عادل أحمد محمد
كانت الرياح في ذلك المساء من عام 2026 تحمل رائحة غريبة، مزيجًا من غبار الصحراء ورائحة الوقود المحترق، في المدارج البعيدة، في الطابق الخمسين من برج زجاجي يطل على عاصمة كانت تضجّ بالصخب.
كان سالم يقف أمام نافذته العريضة يراقب بصمت الأضواء التي بدأت تخبو في أحياء المدينة. لم يكن سالم مجرد رجل أعمال، بل كان ترسًا في آلة ضخمة دارت لعقود بوقود الريال الأمريكي والدعم الغربي المطلق.
على مكتبه الفاخر كانت الشاشات تومض باللون الأحمر الجنائزي؛ أسهم الشركات الكبرى تتهاوى، ورؤوس الأموال تتدفق في صمت مهيب نحو الشرق، متجهة إلى بورصات موسكو وبكين. تذكّر سالم الكلمات التي كانت تتردّد في أروقة القمم القديمة، تحذيرات القادة الذين رحلوا وهم يتحدثون عن خيانة الصديق الكبير، لكنه وأمثاله كانوا يضحكون ملء أشداقهم، معتقدين أن القواعد العسكرية والسفن الراسية في مياههم صكوك غفران أبدية.
فجأة رن هاتفه المشفّر، وكان الصوت على الطرف الآخر مرتعشًا: “لقد رحلوا يا سالم.. السفن غادرت الميناء تحت جنح الظلام، والطائرات التي كانت تحمي سماءنا أصبحت الآن تنقل موظفي السفارات فقط.. لقد تركونا وحدنا أمام العاصفة”.
سقط الهاتف من يده، وفي تلك اللحظة أدرك المعنى الحقيقي لأحجار الدومينو. لم يكن الأمر مجرد انهيار سياسي، بل كان تهاويًا متسلسلًا لكل شيء. سقط الحجر الأول حين رفعت واشنطن يدها، فتبعه حجر الوكلاء الذين اكتشفوا أنهم لا يملكون رصاصة واحدة للدفاع عن كراسيهم، ثم سقط حجر المستثمرين الذين فرّوا بذهبهم نحو الحاضنة الشرقية.
خرج سالم إلى الشارع ليرى مشهدًا لم يتخيله قط: طوابير من السيارات الفارهة تتجه نحو المطار، يحمل أصحابها حقائب محشوة بوعود كاذبة. كان يرى الوكلاء الذين كانوا بالأمس يملأون الدنيا ضجيجًا، يفرّون الآن بملامح منكسرة، يبحثون عن أمان لن يجدوه في العواصم التي باعتهم في أول اختبار حقيقي. تذكّر صرخة القذافي القديمة: “الدور آت عليكم”، وشعر بمرارة الحقيقة وهي تخنق أنفاسه.
في الجانب الآخر من المدينة كانت هناك حركة من نوع مختلف؛ مهندسون وشبان يلتفون حول خرائط جديدة، يتحدثون بلغة المنافع المشتركة والسيادة الوطنية. كانت الوفود القادمة من الشرق تبدأ في ملء الفراغ، لا بوعود الحماية العسكرية الزائفة، بل بعقود التكنولوجيا واستخراج الموارد التي كانت مدفونة تحت ركام التبعية. المعسكر الشرقي يفتح ذراعيه للدول التي قرّرت أخيرًا أن تنهض من تحت الأنقاض، واضعًا شروطًا تقوم على الندية، لا على الإملاءات.
بحلول الفجر كانت المدينة قد تغيّرت ملامحها تمامًا: رحل الوكلاء، وبقيت الأرض لأصحابها، وانتهت أسطورة الريال الذي يشتري الأمان. جلس سالم على رصيف الطريق يشاهد شروق الشمس من جهة الشرق، مدركًا أن أحجار الدومينو التي سقطت قد أفسحت المجال لبناء جديد، بناء لا يرتكز على أوهام الحماية الخارجية، بل على صلابة الأرض وكرامة الإنسان الذي تعلّم أخيرًا أن من يتغطى بوعود الغرب سيستيقظ يومًا ليجد نفسه عارٍ تمامًا أمام التاريخ.

Leave a Reply