د.الشيخ فرح
فاطمة قابلة قانونية، تعرف من أمر الولادة الشيء الكثير بعد مزاولتها للقِبالة لأكثر من خمس عقود. تحتفظ بذكريات لحوادث كثيرة وحكايات لا تُحصى لحالات مرت بها.
كنت أجلس عندها لأستمتع بحكاياتها المثيرة، إلا أنني لاحظت أنها أصبحت تنسى في الآونة الأخيرة. سألتها عن أغرب ما رأت، فقالت لي: سأحكي لك قصّة، لكن أرجو ألا تنشرها لئلّا أُتهم بالجنون.
سمعنا طرقات بالباب بعد منتصف الليل في ليلة من ليالي الصيف، ففتح ابني الباب. وجدنا رجلين وامرأة، وبعد السلام طلبوا منّي أن أباشر ابنتهم التي تعثّرت ولادتها.
كنت دائمًا أصلي ركعتين قبل أن آخذ شنطتي وألبس ملابسي البيضاء وأتوكّل على الله.
وجدت سيارة سوداء غريبة الشكل أمام البيت. فتحت لي السيدة الباب الخلفي وركبت بعدي ثم أغلقت الباب من دون أن يحدث صوت. تحركت السيارة أيضًا من غير صوت، وكأنها لم تُبارح مكانها. التفت إليّ الرجل الجالس في المقعد الأمامي وقال لي: لك الأمان يا حاجة، فلن تَرِي منّا إلا الخير، ولكن سنضع على عينيك عصابة لسلامتك.
قبل أن أرد بالموافقة أو الرفض، استأذنتني الست بكل أدب، ووضعت قماشًا أسود على عينيّ بلطف. كانت العصابة شفافة إلى حد ما، لكني أغمضت عينيّ حتى لا يعرفوا أنني أستطيع الرؤية من خلالها، وكنت خائفة جدًا.
وصلنا إلى بيت كأنه خَرابة من منظره الخارجي. ودخلنا يتقدمنا الرجلان، وأنا، والمرأة تُمسك بيدي بلطف شديد. لاحظت أن أرجلهم لا تَصِل إلى الأرض. وما أن وصلنا إلى بداية المبنى حتى أزالوا العصابة عن وجهي، فوجدنا سلّمًا طويلًا، وفي نهايته مبنى فخم بالحُوائط والأثاث وكثير الأنوار. الأرضيات من الرخام الأبيض، والسجاد الملوّن يكاد يغطس فيه المرء.
أدخلوني إلى غرفة كبيرة يفوح منها رائحة بخور لم أشمّ مثلها في حياتي، وعلى السرير الكبير امرأة لم أر مثلها في الجمال، تفصّدت جبهتها بحبات العرق كأنها البلور على مرآة وجهها البديع. وقفت بجانبها امرأة عجوز تلبس ثوبًا أبيض.
بدأت في مباشرة عملي كالمعتاد، من تقييم حالتها وحالة الجنين ووضعه في الرحم. ومن خبرتي عرفت أن الجنين ليس كبيرًا، وأن حوضها واسع جدًا، وليس هنالك ما يمنع ولادتها سوى خوفها الشديد، فهذه ولادتها الأولى كما أخبرتني المرأة العجوز. توكلت على الله في محاولة الولادة الطبيعية دون عناء.
باختصار، بدأت الولادة والحمد لله تمت على خير، وخرج الجنين وكان حارًا جدًا على غير عادة المواليد. أخذته مني المرأة العجوز فرحة، وقلت لها: سعيد إن شاء الله، فالليلة ليلة الجمعة.
فردّت العجوز، وأظنها جدته: خلاص، نسميه سعيد.
خرجت بعد أن وضعت العجوز عقدًا من الذهب في رقبتي ومبلغًا كبيرًا من المال لم أستطع رفضه، لخوفي، فكان كل همّي بعد الولادة هو العودة إلى بيتي بسلام.
وضعوا العصابة مرة أخرى على عينيّ، وركبنا العربة وعدنا إلى المنزل، وهمست المرأة في أذني: أرجو ألا تُحدّثي أحدًا بما رأيتِ، فأنتِ امرأة طيبة.
وفعلًا، لم أحدّث أحدًا بما رأيت، وقد لاحظ من بالمنزل أني لم أغب سوى نصف ساعة.
مرّت السنوات ونسيت أمر هذه القصّة، إلى أن نويت السفر للحج، ووصلنا أنا وولدي وابنتي إلى ميناء بورتسودان. أردنا تناول الغداء قبل السفر، فدخلنا أحد المطاعم. تناول ابني قائمة الطعام، وكانت الأصناف غالية جدًا، حتى أنني قلت للأولاد: دعونا نذهب إلى مطعم آخر، إلا أن ولدي أصرّ على هذا المطعم.
طلبنا الطعام، وأتى النادل بالمقبّلات. كان هناك قط رمادي اللون جميل التصق بي ولم يُفارقني، وأخذ يحتك برجليّ بصورة ملفتة. أراد ابني إبعاده، إلا أنني قلت له: دعه، فقلبي أحبّه.
واصل القط التمسّح برجليّ ودار حولهما، ونظر إلى وجهي أكثر من مرة. مسحت على ظهره عدّة مرات، فاستسلم ورقد على يديّ كأنّه يعرفني.
أتى النادل بالطعام، فابتعد القط ولم ينتظر أن نعطيه من الطعام، ولم يطلبه كعادة قطط المدينة، وكأنه يريد أن يترك لنا المجال لتناول الطعام بهدوء. أكلنا والحمد لله، وتناولنا الشاي، وعند مغادرتنا ذهب ولدي إلى محاسب المطعم ليدفع الحساب، إلا أن المحاسب قال له مبتسمًا: الحساب مدفوع.
قال ابني: ومن دفعه ونحن لا نعرف أحدًا هنا؟
قال المحاسب: دفعه رجل يلبس بدلة رمادية وقال إن اسمه سعيد، وإن الحساب يخص أمه فاطمة.

Leave a Reply