محمد مفتاح الفيتوري: شاعر إفريقيا والعروبة.. صرخة لا تزال في الذاكرة

صحيفة الهدف

د.محمد عبد الله

في ذكرى رحيل الشاعر السوداني محمد مفتاح الفيتوري (1936- 2015)، يعود إلينا صوت لا يُستعاد بوصفه مجرّد تجربة شعرية، بل بوصفه موقفًا كاملًا من العالم. لم يكن الفيتوري شاعرًا يكتب القصيدة فحسب، بل كان يكتب ذاته، ويحوّل تجربته الشخصية، بما فيها من ألمٍ وتمزّق، إلى سؤال إنساني مفتوح.
وُلد الفيتوري في إقليم دارفور لأب ليبي وأم مصرية، ونشأ في الإسكندرية، حيث حفظ القرآن وتشرّب مبكرًا روح اللغة العربية وإيقاعها. في هذه التكوينات المتداخلة، تبلورت شخصية شاعر ينتمي إلى أكثر من جغرافيا، دون أن يتخلى عن أيٍ منها. كانت هويته المركّبة مصدر قلقه وثرائه في آنٍ معًا.
منذ بداياته، انشغل الفيتوري بما عُرف لاحقًا بثيمة “الزنوجة”، لكنه لم يتعامل معها كشعار عابر أو خطاب احتجاجي مباشر، بل بوصفها تجربة وجودية. في ديوانه الأول (أغاني إفريقيا) (1955)، ارتفع صوته عاليًا ضد التهميش، معلنًا انحيازه لإنسانيته قبل أي شيء آخر. لم يكن السواد في شعره لونًا بيولوجيًا، بل ذاكرةً مثقلة بتاريخٍ من الاستلاب، وسعيًا دائمًا نحو التحرّر. وقد ظل هذا الصوت، على امتداد تجربته، أحد أبرز الإسهامات التي أضافها إلى الشعر العربي الحديث، حين نقل مركز الاهتمام من الهامش إلى المتن.
لم تكن حياة الفيتوري أقل اضطرابًا من قصيدته. فقد عرف المنفى قسرًا، بعد أن سُحبت منه الجنسية السودانية في سبعينيات القرن الماضي، ليجد نفسه متنقلًا بين عواصم عربية عدة. غير أن هذا التشتت الجغرافي لم يُضعف صوته، بل منحه أفقًا أوسع، جعله شاهدًا على تحوّلات العالم العربي وإخفاقاته. كتب عن ليبيا وثورة عمر المختار، وعن فلسطين، وعن السودان الذي ظل جرحه الأكثر قربًا. وفي قصيدته (عرس السودان)، التي غنّاها محمد وردي، يتجلى ذلك المزج بين الحلم الجماعي والنبرة الغنائية التي ميّزت كثيرًا من أعماله.
ومع تقدّم تجربته، أخذ صوته منحى أكثر هدوءًا وتأملًا. لم يتخل عن قضاياه، لكنه أعاد صياغتها من الداخل. في دواوينه اللاحقة، مثل (معزوفة لدرويش متجوّل)، تتراجع نبرة المواجهة المباشرة لصالح لغة أقرب إلى التصوّف، حيث يتحوّل الشاعر من الاحتجاج إلى التأمّل، ومن الخارج إلى الداخل. هناك، يصبح البحث عن الحريّة بحثًا عن معنى، وتغدو الرحلة أكثر ذاتية، دون أن تفقد بعدها الإنساني.
ورغم المنافي، ظل الفيتوري حاضرًا في المشهد الثقافي العربي. تنقّل بين بغداد وبيروت وطرابلس والرباط، وكان في كل محطة يترك أثرًا، ويأخذ شيئًا. هذه الحيوية في التنقّل، وهذا الاحتكاك المستمر ببيئات ثقافية مختلفة، أسهما في صقل تجربته، ومنحاها مرونة وعمقًا يصعب اختزالهما في تصنيف واحد.
في النهاية، لا يبدو الفيتوري مجرد شاعر يُستعاد في ذكرى رحيله، بل تجربة لا تزال مفتوحة على القراءة. لقد كتب عن إفريقيا بوصفها ذاكرة، وعن العروبة بوصفها انتماءً، وعن الإنسان بوصفه سؤالًا. وربما لهذا السبب، لا يزال صوته، حتى اليوم، قادرًا على أن يُسمع.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.