عندما يتحول الامتحان إلى وسيلة للعقاب وليس أداة للنجاح: امتحان الشهادة السودانية 2026 نموذجاً

صحيفة الهدف

 المستشار محمد آدم الضي

بحسب دليل امتحانات الشهادة الثانوية السودانية 2025/2026، فإن زمن معظم المواد ثلاث ساعات للإجابة على ثماني ورقات امتحانية. في ظل الحـ.ـرب والنزوح وتدمير المدارس، فإن هذه المعادلة قد تحوّلت من أداة قياس إلى أداة إقصاء. وفي هذه العجالة نحاول أن نحلل الخلل، ونستعرض بدائل مجربة دولياً، ونقترح توصيات قابلة للتطبيق بهدف إنقاذ الجيل القادم من سيف الرسوب المسلط على رؤوسهم بسبب الأسئلة التعجيزية.

وفي ظل هذه المعادلة القاسية وغير العادلة، فإن النتيجة التي يتهامس بها المعلمون قبل الطلاب هي أن هذا الامتحان لم يوضع ليُجتازه الطالب، بل ليُسقط.

أولاً: السؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن نقيس مستوى الطالب المعرفي، أم نقيس قدرته على الصمود في وجه منظومة تقويم قاسية فقدت بوصلتها؟ وهل ورقة الامتحان هي أداة قياس أم هي أداة لسقوط الطالب وإقصائه؟

هناك ما يبدو كمثال للكم مقابل الزمن: 7-8 ورقات في 180 دقيقة تعني 22 دقيقة للصفحة الواحدة. هذا دون حساب عوامل التوتر النفسية، وقراءة الأسئلة، والاجابة عليها ومراجعة الإجابة. وهذا مخالف للمعايير العالمية التي تخصص دقيقتين للفقرة الواحدة في الاختبارات. فكيف نتوقع من طالب تحت الحـ.ـرب أن يبذل من الجهد أضعاف المعايير العالمية، وفي حالة من عدم الاستقرار النفسي. هذه إلى جانب اتباع فلسفة التعجيز في صياغة لأسئلة والتي يقول بعض المعلمين إنها جاءت من هوامش المقرر، وإنها موجهة للطالب المتميز، أكثر منها إلى الطالب المتوسط، ناهيك عن الطالب العادي. وهذا يكشف عن خلل في المقصد من الامتحان. الامتحان الجيد يميّز المستويات وفق المنحنى الطبيعي، وفيه تكون نسبة النجاح كبيرة جدا، أما الامتحان التعجيزي يصنع المنحنى مقلوبا، وفيه تكون الرسوب هي الأكبر. فالامتحان التعجيزي لا يعتبر تقويما، بل تصفية. كذلك في واضعي الامتحان لم يراعوا الظروف النفسية للممتحنين وأن القلق الذي يعتري الطالب أثناء الامتحان يؤدي إلى خفض تحصيله مقارنة بتحصيله في الظروف العادية. فكيف بالحـ.ـرب والنزوح والفصول المدمرة والأوضاع المأساوية والمرض والجوع وعدم الاستقرار؟ وضع امتحان بنفس مواصفات 2019 لطلاب 2026 هو إنكار للواقع. كمن يشارك في سباق مكسور الساق، ثم تتوقع أن يحرز الرقم القياسي.

ثانيا: هل الامتحان الورقي المكثف هو سيلة مثالية لقياس المعرفة فعلا؟ والاجابة: كلا! وذلك لأنه وضع الامتحان لقياس مدى حفظ الطالب تحت الضغط من خلال عملية الاسترجاع المباشر. وسرعة الكتابة، فالطالب بطيء الكتابة يخسر درجات قبل أن يفكر، وتحمل الإجهاد، فمن ينهار في الساعة الثالثة يُعاقب، ولو كان يعرف الإجابة، وهذا ليس هو آلية مثالية لقياس الفهم العميق، والتفكير النقدي، وحل المشكلات، والإبداع، والعمل الجماعي. لأننا من خلال هذا النوع من الامتحانات نساهم في تخريج جيل من الطلاب يتقنون فن اجتياز الامتحان، ولكنهم لا يتقنون فن التعاطي مع الحياة، التي تقتضي تزويدهم بالمهارات التي يطلبها سوق العمل والناس.

ثالثًا: البدائل المطبقة عالميًا – والحـ.ـرب ليست عذرا لعدم تطبيقها هناك دول مرت بحـ.ـروب وكوارث وغيّرت نظام التقويم لأنها أدركت أن الظرف الاستثنائي يحتاج تقويما استثنائيا. وكمثال على ذلك قامت أوكرانيا 2022-2026 بإلغاء امتحان الثانوية الموحد واستبدلته بـاختبار الكفاءة الرقمي وهو اختبار متعدد الفرص، ويتكون من ثلاثة مواد فقط، ويمكن للطالب دخوله ثلاث مرات، ويجري في مراكز محمية أو أونلاين للنازحين. علما بأن نسبة القبول الجامعي لم تتأثر، وانخفضت نسبة القلق والخوف من الرسوب. وكمثال آخر اعتمدت دولة سوريا 2013-حتى الآن، نظام الدورات التكميلية، مع احتساب نسبة معينة من معدل مشاركة الطالب الصف مع إلزام المسئولين بوضع امتحان مخفف وبحيث يوزع الضغط على سنتين، مع مراعاة أن الطالب فقد شهوراً دراسية. وبذلك استطاعت سوريا أن تقلل من نسبة الرسوب. أما في الدول المتقدمة مثل فنلندا فإن الوضع الرسمي هو إنه ليس هناك امتحان وزاري موحد، وإنما يتم اعتماد التقويم التراكمي الذي يضعه المعلمون بالإضافة إلى اختبار كفاءة واحد بنهاية المرحلة الثانوية، وهذا النظام معمول به في المملكة العربية السعودية.

رابعًا: ما المطلوب للسودان؟ مراجعة عاجلة بثلاثة محاور

  1. مراجعة فلسفة الامتحان: الامتحان ليس هدفا، بل جسر للنجاح. ولذلك يجب إعادة تعريفه: هل نريد معرفة من هو الطالب الذي حفظ الكتاب أم الذي يصلح للطب والهندسة وغيرها فيكون نافعا للمجتمع؟ إننا بحاجة لوضع مواصفات ورقة الامتحان، بحيث تكون هناك أسئلة دنيا قاعدية، وأسئلة متوسطة، وأسئلة للدرجات العليا. وعلى أن تكون فلسفة يلتزم بها واضعو الامتحانات.

  2. مراجعة أداة القياس: من الزمن المهدور إلى التقويم المستمر: من خلال تقصير ورقة الامتحان، إذا يوجد أي لا مبرر لامتحان 8 ورقات. إن مدة ساعة ونصف تكفي لقياس الكفاية إذا صيغت الأسئلة بذكاء.

  3. تنويع الأدوات: أخذ نسبة من الامتحان، يضاف إليها ملف إنجاز من المدرسة، والمشروع التطبيقي، في المملكة يسمى مشروع التخرج. وهذه الطريق من شأنها أن تخفيض أثر يوم الحظ السيئ، الذي يعانيه كثير من الطلاب النوابغ.

  4. مراعاة الصدمة: تخصيص درجات معينة كجبر ضرر لكل طلاب مراكز النزوح واللجوء والمناطق المتأثرة بالحـ.ـرب. ويمكن الرجوع ممارسة منظمة اليونسكو في هذا الجانب.

خامسا: مراجعة سلطة واضع الامتحان: تطبيق مبدأ الشفافية والمساءلة يجب تطبيق مبدأ الشفافية والخرج من الغرف المغلة إلى مساءلة من يقوم بوضع الامتحان. يتطلب ذلك نشر جدول مواصفات كل امتحان قبل شهر مع تحديد كم سؤال خاص بالمعرفة والحفظ، وكم سؤال يتعلق بالفهم، وكم سؤال يتعلق بالتطبيق. على أن يتم تشكيل مجلس مراجعة من معلمين خبراء مختصين للتحقيق مع المعلم الذي يضع امتحان تكون نسبة الرسوب في مادته فوق 50% ولها الحق في استبعاده من لجنة وضع الامتحانات في العام التالي أو حرمانه.

خاتمة: التربية ليست انتقاما إن من طبيعة الحـ.ـروب، أن يخسر الطالب بيته ومدرسته وربما أسرته. فلا يجب أن يخسر مستقبله لأن واضع الامتحان قرر أن يميز العباقرة في أسوأ الحالات والظروف التي يمر بها السودان. علما بأن الأوطان لا تُبنى بـهيبة الامتحان وصعوبته، وإنما بعدالة المعيار والقياس. والامتحان العادل في زمن الحـ.ـرب هو أشجع من الامتحان الصعب. لأنه يعترف بالواقع، ثم يبني عليه.

أخيرا إن إنقاذ جيل كامل وانتشاله من الإحباط والاكتئاب لهو أهم من إنقاذ سمعة امتحان يكون صعبا تاريخيا. والبدائل موجودة ومطبقة ومجربة. ما نحتاجه هو قرار شجاع يقول إن مهمتنا أن ننجّح الطلاب، لا أن نضع العراقيل التي تقودهم إلى السقوط والرسوب والفشل.

المستشار / محمد آدم الضي

معلم سابق بوازرة التربية التعليم 18 أبريل 2026

#السودان #الشهادة_السودانية #مستقبل_التعليم #الوحدة_الوطنية #التقرير_السياسي #الأمن_القومي_العربي #عدالة_التعليم #جيل_التحدي #السودان_يستحق #أمة_عربية_واحدة #الوعي_القومي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.