من الاغتراب إلى الوعي التحرّري.. الفيتوري وإعادة تعريف المنفى

صحيفة الهدف

طارق عبد اللطيف أبو عكرمة

ليس المنفى في تجربة محمد مفتاح الفيتوري حادثةً جغرافية، بل قدرٌ وجودي. فالشاعر الذي تنقّل بين السودان ومصر وليبيا والمغرب، يمكن قراءة تنقّله بين أكثر من بلد، لا بوصفه بحثًا عن إقامة مستقرة، بل كمسارٍ وجودي نحو وطنٍ رمزي يليق بالقصيدة، ووطنٍ يليق بأن يُكتب. ومن هنا، فإن قراءة الفيتوري كشاعر منفى لا تعني رصده في خرائط الغياب، بل فهمه بوصفه صوتًا تحرّريًا تشكّل خارج الحدود، ليخاطب ما هو أبعد منها.
أولًا: المنفى كشرطٍ للوعي، لا كحالة اغتراب
في الوعي التقليدي، يُقرأ المنفى بوصفه فقدًا: فقد المكان، وفقد الاستقرار، وفقد الانتماء. لكن الفيتوري يقلب هذه المعادلة؛ فالمنفى ليس غياب الوطن، بل كشف حقيقته. فهو لا يكتب عن وطنٍ ضائع، بل عن وطنٍ لم يكتمل بعد. ومن هنا، يتحوّل المنفى إلى مساحةٍ للرؤية، لا مساحةً للحنين، وإلى موقعٍ للنقد، لا موقعًا للبكاء. وهذا ما يجعل شعره متحرّرا من المحلية الضيقة، ومنفتحًا على أفقٍ قومي وإنساني.
ثانيًا: الكلمة كفعل تحرّر
لم يكن الفيتوري شاعرًا يصف الثورات، بل كان جزءًا من بنيتها الرمزية. فقصيدته لم تكن انعكاسًا للحركات التحرّرية في إفريقيا والوطن العربي، بل كانت صوتها الداخلي. في دواوينه الأولى، تتجلّى إفريقيا لا كجغرافيا، بل كذاكرةٍ مثقلة بالعبودية، وكهويةٍ تبحث عن استعادتها. ومن هنا، تصبح القصيدة احتجاجًا، واستعادةً، وإعلانًا للكرامة. إنه لا يكتب عن التحرّر، بل يكتب من داخله. ويتجلى ذلك بوضوح في ديوانه (أغاني إفريقيا)، حيث تتحول القارة من جغرافيا مستعمَرة إلى ذاتٍ تتكلم، وتستعيد إنسانيتها عبر اللغة.
ثالثًا: من إفريقيا إلى الأمة (توسيع أفق القضية)
ما يميز تجربة الفيتوري أنه لم يبقَ أسير سؤال اللون، رغم انطلاقه منه، بل نقل هذا السؤال من الزنوجية كهوية إلى الإنسان كقضية تحرّر. وهنا يحدث التحول القومي: من إفريقيا المستعمَرة إلى الأمة العربية المجزأة. فيصبح الاستعمار ليس فقط احتلال الأرض، بل احتلال الوعي، ويصبح التحرّر ليس فقط استقلال الدولة، بل استعادة الإنسان. وإذا كان هذا التحول قد وسّع أفق القضية، فإنه يطرح سؤالًا أعمق حول موقع الشاعر داخل البنية الفكرية والسياسية للأمة.
رابعًا: البنية الثقافية للفيتوري (تعددية المصدر ووحدة الرؤية)
لا يمكن فهم هذا التحول دون التوقف عند بنيته الثقافية المركبة؛ فقد تشكّل وعيه في تقاطع ثلاث دوائر كبرى: الدائرة الإفريقية بوصفها ذاكرةً تاريخية للاضطهاد والمقاومة، والدائرة العربية بوصفها فضاءً لغويًا وحضاريًا، والدائرة الصوفية بوصفها أفقًا روحيًا يعيد تعريف الإنسان خارج حدود المادة والسلطة. هذا التعدد لم يُنتج وعيًا ممزقًا، بل وعيًا قادرًا على التركيب، حيث تتحول الهوية من انتماءٍ مغلق إلى مشروعٍ مفتوح.
خامسًا: الفيتوري والمشروع التحرّري (من القصيدة إلى الوعي الجمعي)
يمكن قراءة تجربته ضمن الأفق الأوسع للمشاريع التحرّرية التي سعت إلى إعادة بناء الإنسان في الوطن العربي وإفريقيا. فقصيدته لا تعمل فقط على مستوى التعبير، بل على مستوى إعادة تشكيل الوعي، من خلال تفكيك بنى الهيمنة، وكشف آثار الاستعمار في اللغة والذاكرة والهوية. وهنا لا يكون الشاعر بديلًا عن الفاعل السياسي، بل مكمّلًا له في مستوى أعمق، وهو مستوى الوعي.
سادسًا: الشاعر في مواجهة السلطة
لم تكن علاقة الفيتوري بالسلطة علاقة استقرار كامل، بل تراوحت بين الاحتواء أحيانًا والتوتر أحيانًا أخرى، وهو ما يعكس طبيعة الشاعر الذي يصعب اختزاله في خطابٍ رسمي واحد. لقد وقف في منطقةٍ صعبة: لا هو شاعر بلا موقف، ولا هو بوقٌ سياسي، وهنا تكمن خطورته؛ الشاعر الذي لا يمكن احتواؤه، لا يمكن إسكاته.
سابعًا: الفيتوري كقلم قومي
في هذا الأفق، تتقاطع تجربته مع جوهر الفكر القومي؛ حيث تصبح الكلمة فعلًا تحرّريًا، لا مجرد تعبير جمالي. فالفيتوري، وإن لم يكن منظّرًا حزبيًا، جسّد في نصوصه روح المثقف القومي الذي يرفض التجزئة، ويقاوم الهيمنة، ويؤمن بوحدة المصير الإنساني.
ثامنًا: المنفى كأفق كوني
في المراحل المتأخرة من تجربته، يتحول الفيتوري من شاعر ثورة إلى شاعر تأمل. لكن هذا التحول ليس تراجعًا، بل تعميقًا: من الصراع الخارجي إلى الداخلي، ومن تحرير الأرض إلى تحرير الذات. وهنا يلتقي الصوفي بالثوري، ويصبح المنفى رحلةً نحو الداخل، لا هروبًا من الخارج.
تاسعًا: القيمة الفلسفية للتجربة
يمكن اختزال تجربة الفيتوري في فكرةٍ عميقة: الكلمة ليست وصفًا للعالم، بل محاولة لتغييره.
الخلاصة: إن محمد مفتاح الفيتوري لا يُقرأ كشاعر منفى، بل كشاعر تجاوز المنفى، وتجاوز الهوية الضيقة، وكتب الإنسان في لحظة بحثه عن حريته. إنه لا يكتب التاريخ، بل يكتب ما ينبغي أن يكون عليه التاريخ. ولذلك، فإن حضوره لا يُقاس بزمنه، بل بقدرته على الاستمرار في طرح السؤال ذاته: كيف يكون الإنسان حرًّا في عالمٍ لم يُبنَ بعد على الحرية؟

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.