طارق عبد اللطيف أبو عكرمة
تمهيد
الحرب التي اندلعت في السودان، في أبريل 2023، لم تقتل الأجساد فقط؛ لقد اغتالت المعنى، واغتالت فكرة “الغد” التي كان الموظّف السوداني يبني عليها خططًا صغيرة لكنها حقيقية: قسط دراسة ابنه، علاج والدته، أو حتى كوب شاي بعد دوام طويل.
اليوم، يعيش هؤلاء الموظّفون “أولئك الذين كانوا عمود الاقتصاد الوطني الصامت” في منطقة رمادية بين النزوح والبقاء، بين الأمل الساذج واليأس المعلّب. هذا المقال ليس تقريرًا عن خسائر مادية، بل تأمل في انهيار النفس البشرية تحت وطأة حرب لا تُبدي رحمة، وقراءة ميدانية لروح سودانية تتعلم كيف تتنفس تحت الأنقاض.
أولًا: جائحة الصمت “انتشار اضطراب الكرب التالي للصدمة”
الأرقام، حين تُقرأ ببرود، تكشف عن وباء نفسي صامت. تشير دراسة مقطعية حديثة إلى ارتفاع ملحوظ في أعراض اضطراب الكرب التالي للصدمة بين عينة من السودانيين، حيث بلغت النسبة نحو 56.9% داخل العينة المدروسة، وهي نسبة تعكس حدة التأثير النفسي للحرب، وإن كانت لا تمثّل بالضرورة المجتمع السوداني ككل (Hussein, M. F., et al ., 2025).
لكن المقلق حقًا هو أن 83.3% من المشاركين كانوا نازحين بسبب النزاع. والنزوح ليس مجرد انتقال جغرافي، بل هو فقدان شامل لليقين، وتحول مفاجئ من موظّف مستقر إلى “نازح”، كلمة ثقيلة تحمل وصمة العوز والانتظار.
وأظهرت الدراسة أن العاملين في القطاع الصحي كانوا من أكثر الفئات تعرضًا للإجهاد النفسي، مع نسب مرتفعة من أعراض الصدمة، بما يعكس الضغط المزدوج الذي يواجهونه كضحايا ومقدمي خدمة في آنٍ واحد.
كما كشفت الدراسة عن ارتباط سلبي واضح بين الصحة النفسية ومستوى الرفاهية العامة؛ فكلما ارتفعت أعراض الكرب التالي للصدمة، انخفضت مؤشرات الرفاهية. وبذلك، لم يعد الموظّف السوداني يعيش حياة مكتملة، بل يبقى في حالة استمرار بيولوجي: ينتظر، يتنفس، يشرب الماء، بينما يغيب الفرح تدريجيًا (Hussein, M. F., et al., 2025) .
ثانيًا: ثمن الجسد “الموت الصامت في زمن الحرب”
من أبرز ما تكشفه الأدبيات الطبية الحديثة في السودان وجود ارتباط بين الحرب وارتفاع معدلات الوفاة المفاجئة. إذ رصدت دراسة منشورة في مجلة المجمعة للعلوم الصحية عام 2026 أن الوفيات القلبية الوعائية (مثل النوبات القلبية والسكتات الدماغية) تُعد من الأسباب الرئيسة للوفاة خلال الحرب (Alfahal, M. S., et al., 2025) .
هذا يعني أن التوتر المزمن، والأرق، وسوء التغذية، وانقطاع الأدوية، تعمل مجتمعة كآلية صامتة لتآكل الجسد. الموظّف السوداني، الذي يجلس أمام التزامات مالية عاجزة عن تغطية دخله، ويعيش تحت تهديد دائم، يدفع ثمن هذه الضغوط بعضلة قلبه.
كما تشير دراسات أخرى إلى أن التعرض المزمن للضغوط الحادة خلال النزاعات يرتبط بارتفاع أمراض القلب والأوعية الدموية، ضمن أنماط موثقة في سياقات نزاع مختلفة (Alfahal, M. S., et al., 2025) .
ثالثًا: الاقتصاد المقلوب “حين يصبح العمل عبثًا”
قبل الحرب، كان الموظّف السوداني يعيش أزمة اقتصادية ممتدة بفعل تراكمات طويلة من سوء الإدارة والاختلالات الهيكلية. لكن الحرب عمّقت هذا الانحدار بشكل غير مسبوق (Kanu, 2025) .
وتشير تقارير “ميرسي كوربس” (سبتمبر 2025) إلى تدهور حاد في دخول العاملين، حيث انخفضت في بعض الحالات إلى أقل من النصف، مع تضخم متسارع وارتفاع حاد في تكاليف المعيشة.
وتنقل شهادات ميدانية عن صيدلانية في شمال كردفان أن ارتفاع تكاليف النقل وانخفاض القوة الشرائية أدى إلى ندرة الأدوية وارتفاع أسعارها، ما زاد من هشاشة الوضع المعيشي.
تخيل أن يفقد الموظّف أكثر من 60% من دخله، بينما تتضاعف الأسعار. عندها لا يعود العمل وسيلة للعيش، بل وسيلة للبقاء فقط. والفرق هنا جوهري: الحياة تحتاج معنى، أما البقاء فيحتاج فقط حدًا أدنى من الضرورة.
كما أشار التقرير إلى حالات تمييز إثني متزايد، حيث يُقاس الموظّف بمدى استقراره الجغرافي لا بكفاءته المهنية، وهو شكل إضافي من الإقصاء الاجتماعي.
رابعًا: المهاجر الجسدي “المقيم بالروح”
النزوح لا ينتهي بالخروج من مناطق الحرب، بل يبدأ شكلًا جديدًا من المعاناة. فالدراسات حول النازحين في ملاجئ بورتسودان تشير إلى استمرار نقص الاحتياجات الأساسية، وارتفاع مستويات الضغط النفسي اليومي (Medicine, 2025).
أما خارج السودان، فتتجلى معاناة مختلفة تتمثل في الرفض الوظيفي والتمييز القانوني والاجتماعي. وقد وثّقت شهادات منشورة على منصات مهنية حالات رفض ترتبط بالهوية السودانية نفسها، بغض النظر عن الكفاءة، ما يخلق حالة من العبث الوجودي للموظّف المهاجر.
خامسًا: بريق الأمل “حين ترفض الروح الاستسلام”
رغم كل ذلك، يظهر نمط مغاير من الصمود. إذ يشير كادري فوراني من منظمة “ميرسي كوربس” إلى أن السودان يتمتع بمستوى لافت من التفاؤل مقارنة بدول أخرى عاشت نزاعات مماثلة (OkayAfrica, 2025).
ويرجع ذلك إلى ثلاثة عوامل رئيسية:
التماسك الاجتماعي العميق داخل البنية الأسرية السودانية.
الإيمان الذي يمنح القدرة على التكيّف رغم الألم.
ذاكرة تاريخية طويلة من تجاوز الأزمات وإعادة البناء.
سادسًا: الطريق إلى الأمام “إعادة بناء الإنسان أولًا”
تشير الأدبيات الحديثة إلى أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تنجح دون معالجة البنية النفسية للإنسان. وقد طرح طالب الطب عبد الرحمن ثلاث أولويات أساسية في مجلة Education for Health (2025):
تدريب العاملين الصحيين على الإسعاف النفسي الأولي.
دعم الرعاية المجتمعية والاعتماد على شبكات الأقران.
توظيف التكنولوجيا في تقديم الدعم النفسي وربط الداخل بالشتات السوداني.
الخاتمة
الموظّف السوداني اليوم كيان مثقل بالتناقض: جراح نفسية واسعة “تتجاوز 56.9% من أعراض الصدمة”، وضغوط اقتصادية خانقة، وتراجع حاد في الدخل، وانهيار في الاستقرار المهني. ومع ذلك، يجيب دائمًا: “الحمد لله”.
هذه العبارة ليست إنكارًا للواقع، بل شكل من أشكال البقاء الرمزي، إعلان بأن الحرب لم تستطع بعد أن تقتل المعنى بالكامل.
ويبقى السؤال الأعمق: هل يُترك هذا الموظّف لمصيره، أم يُعاد بناء شروط حياته من جديد؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدّد مستقبل السودان أكثر من أي معركة أخرى.

Leave a Reply