د.الشيخ فرح
كتب قصائد يمكن رسمها في لوحة أو بالأحرى كتب لوحاتًا بالكلمات.
لا يمكنك أن تتجاوز معنى الأبيات من دون أن ترى كل بيت منها ماثلًا أمامك كلوحةٍ زاهية الألوان رسمها الفنان وترك لك حريّة التخيل فتبحر شرقًا وغربًا فيجمح الخيال إلى فضاءات بعيدة، ولكنه جموحٌ له سقف وحدود فلا تضيع في لا منتهى ولا تضل إلى حيث ينتهي المعنى. لوحات جميلة كُتبت بأحرفٍ رصينةٍ ومعبرةٍ خرجت بأشكالٍ وألوانٍ عدة رسمتها ريشته الحاذقة فحوّلت الخيال إلى صورة مُبصرة.
هل تعلم أن الأبيات الشعرية التالية بكل نضوجها الفكري كتبها الفيتوري في بداياته؟
أي ملكة طوّعها هذا المبدع؟ وأي روح كانت تدفعه إلى هذا العمق؟
“أيها السائق .. رفقًا بالخيول المتعبة
قف.. فقد أدمى حديد السرج لحم الرقبة
قف.. فإن الدرب في ناظرة الخيل اشتبه
هكذا كان يغنّي الموت حول العربة
وهي تهوي تحت أمطار الدجى مضطربة
غير أن السائق الأسود ، ذا الوجه النحيل
جذب المعطف في يأس على الوجه العليل
ورمى الدرب بما يشبه أنوار الأفول
ثم غنّى سوطه الباكي على ظهر الخيول ..
فتلّوت ، وتهاوت ، ثم سارت في ذهول”!!
شعرٌ فائق الوزن ولطيف الجرس يطلُ برأسه ويعلن عن نفسه ولا يحتاج إلى تبيان، ولكن أهذا كل شيء؟
للغة العربية سحرها وبلاغتها في الوصف والمجاز والاستعارة، ولكننا أمام صورة أكبر وأجمل من أن نُجري عليها قوالب البلاغة والاستعارة والمجاز، نحن أمام لوحة متكاملة الأبعاد ودقيقة الوصف بأقل عددٍ من الكلمات، ويمكنك سماع وقع حبّات المطر وأرجل الخيول، وتنظر بين السطور فتحس تعبها وترى الدم يسيل من تحت حديد السرج، كما يمكنك أن تشم رائحة سائقها وهو بعيون نصف مغمضة قبل أن يسقط سوطه القاسي على الظهور المتعبة.
لوحة أخرى تجلت في قصيدته عن نيلسون مانديلا:
“يا أبنوس الخريف الجنوبي
تطلع حقل نجوم على حائط الموت
تصبح أوسمة من بروق
وعاصفة من غناء
وغابًا عظيمًا
من الرقص
أيها البطل الشيخ
مغتسلًا بمياه الثمانين
مختبئًا في تجلّيك
متكئًا فوق مجد الثمانين”
ألا تستطيع أن تنحت في مخيلتك صورة مجسّمة لنيلسون مانديلا كحقلٍ من النجوم وتستعير البروق والغناء والرقص، وتجده متكئًا فوق مجده الثمانيني، وأظنك مهما حاولت تحويل الخيال إلى حقيقة أو مقاربًا لها فلن تستطيع، لأن الصعوبة تكمن في أن تضع خياله الواسع في محتوى أو قالبٍ محدّد، تمامًا كمن يريد أن يستوعب الشلال في جدول أو أن يحصر البرق في قنديل.
أما في قصيدة: (مات غدًا) فبدأ القصيدة بالموت لكن ربط حدوثه ليس بالأمس ولا اليوم فقد مات غدًا وكأنه يريد أن يموت معه المستقبل..
مات .. لكنه موتٌ لم يحفل به أحدٌ فلم تبكِ عليه الأرض أو تجُد السماء بدمع المطر.
مات ..
“فلم تحزن عليه قطرة من المطر
ولا تجهمت أوجه حفنةٍ من البشر
وأطل ذات ليل فوق قبره القمر
ولا تلوّت دودة كسلى ..
ولا انشق حجر
مات غدًا ..
متسخ الجثة ..
منسيّ الكفن
كحلم..”
كان جميلًا وشابًا يافعًا يدخل القلوب كأنه يمشي على عواطفها يا رب.. كيف استحدث هذا العبقري وصفًا فوق الدقّة وأبعد من الخيال، يمتزجُ فيه عنوة الدخول وحتمية التحطم..
“يا ابني ..
ترى أين يمضي الجند بوجهك الحبيب شابًا يافعًا
فحرموني شمّة الثوب.. ونشقة الطيوب
الله.. ما أجمله ابني.. في شبابه القشيب
كأنما يمشي على كل عواطف القلوب”..
لكنهم أخذوه منها وحال بينها وبين حميمية التواصل معه سجن كبير فلم تجده ولم تشم ثوبه كأي أم.
“إبني ؟
وأوصد السجان باب سجنه الكبير
وزحفت سلسلة راح يجرّها الخفير
وانهار كرباج يلف الليل بالنحيب”
ثم يأخذك إلى عمق المأساة وجوهر القضية فما لذنبٍ صُفّدوه، فإطراق الناس حين سؤالهم عن جرمه دليل براءته ولكن ضعفهم وخوفهم منعهم من الكلام.
ولوصفِ جرح أسرته بأعمق مما نعرف طاف بأمّه ثم بأبنائه ثم أبيه، فالقضية ليست قضية فرد مجهول بل قضية أسرة. فإن كان منسيًا من مجتمع غير مكترثٍ أو خائفٍ فهناك من يفتقده ويحس بغيابه ثم يخاف من هذا الغياب خشية أن يوسم بالفقر واليتم.
“وأنت يا أبي
ألن تعود لي قبل الشتاء؟
إنّا جميعًا لم نزل نبكي ..
نضجّ في البكاء .
أنا، وإخوتي وأمي
في الصباح والمساء
فعد لنا
كي لا يسمّونا يتامى فقراء
كم مرّة سألت كل الناس في حزن شديد
أبي بريء
فلماذا صفدوه في الحديد؟
فأطرقوا”..
ثم تتوالى القضية فتهزّك ضربات العسكر الثقيلة على أبواب المنزل ليلًا ودون استئذان، ودائمًا يأتون ليلًا كأنهم يخافون ضوء النهار، لكن هذه المرة دخلوا لا ليأخذوا أحدًا آخر إنما ليرموا جثّة من أخذوه.
تبدأ الأم في استيعاب ما يحدث واجترار ذكرى من صار جثّةً أمامها. نعم أخذوه منها ثم أرجعوه بعدما سلبوا روحه. لكنهم أيضًا قتلوا معه الذكريات في مخيلة أمّه، انظروا كيف رسّخ هذا الرائع وصف ما جرى بتفرّدٍ أصبح فيه الموت سلبًا للروح وقتلًا للذكريات في مخيلة من يحبّك.
“وذات ليل طرقوا الباب ومروا داخلين
من أنتم؟
ماذا تريدون؟
ماذا تحملون؟
أما كفاكم أنهم وراء قضبان السجون
لكنهم ألقوا إلى قرب الجدار جثّته
وحدّقتْ فيّ وجوه الذكريات الميّتة
وجفّفت مدامعي دموع الآخرين”..
ثم أتراه يتوقف عند ذلك العمق؟
لا.. لا.. يسوقك إلى حيث ترى في الظلمة وتحسُ بوحشتها، تشعرُ برطوبة السجن وتلمس بيديك حبل المشنقة حين تتدلى شخوصه منها.
“وذات يوم مظلم رطب ..
كسردابٍ طويل ..
صحا يهزّ راحتيه في تشنّجٍ ذليل
وكانت الأيدي التي تحكي مناجل الحقول
تمتدّ في عينيه سوداء كأشجار النخيل
فانهار فوق الأرض ..
في حشرجة ممزّقة
ثم تدلى من جدار الأفق حبل مشنقة
وجثة باردة تسقط في الوحول”
ألم تحس برطوبة السجن في تلك الحروف الناطقة؟ لقد قفز قفزًا فوق الوصف فرسم بالحروف لوحةً واضحةَ المعالم.
ترا ماذا تدلى من حبل المشنقة هو؟ أم نحن؟ أم المستقبل؟

Leave a Reply