية اختلج بها الواقع العربي وشكلت معوّقاً أمام استنهاض الأمة والسير في مشروع توحيدها. من هذه العناصر ما تشكل عبر الحقب التاريخية التي أعقبت سقوط الخلافة العباسية وانكشاف الأمة أمام أشكال مختلفة من الاجتياحات كان أكثرها تدميراً لبينتها وثقافتها الاجتياح المغولي الذي لم يوازه تدميراً سوى الاجتياح الاستعماري في العصر الحديث للعراق.
وفي معرض استعراض التاريخ السياسي للأمة العربية قبل انقلاب ما يمكن إدراجه تحت عنوان ولادة الدولة الوطنية، وباستثناء الحقبة التي ظهرت فيها الدولة الأيوبية، كدولة أعادت للأمة بعضاً من اعتبارها المعنوي بعد تصديها للغزوات الصليبية وتحرير القدس ومواجهة الحركات المذهبية التي أقامت لها إمارات في مشرق الوطن العربي ومغربه، لم تشهد الأمة بداية استعادة لاستنهاضها إلا عبر المشروع النهضوي الذي طرحته حركة محمد علي باشا، يوم قاد حملة الخروج من تحت العباءة العثمانية، ببناء دولة حديثة وتحويل مصر إلى قاعدة لإحياء مشروع توحيدي للأمة العربية يمتد إلى بلاد الشام شرقاً وإلى الحجاز جنوباً.
هذا المشروع الذي وجدت فيه القوى الاستعمارية خطراً على مصالحها، دفعها لأن تجمّد صراعاتها مع السلطنة العثمانية وتتفق معها على مواجهة حركة محمد علي، وتحاصر تمدد مشروعه في أكثر من موقع وخاصة في بلاد الشام. لقد أدركت القوى الاستعمارية أن نجاح مشروع محمد علي في قيام دولة مركزية في الوطن العربي تستعيد توحيد ربوعه كما كان حاصلاً إبان دولة الخلافة الراشدية والأموية والعباسية، من شأنه أن يعيد لهذه الأمة أمجادها عبر توحيدها في دولة واحدة تمتد من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي.
وإذا كان ذلك التحالف الدولي قد نجح في فرض الانكفاء على المشروع وحصره في إطار مصر، فإنه بدأ ومنذ تلك اللحظة التفكير بتدارك قيام دولة مركزية قوية جاذبة لكل مكونات الأمة وقبل أن تُشق قناة السويس. وعليه لم يكن من باب الصدف أن تتلاقى الأهداف الصهيونية باختيار فلسـ.ـطين لتكون وطناً قومياً لليهود مع الأهداف الاستعمارية بإيجاد أرضية سياسية لواقع تقسيمي تأخذ حدوده طابع النهائية ويكون عائقاً موضوعياً لقيام وحدة على مساحة التموضع القومي للأمة. وقد جرت الإشارة في متن هذا التقرير إلى الخطوات التي نفذت لأجل تحقيق ذاك الهدف.
إن التجزئة الكيانية للوطن العربي، كانت أحد أقوى العوامل التي كانت تعترض مسيرة العمل التوحيدي، وكل محاولة لإسقاط هذه الحدود كانت تواجه بالتحريض السياسي لأصحاب المصالح والمنافع المستفيدين من واقع التجزئة، ومن استنفار العصبيات المحلية والإثنية تارة والطائفية والجهوية والقبلية تارة أخرى لإثارة المشاكل في وجه كل مشروع أو محاولة على طريق تحقيق الوحدة العربية.
إن الوطن العربي الذي يشكل وحدة جغرافية وتستوطنه أمة تجمعها كل خواص الوحدة، أنشئ فيه ٢٢ كياناً، أطلق عليها تسمية الدولة الوطنية، ولكل واحدة علمها ودستورها الذي ينص في مقدمته، على أن شعب هذه الدولة هو جزء من الأمة العربية، ومع هذا فإن أقصى ما وصلت إليه صيغ العمل الوحدوي في الإطار الرسمي هو انضواء الدول العربية في إطار منظومة إقليمية تحت مسمى جامعة الدول العربية، كما تشكلت إطارات أخرى بعضها كان ثنائياً كحال الوحدة بين سورية ومصر وهي التجربة الأهم في العمل العربي الوحدوي في النصف الثاني من القرن العشرين وبعضها كان تعددياً في أطرافه، ولم يعمر طويلاً، كالاتحاد الثلاثي بين مصر وسورية وليبيا أو الاتحاد المغاربي ومجلس التعاون العربي، ولم يبق منها قائماً سوى مجلس التعاون الخليجي الذي يضم ست دول خليجية.
إن هذا الواقع التقسيمي للواقع العربي وتوزع أبناء الأمة على اثنتين وعشرين دولة تشكلت حدودها في أوقات زمنية متفاوتة ومختلفة في ظروف تشكلها الكياني، أدى إلى إنتاج أوضاع سياسية تديرها منظومات حاكمة عمدت إلى تكثيف الواقع الكياني مع مصالحها الخاصة على حساب المصالح العليا للأمة. وهذا ما أدى إلى إعاقة مشاريع التوحيد السياسي والاقتصادي وربط الوطن العربي بشبكة من العلاقات والبنى التحتية والاقتصادية التي لا تقيدها الحدود التي ارتسمت بين الأقطار.
إن هذا التقسيم الكياني شكل أحد العوائق الأساسية التي حالت دون قيام دولة الأمة التي تحكمها رؤية واحدة حيال خطط التنمية الداخلية، أو حيال الخيارات السياسية في التعامل مع الخارج الدولي والإقليمي. وكثيراً من الأحيان كانت بعض الأنظمة العربية تصطف مع قوى معادية للأمة حفاظاً على مصالحها الخاصة وامتيازاتها التي حصلت عليها في ظل نظام الدولة القطرية.
إضافة إلى هذا العائق، الذي أبقى المجال العربي مفتوحاً أمام أشكال مختلفة من التدخل الخارجي في الشؤون العربية، كانت تستوطن الأمة تناقضات سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية، عملت القوى الاستعمارية والداخلة في الشأن العربي على تكبيرها والاستفادة منها في تثقيل الوضع العربي بأعباء هذه التناقضات التي كانت تصل حد الاحتراب في داخل المكون الواحد. فحيث كانت توجد تعددية دينية وطائفية ومذهبية، كانت القوى المعادية ترى في هذه التعددية فرصة لإثارة الاختلافات على أساس ديني أو طائفي ومذهبي، وإيجاد أرضية لصراع داخلي بخلفية دينية ومذهبية، وبما يؤدي إلى إضعاف عناصر المناعة الوطنية ودفع الناس للتحصن وراء جدران أديانهم ومذاهبهم في صراع مفتعل، يكون فيه الجميع خاسرين.
وحيث لا توجد تعددية دينية أو مذهبية تستغل لإحداث انشطار عامودي في البنى المجتمعية، كانت تستحضر العوامل الإثنية، كما كانت تستحضر العوامل القبلية والجهوية حيث لا توجد تعددية دينية أو إثنية. لذلك فإن الوطن العربي الذي يمتد على مساحة واسعة من الجغرافية، وإن كان شعبه العربي يتشكل من أكثرية ساحقة من يطلق عليهم أهل السنة والجماعة إلا أن تشكيله السكاني لا يقتصر على هذه الأكثرية وحسب، إذ فيه أيضاً من هو على مذاهب إسلامية أخرى موجودة في العديد من الأقطار العربية، كما فيه من ينتمي إلى أديان أخرى كالمسيحية بمختلف كنائسها واليهود الذين عمدت الصهيونية العالمية إلى الاستثمار فيهم إنفاذاً لمخطط استعماري قضى باغتصاب فلسـ.ـطين تحت عنوان إقامة “دولة قومية لليهود”.
وبما أن الوطن العربي يتجاور مع شعوب أخرى وكان مسرحاً لغزوات وحروب لم تزل قائمة، فهذا الوطن الذي اكتسب هويته القومية من سكانه العرب، فيه أقليات قومية، بعضها بسبب رسم الخرائط التي وضعتها القوى الاستعمارية والخبث الذي انطوت عليه استراتيجيات تلك القوى بإدخال أقليات قومية ضمن التشكيل الأمة كي يستعمل في خلق بيئة لنزاعات تجعل عدم الاستقرار من سمات الدول التي رسم الاستعمار حدودها، كما أنّ بعض الأقليات القومية وجدت في الوطن العربي ملاذاً آمناً من اضطهاد تعرضت له أو بفعل النزوح الذي ينتج عن الحروب في بلدان قوميات أخرى.
وما لم يكن مندرجاً تحت عنوان التعددية الدينية والمذهبية والإثنية، كان العامل القبلي والجهوي حاضراً في إبراز تناقضاته واستغلال معطياته لتبرير التدخل الخارجي لمن يقدم نفسه حامياً للطوائف والمذاهب والأقليات الإثنية والقبليات والجهويات. فحيث توجد تعددية دينية يُعمل على إبراز تناقضاتها واختلافاتها، وحيث توجد تعددية إثنية يُعمل على استغلال أوضاعها، وحيث توجد جهويات وقبليات يتم العمل على استنفار عصبياتها.
إن هذه التعددية في التركيب المجتمعي العربي، تبرز تناقضاتها كلما بدا الجسم العربي في حالة وهن، وتتراجع كلما كانت مناعة الجسم العربي مرتفعة. ولهذا فإن الواقع العربي الذي تعيش فيه مثل هذه الظواهر كان ومازال تحت تثقيل العوامل التي تفرزها سلبيات هذه التعددية وعدم التعامل معها في كثير من الأحيان باعتبارها عامل إغناء للأمة في اجتماعها السياسي.
إن سلبيات هذه التعددية تبرز اليوم في تثقيلها للواقع العربي كما لم يكن في وقت سابق، فلأن الأمة العربية اليوم وفي لحظة الصراع فيها وعليها تمر بمرحلة مصيرية في ضوء الاستهداف المتعدد الأطراف والأوجه لأمنها القومي بعد حالة الانكشاف الشامل التي تورطت تحت وطأته بعد الزلزال الذي ضرب العراق والهزات الارتدادية التي تولدت عنه وأدت إلى تصدع البنيان القومي برمته. وهذا ما يطرح أمام الحزب مسألة تحديد خياراته الاستراتيجية في التصدي والمواجهة.
3. الوطن العربي في مشاريع الاستهداف الدولي والإقليمي الراهن
(الوطن العربي في استهداف مشروعي روسيا الاتحادية والصين):
- روسيا الاتحادية: بحث عن سوق سلاح وحضور اقتصادي وتطوير العلاقة مع “إسرائيل”:
بعد الحقبة السوفياتية، راحت روسيا الاتحادية تتحول بسرعة من الاقتصاد الاشتراكي الموجه إلى اقتصاد السوق، ومع مطلع العشرية الثانية من القرن الحالي، أخذت روسيا تتبنى سياسية جديدة لاستعادة حضورها الدولي عبر تطوير تقنياتها العسكرية والدخول مجدداً كمنافس في سوق السلاح وخاصة الطراز الصاروخي منه، كما في توظيف امتلاكها لثروة نفطية واحتياط هائل من الغاز الطبيعي في فرض وجودها كقوة اقتصادية أسندتها بقوة ضغط سياسي مارستها عبر تعطيلها لقرارات دولية تقف أمريكا وحلفاؤها وراءها والحؤول دون صدورها عن مجلس الأمن، وذلك لأجل توجيه رسالة بأن روسيا لن تسمح بتمرير قرارات لا تلائم مصالحها.
وإذا كان الدور الروسي لم يرتق في حضوراته وتأثيراته إلى حدود الدور الأميركي، إلا أن روسيا استطاعت أن تسجل عدة نقاط لصالحها:
أولها: التدخل الروسي العسكري في سورية والذي مكنها من تعزيز حضورها في الإدارة السياسية والعسكرية للملف السوري قبل سقوط النظام وقد أقامت جملة قواعد عسكرية على طول الساحل السوري.
ثانيها: صياغة جملة تفاهمات مع العدو الصهيوني، ومن ضمنها قواعد الاشتباك التي جعلت العدو الصهيوني يوجه ضربات عسكرية في الداخل السوري بغض نظر روسي.
ثالثها: سعي روسيا إلى تصدير الغاز الروسي عبر موانئ الساحل السوري وأيضاً اللبناني بالإضافة إلى خط أنابيب لنقل الغاز من روسيا إلى أوروبا ينطلق من نوفوروسيسك الروسية إلى باكو (أذربيجان) – تبليسي (جورجيا) ٧٠١٦ كلم، منها ٣١١ كلم في الأراضي التركية. ومن المشروعات الروسية الأخرى، مد سكة حديد جديدة عبر سورية والعراق، من أجل إنشاء ممر للنقل يربط البحر المتوسط بالخليج.
رابعها: إنشاء مؤسسة “لوكسار” الروسية – السعودية لاستكشاف الغاز في الربع الخالي وإشراك شركتي “سينفط” و”لوك أويل” الروسيتين في تطوير أربعة حقول نفطية كويتية، ومشروع أنبوب الغاز “الطويلة – الشارقة” في الإمارات العربية. وفي مصر، هناك شركات روسية عاملة في مجال الطاقة، ومع إيران تقيم روسيا علاقات متطورة في مجال استخراج الغاز الطبيعي والتنقيب عن النفط في حقل فارس الجنوبي.
إضافة إلى كل ذلك، فإن روسيا تعمل على تشييد “طريق الميريديان السريع أو طريق الحرير الروسي”، الذي يمتد على طول ٢٠٠٠ كلم ويربط بين جمهوريات آسيا الوسطى ببلدان الشرق الأوسط.
إن هذا التوجه الروسي الجديد في إيلاء أهمية لمشاريعها الاقتصادية القارية، والوطن العربي يدخل ضمن أمداءاتها الحيوية كما حوض المتوسط الشرقي بعدما تبين أنه يحتوي على مخزونات هائلة من النفط والغاز، وهذا من شأنه أن يضع المنطقة العربية مجدداً ضمن دائرة الاهتمام والاستهداف الروسي ليس حباً بمصالح العرب وإنما خدمة لمصالحها وتحسين موقعها في خارطة الصراع الدولي على مناطق النفوذ في العالم وخاصة مع الموقع الأميركي بعدما بدأت الحرب الاقتصادية تفرض إيقاعها على معطيات هذا الصراع. وروسيا التي كانت عاصمتها تشكل قاعدة للقطب الدولي المواجه للقطب الأطلسي بقاعدته الأمريكية تسعى إلى قيام نظام دولي جديد يقوم على تعددية قطبية تكون روسيا واحدة من أقطابه مع الصين، القوة الاقتصادية الصاعدة. وكلا القوتين، الروسية والصينية، تجدان في المجال العربي مجالاً حيوياً لاستثماراتهما ولحضورهما السياسي بالنظر إلى الأهمية الجيو-سياسية التي ينطوي عليها والتي جعلته موقعاً لتصادم الاستراتيجيات الدولية المتقابلة.
وإذا كان سقوط النظام في سورية، وما ترتب عليه من نتائج، قد أضعف التأثير الروسي في مجريات أحداثها، إلا أنه لم ينهه كلياً، إذ مازالت القواعد العسكرية قائمة على الساحل السوري، واستمرار في نسج العلاقات العسكرية والاقتصادية والسياسية، وهو الذي أدى إلى تأسيس شبكة من المصالح المتبادلة لا يمكن إقفال ملفاتها بسهولة، وسوف تتم إعادة ترتيبها في ضوء المتغيرات التي حصلت وحاجة الطرفين لنسج علاقات خاصة بينهما. وإذا كان الدور الروسي يسجل تراجعاً في تأثيراته بعد اندلاع الحــرب مع أوكرانيا، فإن نهاية هذه الحـ.ـرب التي تتجه أوروبا إلى مزيد من التوتر فيها ستنتهي بتسوية على قاعدة أن “الذنب لا يمنع الغنم”، وبالتالي فإن روسيا ستبقى من الدول الوازنة على المستوى القاري عامة كما مستوى حوض المتوسط خاصة، وهذا ما يجعلها تولي أهمية لتفعيل دورها في المنطقة العربية، والذي تترجم مفرداته بعلاقات مع الدول العربية أياً كانت طبيعة نظمها السياسية.
- الاستهداف الصيني في ضوء الطموح الدولي الصاعد:
إذا كانت الاستراتيجية الأمريكية قد أولت اهتماماً مبكراً بالشرق الأوسط وخاصة الحوض العربي منه، لأسباب تتعلق بـأمن “إسرائيل” وأمن النفط والموقع الاستراتيجي للوطن العربي ودخلت عليه من مدخلي الاقتصاد والسلاح، فإن الاستراتيجية الصينية أولت مبدأ الاقتصاد والدبلوماسية الناعمة أهمية في توسيع شبكة علاقاتها الدولية والآسيوية عامة والشرق أوسطية خاصة.
ومن بين المشاريع الاستراتيجية التي تعتمدها الصين على مستوى آسيا والشرق الأوسط يأتي “مشروع الحزام والطريق”، الذي يربط ثلاث قارات (آسيا – أفريقيا – أوروبا)، بشبكة برية، سكك حديد، طرق معبدة ومحطات، وشبكة أخرى بحرية، موانئ، بهدف تنشيط العلاقات التجارية بين دول هذه القارات. إن شبكات الربط تشمل 63 دولة بينها 13 دولة عربية كلها وقعت مذكرات تفاهم مع الصين حول المشروع وهي دول مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى اليمن والعراق ومصر وسوريا ولبنان والسلطة الفلسطينية إلى جانب “إسرائيل” أيضاً.
لقد عملت الصين على توثيق علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول الخليج العربي وإيران ومصر، فعقدت عدة اتفاقيات مع شركة أرامكو السعودية والهيئة الكويتية للبترول، كما وثقت علاقاتها الخليجية عن طريق التعاون العسكري وتصدير السلاح خاصة إلى السعودية. وعندما يكون حجم الاهتمام الصيني بتنشيط اقتصادها وفتح أسواق جديدة له، يكون من الطبيعي أن يصبح الوطن العربي داخلاً ضمن مدى استهدافاتها الأساسية في ضوء الطموح الدولي الصاعد لها للعب دور في صياغة نظام دولي جديد يضع حداً للاستفراد الأميركي في تحديد مساره.
#حزب_البعث #المؤتمر_القومي_الثالث_عشر #التقرير_السياسي #الأمن_القومي_العربي #الوحدة_العربية #المقاومة_الوطنية #السيادة #أمة_عربية_واحدة #الوعي_القومي #فلسـ.ـطين #العراق

Leave a Reply