ليس الاقتصاد في لحظات الأزمات الكبرى مجرد أرقامٍ تتدهور، أو مؤشراتٍ تختل، بل هو تعبير مكثّف عن طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، بين السلطة والإنتاج، بين الحرب والحياة. وفي الحالة السودانية الراهنة، لم يعد الانهيار الاقتصادي ظاهرة طارئة يمكن ردّها إلى سوء إدارة عابر، بل أصبح بنية قائمة بذاتها، تتغذى من الحرب، وتعيد إنتاجها في دورة مغلقة من التدمير.
لقد كان القطاع الزراعي، عبر تاريخ السودان، ليس مجرد نشاط إنتاجي، بل كان حاملاً لهوية المجتمع، وركيزةً لتماسكه، ومصدرًا لاستقلاله النسبي. لكن ما نشهده اليوم هو اقتلاع تدريجي لهذا الدور، عبر تلاقي ثلاث قوى مدمّرة: حربٌ تعيد تشكيل الجغرافيا الاقتصادية بالقوة، وسياسات خصخصة تُفرغ الدولة من دورها، ورأسمالية طفيلية تعيد توجيه الموارد من الإنتاج إلى المضاربة. هذا التلاقي لا ينتج أزمة عابرة، بل يعيد تشكيل الاقتصاد على أسس معادية للحياة ذاتها.إن أخطر ما في هذا المسار ليس فقط انهيار العملة أو تضخم الأسعار أو تراجع الإنتاج، بل تشظّي السوق الوطنية، وانقسامها إلى جزرٍ معزولة، لكل منها قوانينها وأسعارها وسلطتها. هنا، لا يعود الحديث عن “اقتصاد وطني”، ممكنًا بالمعنى الدقيق، لأن شرطه الأول (وحدة السوق)، قد تم تقويضه. وحين تُكسر هذه الوحدة، لا يتضرر المنتج والمستهلك فحسب، بل تتآكل فكرة الدولة نفسها. وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة فشل المواسم الزراعية بوصفه نتيجة ظرفية للحرب، بل باعتباره التعبير الأكثر وضوحًا عن فشل نموذج اقتصادي كامل، قام على إضعاف الإنتاج لصالح الأنشطة الطفيلية، وعلى تهميش الريف لصالح مراكز الوساطة، وعلى فك الارتباط بين القيمة والعمل. إن الزراعة، حين تفشل، لا تفشل كقطاع، بل يكشف فشلها عن خلل عميق في بنية الاقتصاد والسياسة معًا.
غير أن ما تمنحه (كلمة الهدف) لا يقتصر على التشخيص، بل يفتح أفقًا مختلفًا للفهم: أن إنقاذ الاقتصاد لا يبدأ من إصلاحات تقنية معزولة، بل من استعادة معناه. أي من إعادة ربطه بوظيفته الأصلية إنتاج الحياة، لا إدارة الموت. وهذا لا يمكن أن يتحقق دون كسر الحلقة المفرغة التي تربط بين الحرب والاقتصاد، وإعادة الاعتبار لدور الدولة، لا بوصفها جهازًا إداريًا، بل كفاعل تنموي يقود عملية إعادة البناء.
إن المعركة حول الموسم الزراعي، كما تطرحها الكلمة، ليست معركة محصول، بل معركة نموذج بين اقتصادٍ يُبنى على الإنتاج والتكامل، واقتصادٍ يُعاد تشكيله على أسس التفتيت والنهب. وبين هذين النموذجين، يتحدد مصير السودان، لا في حقوله فقط، بل في وحدته، واستقراره، ومعنى وجوده ذاته.
من هنا، يأتي هذا (الملف الاقتصادي)، لا بوصفه متابعة تقنية لوقائع السوق، بل كمساحة لإعادة التفكير في الاقتصاد كقضية سيادية، وكمجال للصراع الاجتماعي والسياسي، وكمدخل لإعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس جديدة. فالأرقام، مهما بلغت دقتها، لا تقول كل شيء، ما لم نقرأ ما وراءها: من ينتج؟ ومن يربح؟ ومن يدفع الثمن؟
وفي زمنٍ تختلط فيه الحدود بين الحرب والاقتصاد، يصبح السؤال الاقتصادي، في جوهره، سؤالًا وجوديًا هل نعيد بناء اقتصادٍ للحياة، أم نواصل إدارة اقتصادٍ للموت؟

Leave a Reply