الخرطوم… بين هدنةِ المتحاربين واستراحةِ الخيانة

صحيفة الهدف

✍️ أحمد الليثي

حين يعود المسلحون إلى الخرطوم، لا تعود المدينة كما كانت…

تعود كجسدٍ جرّب الطعن، فصار يشكّ حتى في اليد التي تربّت على كتفه.

رجوع القائد قبة وقواته، ومعه بعض التشكيلات الأخرى، لا يمكن قراءته بوصفه حركةً عسكرية عادية، ولا حتى كخطوةٍ تكتيكية معزولة.

في سياقٍ كسياق السودان، كل تحركٍ عسكري هو نصٌّ سياسي مكتوب بالرصاص، وكل تموضعٍ رسالة لا تُقرأ بالكلمات… بل بالاحتمالات.

▪️السؤال الذي يفرض نفسه ليس: ماذا يحدث الآن؟

بل: ماذا يمكن أن يحدث غدًا؟

الخرطوم اليوم ليست ساحةً محايدة، بل ذاكرةٌ مفتوحة على الخيانة.

مدينة تعلّمت، خلال زمنٍ قصير، أن التحالفات قد تتحوّل إلى كمائن، وأن الاتفاقات قد تكون مجرد استراحة لإعادة ترتيب البنادق.

لذلك، حين تدخلها قوةٌ مسلحة، لا يُسأل فقط عن وجهتها…

بل عن نواياها، وعن سقف التزامها، وعن اللحظة التي قد ترى فيها أن مصلحتها قد تغيّرت.

في الحروب التقليدية، كانت الجبهات واضحة، وكان الخصم معروفًا.

أما في حروب السودان الحديثة، فالمشكلة ليست في تعدد الجبهات… بل في سيولة الولاءات.

القوة التي تقاتل معك اليوم، قد تعيد تعريف موقعها غدًا،

ليس بالضرورة لأنها خانت،

بل لأنها لم تكن أصلًا مرتبطة بك إلا بقدر ما يخدم ذلك مصلحتها.

وهنا تكمن الخطورة:

أننا لا نعيش صراعًا بين مشروعين واضحين،

بل بين مراكز قوة متحركة، تبحث عن أفضل تموضع ممكن داخل مشهدٍ مضطرب.

وفي قلب هذا المشهد المعقّد، لا يمكن تجاهل حضور التشكيلات المسلحة المتعددة، من قوات كيكل، إلى القوات المشتركة، إلى الكتائب ذات الطابع الأيديولوجي كالبراؤون وغيرها، فهي ليست مجرد أطرافٍ في الصراع، بل جزءٌ من معادلةٍ تُعيد تشكيله كل يوم.

هذه القوى، على اختلاف خلفياتها ودوافعها، لا تتحرك داخل إطارٍ موحّد، ولا تخضع لرؤيةٍ جامعة، بل تتقاطع أحيانًا، وتتباعد أحيانًا أخرى، وفق ما تفرضه اللحظة ومصالحها المتبدلة.

فبعضها يقاتل دفاعًا عن نفوذٍ أو منطقة، وبعضها يتحرك بمنطق التحالفات المؤقتة، وبعضها يحمل مشروعًا أيديولوجيًا لا يرى في التسويات السياسية حلًا كافيًا.

المعضلة ليست في وجود هذه القوى وحسب،

بل في غياب الإطار الذي يضبط حركتها.

فحين تتعدد البنادق، وتختلف الجهات التي توجهها،

لا يعود الاستقرار نتيجةً متوقعة،

بل يصبح مجرد احتمالٍ هشّ، قابلٍ للاهتزاز مع أول تغيّر في الحسابات.

في هذا السياق، يبرز سؤالٌ أكثر إلحاحًا:

ماذا تفعل هذه التحالفات بالجيش نفسه… قبل أن تفعل شيئًا بالسلام؟

فالجيش، حين يتحالف مع قوى غير نظامية، لا يوسّع فقط دائرة نفوذه،

بل يفتح في بنيته شقوقًا خفيّة:

تتداخل فيها الأوامر، وتضطرب فيها المرجعيات،

ويفقد فيها، شيئًا فشيئًا، احتكاره للسلاح…

وهو الاحتكار الذي تقوم عليه فكرة الدولة أصلًا.

وحين لا يكون السلاح في يدٍ واحدة،

لا يكون القرار كذلك.

قد تُبرَّر هذه التحالفات بمنطق الحرب:

تأمين مواقع، كسب معارك، وتحسين شروط التفاوض…

لكنها، في العمق، قد تفعل شيئًا آخر:

تُثبّت موازين القوة القائمة،

وتؤجّل السؤال الأصعب: كيف تُبنى دولة بلا مليشيات؟

وهنا تتكشّف المفارقة المؤلمة بين ما كان يردده السودانيون، في ديسمبر:

“الجيش للثكنات… والجنجويد يتحل”

حلمًا بدولةٍ تحتكر السلاح،

ويخرج فيها العسكر من السياسة،

وتُطوى صفحة المليشيات إلى الأبد.

لكن ما يحدث اليوم،

أن البنادق لم تُسحب من المشهد…

بل أعادت ترتيب نفسها.

لم تختفِ المليشيات…

بل تناسلت، وتغيّرت مواقعها وأسماؤها، وتبدّلت تحالفاتها.

وأصبح السؤال لا: كيف ننهيها؟

بل: مع من تتحالف هذه المرة؟

في هذا السياق، تصبح الخرطوم أكثر من مجرد ساحة…

إنها الجائزة الكبرى.

من يسيطر عليها، لا يملك الأرض فقط،

بل يملك رمزية الدولة، وورقة التفاوض، وصورة النصر… حتى لو كان مؤقتًا.

ولذلك، فإن دخول أي قوة إليها ليس نهاية مرحلة…

بل بداية لعبة أكثر تعقيدًا.

▪️هل يمكن أن يحدث غدر؟

نعم… وببساطة.

ليس لأن الجميع سيئو النية،

بل لأن قواعد اللعبة نفسها لا تحمي أحدًا.

في ظل غياب:

• اتفاق سياسي شامل

• قيادة موحدة ذات شرعية حقيقية

• ضمانات دولية فاعلة

تصبح كل قوة مسؤولة عن تأمين نفسها… حتى لو كان ذلك على حساب الآخرين.

وهنا، يتحوّل الحذر إلى سلوكٍ طبيعي،

ويصبح الاستباق أحيانًا أقرب إلى الغدر منه إلى الدفاع.

▪️هل الغدر حتمي؟

ليس تمامًا.

هناك معطيات أخرى تتشكّل في الخلفية وتؤثر في المشهد:

• إرهاق عسكري ممتد

• حروب طويلة

• موارد مستنزفة

• مجتمع منهك

كل ذلك يفرض على الأطراف حساباتٍ جديدة،

قد تجعل تكلفة الخيانة أعلى من مكاسبها.

غير أن هذا المنطق لا ينتصر دائمًا.

ففي لحظات كثيرة من التاريخ،

لم تكن القرارات الكبرى تُتخذ بعقلانية…

بل بالخوف، أو الطمع، أو سوء التقدير.

لذلك، تعيش الخرطوم اليوم في منطقة رمادية:

ليست حربًا كاملة…

وليست سلامًا حقيقيًا.

هي أقرب إلى هدنةٍ مشروطة بالصمت،

صمتٍ يعرف الجميع أنه قد يُكسر…

ليس إذا ساءت الأمور،

بل إذا تغيّرت الحسابات والمصالح.

في تقديري…

ليست المشكلة في كثرة البنادق،

بل في ضبابية الهدف الذي يوجّهها.

فالخرطوم لا تخاف الحرب بقدر ما تخاف تكرارها،

ولا ترتعب من الخصم بقدر ما ترتاب في الحليف.

وما لم تستقر الإرادة قبل المواقع،

وتُبنى الثقة قبل التحالفات،

ستظل هذه المدينة تؤجّل انفجارها…

لا تتجاوزه.

أما السلام،

فليس وعدًا يُصدّق بسهولة،

بل احتمالٌ حذر، يمشي على أطراف الخيبة.

وفي مدينةٍ تعلّمت أن الرصاص قد يأتي من حيث لا يُتوقّع،

لم يعد السؤال: من يسيطر؟

بل:

من يمرّ بها… ولا يطلق النار؟

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.