أبو بكر الجنيد يونس
لا يختلف اثنان ولا يمارِي مُمارٍ مهما اختلف ذوقُه في عظمة محمد مفتاح رجب الفيتوريّ. فقد نقش اسمه العظيم في سجلّ المتفرّدين وإنّه لفخرٌ للسّودانيّين أجمعين أن ينضمّ الفيتوريّ إلى نخبة العظماء منهم، سيّما أنّه أثرى السّودان بشعورِهِ وشعرِه، على أنّ تمكُّن الشّاعر من مجامع اللغة الشّعريّة وتصرّفَهُ فيها جاذبٌ ولافت رغم انتهاجِهِ فيها منهج المُتَبسّط لا المُتَعمّق فهو على امتداد قضيّتَي شعرِهِ الكبرييْن “ثورةً وفكرة” يصطحبُ أبنيةً وصيغًا تكادُ تسمه بسمة (شاعر الآنَ والغدِ) فالقارئ المُدقّق والدّارس الحصيف يلحظان أوّل ما يلحظان في قصائد الفيتوريّ خاصّةً المعزوفة وياقوت العرش على مستوى قضيّة التصوّف وأصبح الصّبح على مستوى قضيّة الثّورة والزّنوجة والوطن عدّة سماتٍ تحيل المُتَأمّل إلى إدراك رغبة الشّاعر الخفيّة في تجاوز الماضي ومن ثمّ في الخلود والاستمرار والبقاء.
يا أخي في الشّرقِ في كلِّ سكن
يا أخي في الأرضِ في كلِّ وطن
أنا أدعوك فهل تعرفني؟
يا أخًا أعرفُهُ رغم المحن
إنّني مزّقتُ أكفان الدّجى
إنّني هدّمتُ جدران الوهن
لم أعد مقبرةً تحكي البِلى
لم أعد ساقيةً تبكي الدّمن
لم أعد عبدَ قيودي
لم أعد عبدَ ماضٍ هرِمٍ
عبدَ وثنْ
أنا حيٌّ خالدٌ رغم الرّدى
أنا حرٌّ رغم قضبانِ الزّمن
ملامح الزّمن في البنية النّحويّة عند الفيتوريّ:
1/ المضارع:
يزخر المضارع بثروات زمنيّة مهولة في دلالتِه على الآن والاستمراروالمستقبل وهو ما تجلّى مكثّفًا في المعزوفة:
ويْحي
وأنا أتلعثم نحوك يا مولايَ
أُجسّدُ أحزاني
أتجرّدُ فيك
أتمرّغُ في شجني
أتوهّجُ في بدني
غيري أعمى مهما أصغى لن يُبصرَني
ولا يخفى ما لـ”لن” من اختصاص بالمستقبل في النّفي وهو ما يتجلّى بكثافة في (ياقوت العرش):
لن تُبصرَنا بمآقٍ غير مآقينا
لن تعرفَنا ما لم ندعوك لتعرفَنا وتُكاشفَنا
2/ الأمر:
وهو الفعل المستقبليّ الخالص:
صدّقني يا ياقوت العرش فكن الأدنى منّا تكن الأعلى فينا
قلها لا تجبن قلها في وجه البشريّة
3/ تواتر الجملة الاسميّة:
والفيتوريّ مغرم أيّما غرام بالجملة الاسميّة والّتي من خصائصها الدّلالة على الاستمرار والثّبوت وغالبًا ما تمتزجُ لديهِ بالمضارع تأكيدًا لثنائيّة الآن والمستقبل:
دنيا لا يملكها من يملكها
أغنى أهليها .. سادتُها الفقراء
الخاسرُ من لم يأخذ منها ما تُعطيهِ على استحياء
والغافلُ من ظنّ الأشياءَ هيَ الأشياء
تاجُ السّلطانِ الغاشمِ تفّاحة تتأرجحُ أعلى ساريةِ السّاحة
“ولننظر بتأمّل إيحاء الصّورة أعلاه ومصير الطّغاة”
تاجُ الصّوفيّ يُضيءُ على سجّادة قشْ
الموتى ليسوا هاتيك الموتى
والرّاحةُ ليست هاتيك الرّاحة
وحتّى عندما يستعين الشّاعر بالفعل الماضي ليُثبتَ حدثًا أو ليُثَبّتَ موقفًا فإنّه لا يلبثُ أن يؤسّسَ للنّصّ بما يؤكّد فيه استمرار الآن واستشراف المستقبل، فها هو في (أصبح الصّبح) والّتي بُنيت على حدث ماضٍ هو أصبح الصّبح، وليس خافيًا ما في أصبح الماضي من دلالةٍ على التّغيير والتحوّل، يُكثّف الجمل الاسميّة مازجًا لها بالمضارع في جمل اسميّة أخبارُها جمل فعليّة أفعالها مضارعة:
أصبح الصّبحُ
فلا السّجنُ ولا السّجّانُ باقٍ
وإذا الفجرُ جناحانِ يرفّانِ عليك
وإذا الحزنُ الّذي كحّل هاتيك المآقي
والّذي شدّ وثاقًا لوثاقِ
والّذي بعثرنا في كلِّ وادي
فرحةٌ نابعةٌ من كلّ قلبٍ يا بلادي
وفي إذا الفجائيّة وتكرارها الإيقاعيّ تأكيدٌ على التّجدّد أيضًا
لاحظ أيضًا:
أصبح الصّبحُ وها نحنُ على النّورِ التقينااااا
التقى جيلُ البطولاتِ بجيلِ التّضحيات
التقى كلّ شهيدٍ قهر الظّلمَ ومات بشهيدٍ لم يزل يبذرُ في الأرضِ بذورَ الذّكريات
لاحظ لم يزل
ولاحظ أبدًا ودلالتها الفاخرة على المُطلق:
أبدًا ما هنت يا سوداننا يومًا علينا
لاحظ يومًا ودلالتها على الاستمرار والدّيمومة
ثمّ:
لو لحظةٌ من وسنِ
تغسلُ عنّي حزَني
تحملني تُرجعني
إلى عيونِ وطني يا وطني
4/ المشتقّات العاملة:
يشترط النّحويّون في إعمال اسم الفاعل واسم المفعول وصيغ المبالغة أن تدلّ على الحال أو الاستقبال ويميّزون الصّفة المشَبّهة باسم الفاعل بدلالتها على ثبوت الوصف للموصوف وثبوت الفعل للفاعل:
كالدّرويشِ المُتَعلّق في قدمي مولاه أنا
غيري أعمى
جزرٌ غرقى
وحريقٌ في الزّمن الضّائع
قنديلٌ زيتيّ مبهوت
يدك الممدودةُ أم يديَ الممدودة
والخاسرُ من
والغافلُ من
تاجُ السّلطانِ الغاشم
أجملُ من
فراشةٍ مُجنّحة
على ضفافِ المُقرنِ الجميل
أجملُ من نوّارةٍ مُفتّحة
ترقد تحت ذهب الأصيل
أجمل من رااااائحةِ النّضال لم أشمّ رااااائحة
في صبحِكَ الجليل
5/ الجمل الإنشائيّة الطّلبيّة:
يُعرّفُ الإنشاء بلاغةً بأنّهُ ما لا يحتملُ الحكم عليهِ بالصّواب أو الخطأ، فلا يصحّ أن يقال لقائلِهِ إنّهُ صادق أو كاذب، ويعرّفُ الطّلب بأنّهُ حصولُ شيءٍ لم يكن حاصلًا وقت الطّلب فإذا قرئ تعريف الطّلب هذا مقرونًا بالزّمن نجدُهُ مُتعلّقًا بالمستقبل. وقد كثر الإنشاء الطّلبي بصورِهِ المُتعدّدة لدى الفيتوريّ فبالإضافة للأمر الّذي أفردنا لهُ حيّزًا وحدَهُ تأتي:
صيغُ النّهي: لا تجبن / لا تعجب
والنّداء: يا ياقوت / يا محبوبي
والاستفهام: عن أيّ بحار العالم تسألني / يدك الممدودة أم يديَ الممدودة؟
والتّمنّي: لو لحظةٌ من وسن
دلائل قويّة على ولع الفيتوريّ بتأكيد الآن والمستقبل ممّا يثبتُ أنّهُ شاعرُ الآنَ والغدِ وكلّ الحياة.

Leave a Reply