الشاعر الشهيد كمال ناصر
(أُلقيت هذه القصيدة بتاريخ 7 نسيان/ إبريل1964 )
الدربُ والظلمةُ الرعناءُ تغشاهُ والشعبُ ضلّ على التاريخ مسراهُ
يلِجُ في التيه والأوهامُ تنهشهُ كأنّما التيهُ معقودٌ بدنياهُ
يُجزي الضحايا على ساحِ الفدا شرفًا وليس يجديه في العليا ضحاياهُ
تطلّع الشعبُ في أعماق حيرتهِ وراح يسأل عن أسرار بلواهُ
كيف السبيلُ إلى التاريخ نبعثهُ حيًّا، نعيد إلى التاريخ معناهُ
أين الطريقُ إلى آفاق وحدتنا تردّ للكبر منا ما فقدناهُ
أين الحقيقةُ ضاعت، كيف ندركها؟ حتى نشيّد منها ما هدمناهُ
تطلّع الشعبُ في أعماق حيرتهِ مستنهضًا من ركام الدهر ذكراهُ
مستنفِرًا من حناياهُ طلائعهُ في حومة البعث يلقاها وتلقاهُ
من غضبة الشعب كنا، من تمرّدهِ من جرحه الثرّ جئنا من شظاياهُ
ومن تطلّعه عبر الدجى سطعت عقيدةُ البعث تحميه وترعاهُ
كنّا ببال العُلى منذ الوجود رؤى فجسّد الشعبُ منا ومضَ رؤياهُ
كنّا الضميرَ له، فانهَدّ يرهقنا حتى تفجّر عنا ما تمنّاهُ
من دمعه البكر أجرانا، فلا نزلت من بعدنا دمعةٌ تدمي محيّاهُ
ومن أمانيه ألهمنا رسالتنا فأورقت في رحاب الخلد نعماهُ
من شهقة الكادح المطعون شهقتنا ويوم عزّت على الدنيا شكواهُ
فلاّحُنا نحن من آلامه انطلقت آلامُنا، فوجدنا إذ وجدناهُ
لقد أتينا نلبّي صرخةً، وبها تألّق المجد فينا ما اغتصبناهُ
والشعب كالروح نسقى من عطائهِ كنّا به وسنبقى من عطاياهُ
نطوي به الأفق الدامي ونفرضهُ على العروش فتمسي من رعاياهُ
لولاه ما ركبت للشمس همّتنا تموج في العاصف المحموم لولاهُ
تيارُنا القدسيُّ النفحُ قد غمرت أنواره كلَّ شبرٍ فاقتحمناهُ
قوموا، انظروا الشعب يحدو في شعائرنا ثالوثُنا القلبُ والدنيا جناحاهُ
ويشهد الله هذا الدرب لا طمعًا ولا ادّعاءً، ولا زهوًا مشيناهُ
وإنّما هزّنا في بعث أمتنا جرحٌ على صدرها الدامي لثمناهُ
تراثُنا العربيُّ السمحُ هاج بنا فما بكيناه، لكنّا بعثناهُ
عشرون عامًا نضيء الليل من دمنا في كل نجمٍ لنا جرحٌ أضأناهُ
ما أنّ في الشرق جنبٌ لم نخفّ لهُ ولا ترقرق دمعٌ ما مسحناهُ
لم يبق في كأس أيامي سوى شفةٍ مزيقةٍ تتأوّى في زواياهُ
تعاقر الليل أشعارًا مجنّحةً ملاحمًا خلّدت للجيل موتاهُ
جيلي الذي من قصيدي فوق جبهتهِ عواصفي ولظى قلبي وحمّاهُ
هذي جراحي على الأردن مثخنةً ذكرى نضالٍ لنا ما كان أضراهُ
يمضي به الغير من صحبي، فواحزني لما هوى النسر من أجفان علياهُ
تحيتي لهم في السجن قافلةً تمضي، وأخرى بظل الموت تحياهُ
تحيتي لرفيقٍ لست أعرفهُ ما هان في القيد، لكن هان مولاهُ
قرائبي وأحبائي، فواخجلي كيف ارتقوا في العلا ما لست أرقاهُ
لكنّني، وهدير البعث يملؤني أنّى تشرّدت أبقاه وأحياهُ
سفحت أوج شبابي فوق مذبحه ما كان أغلاه في عمري وأقساهُ
عشرون عامًا بعثنا عبر مصرعنا وجودنا، وحصدنا ما زرعناهُ
آذارُ تلك على الدنيا مواسمهُ أطلّ ينشر للدنيا هداياهُ
تكشّف الزيف في الجلى، فقام لهُ نضالُنا وتحدّاه، تحدّاهُ
ويشهد الله هذا الدرب لا طمعًا ولا ادّعاءً، ولا زهوًا مشيناهُ
وإنّما من ضمير الشعب ثورتنا لم نعلُ يومًا عليه، بل رفعناهُ
فالبعث للناس كل الناس موكبهُ جحافل الشعب ضمّتها حناياهُ
وما اصطفانا لنلهو في ملاعبهُ لكنّنا للجراحات اصطفيناهُ
فالبعث وعيٌ وإيمانٌ وتضحيةٌ والبعث همٌّ كبيرٌ قد حملناهُ
وعصبةٌ أضمرت للبعث طعنتهُ فأرخصت واغتصبت من سجياهُ
تنمّرت حوله مسعورةً، جرحت كرامة الخير في جيلٍ نميناهُ
ما كنّ أحرى بها لو أنّها سلكت للعز دربًا طويلًا قد سلكناهُ
قل للغيارى على أمجاد أمتنا المجد يعرف من منا غياراهُ
لمّا دعاهم إلى فجر يوحّدنا تحلّبت فوق إثم الكسب أفواهُ
السارقين شعاراتٍ لنا وضحًا وسرقة الفكر كالطغيان أشباهُ
وحبّذا من وهبناهم طلائعنا في الحالك الجهم صانوا ما وهبناهُ
لو أنّ عيسى سيأتي في هويتهم قمنا له، وعلى عودٍ صلبناهُ
لكنّنا في سبيل العرب إن لمحت في الأفق بارقةً تجلو محيّاهُ
نسمو على الجرح، تحدونا أصالتنا وكل ذنبٍ لهم فينا غفرناهُ
وذنبنا إن حكى التاريخ قصتنا وأفصح الدهر يومًا عن خباياهُ
بأنّنا قد بحثنا العمر عن بطلٍ فلم نجده، ولكنّا خلقناهُ
قالوا العراق، فهبّت من جوانحنا قلوبنا، وهتفنا: ليس ننساهُ
قد يخطئ الثائر الملهوف وثبتهُ لو كان يدري ستشقيه خطاياهُ
مرحى عراق العلا، ما جئت أندبهُ أعزّ من طعنات الغدر جنباهُ
كالنار تحت رماد الصمت هامدةً لكنها تتلظّى في حناياهُ
وربّ يومٍ سقيناه على ظمأٍ فما ارتوى، وغدًا نعطيه سقياهُ
وقيل إنّا أضعناه، وما علموا بأنّنا مذ أضعناه لقيناهُ
لم يستحِ الحق أن يعرى على خطأٍ وما استحينا بعجزٍ بل أدنّاهُ
غدًا نعود، فلا عاش النضال بنا ولا الطليعة إلا أن أعدناهُ
يا رائد البعث، هذا يوم مولدنا فداك بالروح من بالخلد فداهُ
العرس عرس العلا أن نحتفي شرفًا وأن نغنّي وأن نشدو بذكراهُ
مددت للجيل جسرًا دربه ألمٌ فما وقفنا لديه، بل عبرناهُ
في هدأة الفكر قد أمليت أمتنا هديًا حدبنا عليه واحتضناهُ
يا رائد البعث، لا زيفًا ولا ملقًا ولا زعيمًا ولا فردًا عبدناهُ
أعوذ من نزوات الفرد جامحةً ما كان للفرد في دستورنا جاهُ
لكنّنا في المعالي من شمائلنا أن نعرف القدر العالي ونرعاهُ
روادنا ملء عين المجد إن خطرت على العقيدة أشباحٌ وأشباهُ
طاحونة النهر لم تهرم مناجلها حمراء قد حفرت للنهر مجراهُ
والنهر كالدهر في تاريخ ثورتنا فما تغيّر، ولكن شاب فوداهُ
يا فتية البعث، هذا يوم مولدنا للحب، للخير منا، وولدناهُ
هذي طلائعه، هذي هداياهُ هذي مواكبه، هذي سراياهُ
وجيشه الثائر الثوري إن لمعت حرابه، فهو عند الله أتقاهُ
في ذمة الشعب جيش البعث فاحتضني يا ثورة الشعب ما نحن غدرناهُ
وعندما تنجلي الأوهام في وطني ويتخم المجد فيه من ضحاياهُ
وعندما يهتف التاريخ في جذلٍ وقد رأى في العلا أنّا صنعناهُ
وعندما تورق الدنيا على علمٍ موحّدٍ في أمانينا قد نسجناهُ
وعندما ينتهي الأفراد، لا صنمٌ مقدّسٌ أو زعيمٌ ليس إلّاهُ
سيعلم الناس أنّ الدرب في وطني وعرٌ أليمٌ طويلٌ كلّه آهُ

Leave a Reply