بقلم : ماجد الغوث
تطرح كلمة طليعة لبنان بعنوان ( من يصلح الجسور الوطنية إذا تهدمت) سؤالًا عميقًا يتجاوز الجغرافيا التي يدمرها العدوان يمكن إعادة بنائها بالإمكانات والوقت، أما الجسور التي تتصدع داخل المجتمع وبين قواه تحت وطأة الانقسام والتخوين والاستقواء بالخارج فاعإدة ترميمها هي المهمة الأصعب والأخطر والأوجب.
وإذا كانت كلمة الطليعة قد تناول الحالة اللبنانية في ظل العدوان الص.هيوني، والتجاذب الداخلي الذي أفرزه العدوان وسلوك حزب الله، فإن إسقاط هذا المشهد على الحالة السودانية يكشف بوضوح أن ما يخشى منه في لبنان قد وقع بالفعل في السودان، بصيغة أكثر تاثيرًا ونتائج أشد قسوة.
لقد شكل انفصال جنوب السودان عام 2011 نقطة تحول مفصلية لم يكن مجرد حدث سياسي عابر بل نتيجة تراكمات من سياسات داخلية خاطئة وعاجزة، و بتبني العنف والحلول العسكرية، وتدخلات خارجية متقاطعة فقد أسهمت السلطة آنذاك عبر نهجها الرأسمالي التمكيني الطفيلي والاستبدادي في تعميق الأزمة الوطنية من خلال إدارة التنوع الثقافي والاجتماعي والديني بمنطق الإقصاء وتغليف الخطاب السلطوي بغلاف ديني لم ينجح في تحقيق وحدة وطنية بل زاد من حدة الانقسام.
وفي سياق تلك التحولات برزت محطة بالغة الدلالة تمثلت في التقاء الحركة الإسلاموية من موقع السلطة مع التجمع الوطني الديمقراطي الذي كان يمثل غالبية القوى السياسية في الشمال عدا البعث في أديس أبابا للتوقيع على اتفاق مع الحركة الشعبية لتحرير السودان وقد شكل هذا اللقاء مؤشرًا على انتقال الصراع من كونه أزمة وطنية داخلية قابلة للحل السياسي الشامل إلى مسار تسووي قاصر فتح الباب واسعًا أمام خيار الانفصال.
وبالفعل تم تنفيذ مخطط فصل جنوب السودان عام 2011 بدعاوي تقرير المصير، الذي تسابقت نحو السلطة وعدد من معارضيها، وفق حسابات ضيقة، في لحظة سياسية اتسمت بالاستعجال والكلفتة وفتور الهمة من أغلب الأطراف حيث جرى استسهال أقصر وأسوأ طرق التسوية السياسية دون تقدير عميق لنتائجها الاستراتيجية ولا لتداعياتها على وحدة البلاد ومستقبلها
وهنا تبرز إشكالية جوهرية في توظيف مفهوم تقرير المصير إذ أن هذا الحق في أصوله يمنح للشعوب الواقعة تحت الاحتلال الاستعماري ولا يمنح لشعب موحد في جغرافيته ومصيره وتطلعاته السياسية ونضاله المشترك ضد نظام انقلابي عسكري لكن ما جرى هو نقل بافتعال هذا المفهوم من سياقه التحرري إلى سياق أزمة داخلية ما أدى إلى تحويله من أداة للإنصاف إلى أداة للتفكيك
ولم تقف المسؤولية عند طرف دون آخر فقد التقت أخطاء السلطة مع رهانات بعض قوى المعارضة في الشمال والجنوب التي تعاملت مع خيار تقرير المصير كحل جاهز دون بذل الجهد الكافي لتطوير مشروع وطني بديل يستند إلى تاريخ الشعب السوداني في نضاله الطويل ضد الاستعمار وضد الأنظمة العسكرية
إن التجربة السودانية تظهر أن التعويل على الخارج أو الانخراط في صراعات تتجاوز المصلحة الوطنية لا يؤدي إلا إلى مزيد من التفكك فبعد الانفصال لم ينعم السودان بالاستقرار بل دخل في دوامات من الأزمات الاقتصادية والسياسية وصولًا إلى ح.رب استنزاف عبثية، بخطاب تفتيتي، موغل في العن.صرية والجهوية والقبائلية، عمقت الجراح وخلقت واقعًا إنسانيًا بالغ القسوة وأضعفت ما تبقى من بنية الدولة
وهنا يلتقي المساران اللبناني والسوداني عند حقيقة واحدة أن الخطر لا يكمن فقط في العدوان الخارجي بل في كيفية إدارة الداخل لذاته ففي لبنان كما تحذر كلمة الطليعة يؤدي الانقسام حول أسباب الح.رب ومشروعية الانخراط فيها إلى تعميق الشرخ الوطني وهو ما يسعى إليه العدو أصلًا وفي السودان أدى هذا الشرخ ذاته حين ترك ليتفاقم إلى انهيار الجسور الوطنية بالفعل وليس مجرد التهديد بهدمها
إن الدرس الأهم في الحالتين هو أن الدولة بوصفها مرجعية جامعة، والحلول الوطنية السلمية الحوارية، هي الضامن الوحيد لإدارة الصراع، في إطار الوحدة والسيادة، سواء في الح.رب أو السلم وعندما تضعف هذه المرجعية أو تستبدل بولاءات خارجية، مادون الوطنية أو فئوية تصبح البلاد ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية
من هنا فإن إعادة بناء الجسور الوطنية لا تبدأ من إعادة الإعمار المادي بل من استعادة الوعي الوحدوي الجمعي، ولغة سياسية مسؤولة تسقط منطق التخوين وتعترف بالتنوع، وتنطلق من التوافق على الحلول السلمية، دون تحويله إلى صراع وجودي وتعيد الاعتبار لمفهوم السيادة بوصفه مسؤولية جماعية لا أداة للمزايدة.
لقد كان انفصال الجنوب في السودان إنذارًا مبكرًا لما يمكن أن تؤول إليه الدول حين تفشل في إدارة تناقضاتها الداخلية وما يمر به لبنان اليوم هو لحظة اختبار مشابهة إما أن تصان الجسور الوطنية رغم العاصفة، أو أن يترك المجال لانهيارها وحينها لن يكون من السهل إعادة بنائها إن لم تمر اللحظة التاريخية لذلك.
إن التاريخ القريب يجيب عن السؤال الذي طرحته الكلمة الجسور الوطنية لا يصلحها طرف واحد بل تبنى بإرادة جماعية، حوارية سلمية، أو تنهار على الجميع.

Leave a Reply