لعبة الأمم العارية من كابول إلى طهران… ومن ڤاليزا إلى قاليباف

صحيفة الهدف

كيف تُعاد هندسة الأنظمة

•عثمان حاج عمر.         

لا مكان للأوهام، والتاريخ لا يُكتب بعفوية، بل يُصاغ في غرف مغلقة، وتُنفَّذ فصوله بأدوات تبدو متناقضة، لكنها تخدم هدفًا واحدًا: كسر كل مشروع تحرري مناهض للهيمنة.

لم يكن صعود الخميني حدثًا معزولًا، كما لم يكن بروز أسامة بن لادن نتاج صدفة. في الحالتين، نحن أمام توظيف واعٍ لما يُسمّى “الإسلام السياسي” لضرب اتجاهين خطيرين على المنظومة الغربية: المدّ القومي العربي من جهة، ونفوذ الاتحاد السوفياتي من جهة أخرى.

في أفغانستان، فُتحت الأبواب على مصراعيها لتجميع “المجاهدين” من كل أنحاء العالم، بتمويل وتسليح وتغطية استخباراتية، فقط لتحويل البلاد إلى مستنقع يستنزف السوفيات. هناك صُنعت الشبكات التي ستتحول لاحقًا إلى تنظيمات عابرة للحدود، وكان أسامة بن لادن أحد أبرز وجوهها.

وفي أوروبا الشرقية، لم يكن سقوط الأنظمة الاشتراكية نتيجة “ثورات شعبية بريئة” فقط، بل نتيجة عمل طويل شاركت فيه مؤسسات دينية كبرى، وعلى رأسها البابا يوحنا بولس الثاني، إلى جانب شبكات مالية وإعلامية وحتى قنوات مرتبطة بالجريمة المنظمة، في عملية إعادة تشكيل كاملة للمجال السياسي والاقتصادي، انتهت بابتلاع تلك الدول داخل الفضاء الغربي.

أما في العراق، فقد قُدّمت الدولة كقربان كامل. من حرب استنزاف طويلة، إلى غزو مباشر، إلى تفكيك ممنهج لمؤسساتها، فقط لإسقاط نموذج دولة مركزية كان يمكن أن يشكّل رافعة لمشروع عربي مستقل. لم يكن الهدف “الديمقراطية”، بل كسر التوازن. واليوم، تُعاد كتابة الفصل نفسه في إيران.

لكن ما يجري داخل النظام لا يقلّ أهمية عمّا يُفرض عليه من الخارج. فكما تُدار الحروب، تُدار أيضًا عمليات “إعادة تشكيل النخب”. لذلك، لم يكن غريبًا أن يتم التخلص التدريجي من الجيل المؤسس، إمّا بالإقصاء أو بالتصفية السياسية أو بالإزاحة الناعمة، مقابل الإبقاء على وجوه أكثر براغماتية، قادرة على التكيّف مع متطلبات المرحلة الجديدة.

نرى ذلك في صعود شخصيات مثل محمد باقر قاليباف، ومسعود بزشكيان، وعباس عراقجي، وهي وجوه لا تتحرك بمنطق “العقيدة الصلبة” بقدر ما تتحرك بمنطق إدارة التوازنات. هذه النخبة ليست بالضرورة “صنيعة الخارج”، لكنها الأكثر قابلية للاحتواء، والأقدر على لعب دور الوسيط بين منطق “الثورة” ومنطق الدولة.

ومن خلال هذه الوجوه، تبدأ عملية أعمق: ترويض الجيل القادم نفسه، وإعادة تشكيل وعيه السياسي، بدءًا من شخصيات مثل مجتبى خامنئي، التي يُراد لها أن ترث، لكن ضمن شروط جديدة، وضمن سقف مختلف تمامًا عن ذلك الذي وُلدت فيه الثورة.

في هذا السياق، لا يعود الهدف إسقاط النظام، بل إعادة برمجته.

الخطاب المعلن يتحدث عن النووي والصواريخ، لكن الحقيقة تدور حول التموضع: هل تبقى إيران جزءًا من محور تقوده الصين وتدعمه روسيا، أم تُعاد تدريجيًا إلى بيت الطاعة الدولي؟

هنا تلعب إسرائيل دور الأداة الضاغطة: تصعّد لتفتح باب التفاوض، وتلوّح بالحسم لتفرض شروط التسوية. لكنها، في النهاية، تتحرك داخل استراتيجية أوسع منها.

أما ما لا يُقال، فهو جوهر اللعبة:

إيقاف الحرب لا يكون بانتصار طرف، بل بقبول شروط إعادة التموضع.

ومن بين هذه الشروط، فرض رقابة على منشآت حساسة مثل بوشهر، وفتح مسار تدريجي لفك الارتباط مع روسيا والصين.

هكذا تُدار المعارك الحقيقية:

ليس بإسقاط الأنظمة، بل بتعديل سلوكها.

وليس بتغيير الشعارات، بل بتغيير من يحملها.

ومن لا يرى ذلك، سيظل يعتقد أن ما يجري صراع عقائد…

بينما الحقيقة أنه صراع على من يملك حق إعادة تشكيل العالم.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.