د.أشرف مبارك
حين كنتُ صغيراُ، لم أفهم كيف يمكن لواحدٍ أن ينتمي إلى أكثر من بلد. قرأتُ اسم محمد مفتاح الفيتوري بين الشعراء المصريين، ثم وجدته ليبيًا في موضعٍ آخر، بينما كنت أعلم يقينًا أنه سوداني. آنذاك بدا الأمر كأنه خطأ في التصنيف، لكن مع الزمن اكتشفت أن هذا الارتباك لم يكن إلا المدخل الحقيقي لفهم تجربة الفيتوري نفسها.
فالفيتوري لم يكن شاعرًا ينتمي إلى جغرافيا محدّدة، بل شاعرًا ينتمي إلى حالةٍ تتجاوز الحدود، وتتفلت من الخرائط، وتعيد تعريف الانتماء بوصفه تجربة داخلية لا وثيقة رسمية. وُلد في السودان، وتكوّن في مصر، واحتضنته ليبيا، واستقر في المغرب. حمل أكثر من جنسية، لكن تلك التنقلات لم تكن تحوّلاتٍ إدارية بقدر ما كانت انعكاسًا لقلقٍ وجودي عميق وسؤال الهوية الذي لا يهدأ، والانتماء الذي لا يكتمل.
في بداياته، انحاز الفيتوري إلى إفريقيا، لا بوصفها قارة فحسب، بل جرحًا مفتوحًا في جسد العالم. كتب للإنسان الأسود، للكرامة المسحوقة، وللذاكرة التي حُملت عبر العبودية والقهر.
“أنا زنجي
قلها لا تجبن
قلها في وجه البشرية
انا زنجي
وابي زنجي الجد
وامي زنجية
انا اسود
اسود لكني حر امتلك الحريّة
ارضي إفريقية
عاشت ارضي
عاشت إفريقيا”
وفي بعض قصائد ديوانه (أغاني إفريقيا) في 1955، نلمح كيف تحوّل السواد إلى رمز للنهضة لا للانهزام، إلى وعدٍ بالتحرّر الإنساني من القهر.
“جبهة العبد ونعل السـيد
وأنين الأسود المضطهد
تلك مأساة قرون غبرت
لم أعد أقبلها لم أعد”
“يا أخي في الشرق، في كل سكنْ
يا أخي في الأرض، في كل وطنْ
أنا أدعوكَ .. فهل تعرفني؟
يا أخًا أعرفه .. رغم المحنْ
إنني مزّقتُ أكفانَ الدجى
إنني هدّمتُ جدران الوهنْ
لم أعد مقبرةً تحكي البلى
لم أعد ساقيةً تبكي الدمنْ
لم أعد عبدَ قيودي
لم أعد عبدَ ماضٍ هرمٍ
عبدَ وثنْ”
ومن هذا الجرح الإفريقي انطلقت رؤيته الأوسع، حين انخرط في القضايا العربية ضمن دواوين مثل (أحزان إفريقيا) و(معزوفة درويش متجوّل) و(سقوط دبشليم)، فصار صوته يتردّد داخل فضاءات العروبة، دون أن يفقد جذره الأول أو روحه المشبّعة بالتمرّد.
الفيتوري كان منتميًا بعمق، لكنه لم يكن منتميًا نهائيًا. حمل كل هذه الهويات، لكنها لم تستطع أن تحمله تمامًا. لذلك يمكن وصفه بـ “المنتمي اللا منتمي”. ليس بمعنى التشتّت، بل بوصفه وعيًا أعلى بالذات، وعيًا يدرك أن الهوية ليست قالبًا جاهزًا بل تجربة متحوّلة، وأن الانتماء ليس استقرارا بل سعيًا دائمًا نحو اكتمال لا يتحقّق.
عاش الفيتوري المنفى لا كمكانٍ بعيد، بل كحالةٍ داخلية. المنفى عنده لم يكن خروجا من وطنٍ جغرافي، بل شعورًا دائمًا بعدم الاكتمال حتى في قلب الوطن نفسه، يتبدّى هذا المنفى كصوتٍ يجاهد لالتقاط ملامح ذاته المؤقتة، كأنه يحاول أن يكتب جواز سفرٍ روحيّ في وجه العالم. ومن هذا الشعور بالعزلة المضيئة، تولّد الشعر لديه كبديلٍ عن الجغرافيا: مساحةٍ يبني فيها ذاته بحريّة لا تمنحها أرض، ولا تحدّها هوية واحدة.
في عالم الفيتوري الشعري، يمكن أن تتجاور إفريقيا والعروبة والإنسانية دون صراع، يمتزج الحنين بالتحرّر، والمحبّة بالنزعة الوجودية، ويصبح الشعر جسرًا بين الإنسان وأرضه الضائعة. هناك، في القصيدة، تتحوّل الذات إلى فضاءٍ يسكنه العالم كلّه، لا وطن بعينه. لذلك بدا الفيتوري في أعين القرّاء كأنه أمّة وحده، لا لأنه جمع جنسياتٍ عدّة، بل لأنه عبّر عن تجربة الإنسان الذي يتجاوز الحدود بحثًا عن ذاته.
ربما لم يكن السؤال الحقيقي في حياة الفيتوري: “إلى أي بلدٍ أنتمي؟”
بل كان: “كيف أكون نفسي في عالمٍ يطلب مني أن أكون شيئًا واحدًا فقط؟”
في هذا السؤال تتجلّى مأساة الفيتوري وجماله على السواء. كان يقف دائما على الحافة بين إفريقيا والعروبة، بين الوطن والمنفى، بين الانتماء واللا انتماء. ومن تلك الحافة كتب صوته، صوتًا لا يمكن احتواؤه في خريطة، ولا اختزاله في هوية، بل هو صوت “المنتمي اللا منتمي” ذلك الذي كلما اقترب من وطن، اكتشف أن الوطن الحقيقي كان يسكنه هو، لا العكس

Leave a Reply