قلم البخيت النعيم
يُعتبر شرق السُّودان (جغرافيَّاً)، من أهمِّ البوَّابات الَّتي تتميَّز بالموقع الاستراتيجيِّ والتَّاريخيِّ والجيوسياسيِّ والتَّداخل الدِّيموغرافي، حيث يعتبر البحر الأحمر أهمَّ معبرٍ ملاحيٍّ وطنيِّ وإقليميٍّ ودولي. فالشَّرق من أهمِّ البوَّابات الَّتي تُطلُّ على العالم الخارجيِّ سياسيَّاً واقتصاديَّاً وثقافيَّاً واجتماعيَّاً، حيث تُجاوِر الشَّرقَ خمسُ دول، هي السُّعوديَّة ومصر وإثيوبيا وإريتريا واليمن.
كذلك الشَّرق من أهمِّ المصادر الَّتي تدعم التِّجارة والاقتصاد والملاحة والبترول والمعادن والحياة البحريَّة.
للأسف، فإنَّ أغلب الحكومات الوطنيَّة المتعاقبة، مدنيَّة كانت أم عسكريَّة، لمرحلة ما بعد الاستقلال الوطني _ الَّتي تمتدُّ لحوالي سبعة عقود_ لم تهتمَّ بأقاليم السُّودان قاطبةً، ومن ضمنها الشَّرق؛ لذلك ظلَّت الأقاليمُ متخلِّفةَ النُّمو، وتفتقد لأبسط البنيات التَّحتيَّة الخدميَّة والمشروعات التَّنمويَّة؛ ولذلك ظلَّت الاحتجاجات تتصاعد دوماً في الشَّرق ودارفور وكردفان والشَّمال والنِّيل الأزرق وغيرها.
الملاحظ بوضوح، أنَ هنالك خللاً واضحاً في التَّنمية غير المتوازنة، حيث تركَّزت بعضُ الخدمات التَّحتيَّة والمشروعات في مثلَّثات محدَّدة، ممَّا ساعد على النُّزوح والهجرة من الأقاليم إلى العاصمة الخرطوم وبعض المناطق الَّتي تتمتَّع ببنيةٍ تحتيَّةٍ أو مشروعاتٍ تنمويَّة، رغم أنَّ أقاليم السُّودان هي الَّتي ظلَّت تُصدِّر للمركز الإنتاجَ الزِّراعيَّ والحيوانيَّ والنَّفطيَّ والمعادنَ والكوادرَ البشريَّةَ وغيرها.
هذه الأخطاء والمظالم أسهمت في تراكم الغبن والكراهية، وأدَّى ذلك إلى تمرُّد حركاتٍ مسلَّحةٍ، وقيام اعتصامات واحتجاجات، وتكوين واجهاتٍ جهويَّةٍ وقبليَّةٍ مسلَّحة، حيث يوجد الآن في الشَّرق عددٌ من الواجهات القبليَّة والجهويَّة المسلَّحة، تُطالب بحقوقها المشروعة في إطار الدَّولة السُّودانيَّة، وقد دفع الوطنُ ثمناً باهظاً، بشريَّاً ومادِّيَّاً نتاج هذه الظَّواهر والمظالم.
كلُّ الثَّورات والانتفاضات السُّودانيَّة، منذ ثورة أكتوبر 1964م وانتفاضة مارس أبريل 1985م، وأخيراً ثورة ديسمبر المجيدة 2018م الَّتي انتصرت في 11 ابريل 2019م. كلُّ هذا الحراك الشَّعبيِّ والثَّوريِّ المتصاعد، كانت شعاراته تتمركز في العدالة الاجتماعيَّة والتَّنمية المتوازنة المستدامة، وإرساء دعائم السَّلام ووقف الح.روب، وإطلاق الحرِّيَّات العامَّة، وإقامة الدَّولة المدنيَّة.
ولكن، ولأسباب كثيرة ذاتيَّة وموضوعيَّة، داخليَّة وخارجيَّة، تمَّ عملٌا مضادٌّا من أجل إجهاض الثَّورات ووضع متاريسَ ضدَّ الوصول لأهدافها التَّنمويَّة والنَّهضويَّة.
*ثورة ديسمبر المجيدة:*
تعتبر ثورة ديسمبر المجيدة من أعظمِ الثَّورات والانتفاضات؛ حيث أسقطت نظاماً ديكتاتوريَّاً ظلاميَّاً عزل السُّودانَ عن العالم الخارجيِّ لمدَّة ثلاثين عاماً من حكم دُعاة الإسلام السِّياسيِّ الظَّلامي. فالثَّورة وضعت السُّودانَ في الطَّريق الصَّحيحةِ للنُّهوض به؛ حيث وضعت برنامجاً إسعافيَّاً استراتيجيَّاً، قصيراً وطويل المدى، يُشكِّل مشروعاً وطنيَّاً اقتصادياً وسياسيَّاً وثقافيَّاً واجتماعيَّاً ومشروعَ سلامٍ مستدامٍ ومنطلقاً للحريَّات العامَّة. تضمَّن ذلك بشكلٍ واضحٍ في الإعلان السِّياسيِّ والوثيقة الدُّستوريَّة الَّتي تمَّ التَّوقيعُ عليها في 17 أغسطس 2019م. أكَّدتِ الوثيقةُ على إقامة دولة المواطنة وسيادةِ حُكم القانون، وحمايةِ الحقوق الدُّستوريَّة والحرِّيَّات؛ لذلك من المهمِّ الالتزامُ بالدُّستور وعدمُ تعرُّض البلاد لخطر تقويض النِّظام الدُّستوري، أو تعريض استقلال البلاد للخطر وتفكيك وحدته، أو التَّحريض على التَّمرُّد، أو تهديد السَّلام العام، أو الانتقاص من هيبة الدَّولة، أو قفل وتعريض طُرُق ووسائل المواصلات والنَّقل للخطر، أو قفل الموانئ والمؤسَّسات الإنتاجيَّة؛ فأيُّ جهةٍ تخالف الدُّستور وقوانين البلاد الجنائيَّة، يجب وقفُها ومنعُها ومحاسبتُها.
*للشَّرق مطالبُ مشروعة:*
سمحت لي الظُّروف أن أزورَ إقليم شرق السُّودان وولاياته الثَّلاث: كسلا والقضارف وبورتسودان. في عام 1988م زرتُ القضارف وكسلا وروما ووصلت حتَّى “همشكوريب” على الحدود الإرتريَّة، كما زرت،هيا و سواكن وبورتسودان عام 2014م، وأيضاً عبرتُ البحر الأحمر لمدينة جدَّة معتمِراً، وزرتُ سنكات وهيا وبورتسودان عام 2026م ، حيث ظللتُ أُتابعُ الواقعَ الخدميَّ والتَّنمويَّ والسِّياسيَّ والاقتصاديَّ والثَّقافيَّ والأمنيَّ في ولايات شرق السُّودان، حقَّاً لهو واقعٌ متخلِّفٌ للغاية؛ فتساءلتُ بدوري: ماذا فعلت الحكومات السَّابقة وحكومة المؤتمر الوطني (الحركة الإسلاميَّة) الَّتي حكمت البلاد ثلاثين عاماً؟ حيث من الملاحظ أنَّها لم تُقدِّم أيَّ عملٍ خدميٍّ أو تنمويٍّ، بل تجد مظاهر التَّخلُّف المختلفة على مرمى حجر من مدينة بورتسودان، بل للأسف حتَّى المشاريع الخدميَّة والتَّنمويَّة الَّتي دُعمت من الخارج، قد نُهبت أموالُها من خلال فساد ماليٍّ وإداري؛ فأين ذهبت أموالُ ميزانيَّة اتِّفاقيَّة سلام شرق السُّودان، الَّتي قُدِّرت ميزانيَّتُها التَّنمويَّة باثنين مليار دولار! حيث كُوَّن صندوقٌ لإعمار الشَّرق وإزالة “المسكيت”، ودعم مشروع “القاش” الزِّراعي، وتأهيل المشاريع الزِّراعيَّة في “طوكر” و”القاش” وغيرها! وقد تابعنا وعرَفنا أنَّ لجنة إزالة التَّمكين المركزيَّة في البحر الأحمر، تمتلك مستنداتِ فسادِ صندوقِ إعمار الشَّرق، وكانت تعملُ على استرداد حقوقِ أهلِ الشَّرق من لصوص نظام الإنقاذ المنحل.
أقول على الدَّولة ومؤسَّسات أيِّ حكومةٍ انتقاليَّة، قادمة، مراجعةُ اتِّفاقيَّة سلام جوبا والمسارات المتعدِّدة، خاصَّة مسار شرق السُّودان، وعليها أن تسأل: هل الجهات الَّتي وَقَّعت باسم أهل الشَّرق، هي جهاتٌ ذاتُ وزنٍ سياسيٍّ وشعبيٍّ، أم جهاتٌ صوريَّةٌ فوقيَّةٌ، وزعاماتٌ زائفةٌ انتحلت اسمَ أهل الشَّرق دون تفويضٍ شعبي؟!
ومن الملاحظ، تزايدُ المليشيات القبليَّة والجهويَّة المسلَّحة، وأيضاً هناك اختراقُ نفوذٍ من المخابرات الأجنبيَّة، كما أنَّ هناك تمدُّداً لدول الجوار فى الشَّرق، ولا يُخفى مخاطر ذلك على السِّلم الأهلي.
كما أنَّ الشَّرق صار محتقَناً بالأزمات والتَّوتُّرات في ظلِّ ح.رب 15 أبريل،2023م، الَّتي تمدَّدت في كلِّ ربوع الوطن؛ بل أيضاً ظهرت الخلافاتُ الحادَّةُ بين الفصائل المسلَّحة مع بعضها وقيادة القوَّات المسلَّحة، وأيضاً تصاعدَ خطابُ الكراه.يَة والعن.صريَّة بين مكوِّنات الشَّرق. أيضًا تصاعد الصِّراع والنُّفوذ الدَّوليُّ والإقليميُّ في البحر الأحمر؛ خاصَّة من جهة مصر والسُّعوديَّة والإمارات وإرتريا وروسيا والولايات المتَّحدة الأمريكيَّة وإيران والكيان الصُّ.هيوني (إسرائيل)، هذا إضافة للصِّراع حول القرن الأفريقي بين إريتريا وأثيوبيا، وبين مصر وأثيوبيا والسُّودان على سدِّ النَّهضة وشواطئ البحر الأحمر.
لذلك، على أهل الشَّرق طرح مطالبهم المشروعة دون تسييسِ قضيَّة الشَّرق، ودون تمريرِ مخطَّطات قوى الرِّدَّة من فلول النِّظام البائد، وعليهم قطعُ الطَّريق أمام أيِّ تدخُّلات إقليميَّة ودوليَّة تستهدف تفتيتَ النَّسيج الاجتماعيِّ في الشَّرق وضربَ وحدةِ واستقلاليَّةٍ البلاد.
ثورة ديسمبر المجيدة محميَّة بإرادة شعبها، وهي لا زالت مستمرَّة، حتَّى تتحقَّق أهدافُها، وتبني مشروعاً وطنيَّاً نهضويَّاً وحدويَّاً وتقدُّميَّاً وديمقراطيَّاً ومن أجل سلام وتنمية مستدامة، فأيُّ تهديدٍ لوحدة السُّودان أرضاً وشعباً، فإنَّ إرادةَ شعبنا قادرةٌ على حسمه، فقد انتهى زمن المغامرات العسكريَّة والتَّمرُّد على الدُّستور الوطنى،الذى توافقت عليه قوى الثورة.
نُطالب الجميع بالالتزام بمضامين الوثيقة الدُّستوريَّة الَّتي كفلت الحقوق والحرِّيَّات، ووضعت موعداً زمنيَّاً لشراكة انتقاليَّة، من ضمنها مكوِّنات الشَّرق السِّياسيَّة والاجتماعيَّة؛ فهل التزمت الحكومات بالاستجابة لمطالب الشَّرق المشروعة، الخدميَّة والتَّنمويَّة، وتمَّ إحداث نقلةٍ نوعيَّةٍ فى المدن والطُّرق والموانئ والمطارات؟ والسؤال الموضوعى، ماذا عملت حكومة الأمر الواقع الإدارية، التي جعلت من بورتسودان، عاصمة إدارية، للسودان، بعد ح.رب 15 أبريل، للأسف لم تحدث أي تغيير درجي أو نوعي، في الخدمات الاساسية، خاصة في مشروعات المياه أو الكهرباء أو الخدمات الصحية والتعليمية والطرق أو حتى مطار بورتسودان، الذي يعاني من أبسط الخدمات الضرورية.هذا إضافة للارتفاع العالي، في المواد الغذائية والصحية وإيجارات العقارات.
الآن من أهم مطالب أهل الشرق، بل كل شعبنا السوداني، هو وقف الح.رب التي تمددت للعام الرابع، ولازالت، أطراف الح.رب العبثية، تصعد خطابها العدمي، دون أي مسؤولية وطنية أو أخلاقية أو إنسانية، عن مخاطر وتداعيات، كوارث الح.روب على الوطن.

Leave a Reply