د.أشـرف مـبارك
اختلاف أدب المقاومة في السودان عن نظائره في المنطقة، مثل فلسطين والجزائر ولبنان، من حيث الانتشار والتأثير، ليس في القيمة، بل في الظروف التي تُنتج الأدب وتمنحه قابلية العبور. فالتجارب المذكورة، على سبيل المثال، ارتبطت بسرديات كبيرة واضحة وأشعار، بينما ظل الأدب السوداني في كثير من الأحيان أسير تعقيداته الداخلية وخصوصياته الثقافية.
وما قاد إلى ذلك هو، أولًا، طبيعة الصراع ووضوح العدو مقابل تعقيده في التجارب السودانية. هذا الوضوح منح الأدب بنية رمزية سهلة التداول عالميًا، الأرض المغتصبة، المنفى، المقاومة، العودة، وهي مفاهيم قابلة للفهم عبر الثقافات. لذلك، وجدنا أعمال محمود درويش أو غسان كنفاني تتجاوز حدودها المحلية لتصبح جزءًا من الضمير الإنساني.
أما في السودان، فقد تحوّل الصراع بعد الاستقلال إلى صراع داخلي ضد أنظمة استبدادية متعاقبة. هنا يصبح “العدو” ملتبسًا؛ سلطة وطنية، صراعات حزبية، انقسامات اجتماعية. هذا التعقيد ينتج أدبًا عميقًا، لكنه أقلّ قابلية للتصدير، لأنه يتطلب معرفة دقيقة بالوضع السياسي والاجتماعي لفهمه. فبدل صورة “المحتل” الواضحة، نجد شبكة من التوترات الداخلية التي لا تُقرأ بسهولة من الخارج.
اللغة لعبت دورًا حاسمًا في انتشار أدب المقاومة، مثلما في الحالة الفلسطينية، التي كُتب معظم أدبها بالعربية الفصحى، ما أتاح له الانتشار عربيا ثم ترجم إلى لغات أخرى. وفي الجزائر، أضافت الكتابة بالفرنسية، كما عند ياسين، بعدًا عالميًا، إذ دخلت النصوص مباشرة إلى الفضاء الأوروبي.
في المقابل، اعتمد جزء كبير من أدب المقاومة السوداني على العامية، خاصة عند محجوب شريف، الذي صنع تجربة فريدة في مخاطبة الشارع. هذه العامية منحت النص حرارة وصدقًا وتأثيرًا كبيرًا ومباشرًا داخل السودان، لكنها في الوقت نفسه شكّلت حاجزًا أمام القارئ العربي غير السوداني بسبب المفردات المحلية والتلميحات الثقافية الخاصة. وهنا يظهر أن ما يُكسب النص صدقه الشعبي قد يحد من عبوره الجغرافي.
ومرة أخرى، كما ذُكر سابقًا، للوسائط الثقافية ومؤسسات النشر دورٌ مهم. فالقضية الفلسطينية، على سبيل المثال، حظيت بدعم مؤسسي وإعلامي واسع، وترجمت أعمالها إلى لغات عديدة ودخلت المناهج والجامعات. وكذلك الأدب الجزائري الذي استفاد من حضور فرنسي وأكاديمي قوي. أما في السودان، فقد عانى الأدب من ضعف مؤسسات النشر والتوزيع، ومن الانقطاعات السياسية المتكرّرة، مما حدّ من فرص انتشاره خارج حدوده.
نقطة أخرى هي المباشر والرمزي؛ حيث يميل أدب المقاومة في فلسطين ولبنان إلى الجمع بين الرمزية العالية واللغة الغارقة في الشعرية، ما يجعله قابلًا للتأويل في سياقات متعددة. أما في السودان، فكثير من النصوص، خاصة في لحظات الثورة، تتسم بالمباشرة والالتحام بالحدث اليومي. هذه المباشرة تمنحها قوة تأثير، لكنها قد تقلّل أيضًا من قابليتها للبقاء خارج سياقها الزمني.
اختلاف أدب المقاومة السوداني لا يعني نقصًا في القيمة، بل اختلافًا في الشروط. فهو أدب أكثر التصاقًا بالحياة اليومية، أكثر جرأة في المواجهة، وأشد حميمية في لغته. لكنه، في المقابل، أقل حظًا في الانتشار بسبب ما ذكرنا: طبيعة الصراع، خصوصية اللغة، وضعف الوسائط الناقلة. ومع ذلك، يظل هذا الأدب، بأصوات مثل محمد الفيتوري ومحجوب شريف، قادرًا على إعادة تشكيل نفسه، وربما العبور إلى فضاءات أوسع حين تتوافر له شروط الترجمة والتأويل والتقديم النقدي المناسب.

Leave a Reply