الرفاعي عبد العاطي حجر
بين الغناء والدراما تقف تجربة أحمد الجقر بوصفها محاولة لعبور صعب من الصوت إلى الصورة، ومن التعبير اللحظي إلى البناء المركب. هذه التجربة تستحق القراءة لا من باب الاحتفاء ولا من باب الهدم، بل من باب الفحص الهادئ لما جرى وما يمكن أن يجري.
في مسلسلي (حنين) و(غريب) تتجلى هذه التجربة بوضوح؛ عملان يبدوان كوجهين لحيرة واحدة. الأول يميل إلى الدفء العاطفي واستدعاء الذاكرة، والثاني يغامر بالاقتراب من أسئلة الاغتراب والقلق الداخلي والخرافات والمخدرات دون حبكة واضحة أو تراتبية محكمة. وهنا يبرز السؤال الأكبر: هل استطاع الجقر أن يتحوّل من فنان يغني إلى صانع دراما يبني المعنى؟ دون حكم على الغناء نفسه، فهو لم يترك أثرًا يذكر في هذا المجال، بل جرّب بلا تأثير حقيقي.
(حنين) عمل يراهن على الوجدان، يستدعي الماضي ويقيم فيه طويلًا. شخصياته تتحرّك في مساحات مألوفة نسبيًا ضمن واقع متغير في التحولات السودانية خلال حقبة الإنقاذ، حيث تمتزج القيم باللا قيم، والخير بالشر، والحنين يكاد يكون بطلًا خفيًا يوجّه الأحداث. غير أن هذا الوضوح يتحوّل إلى مأزق؛ إذ تفتقر الشخصيات إلى التعقيد، ولا تشهد تحولات حقيقية تدفع الحكاية إلى الأمام، فيبقى العمل أسير حالة شعورية ممتدة أكثر من كونه مسارًا دراميًا متصاعدًا.
أما (غريب) فيحاول كسر هذه الدائرة، ويقترب من فكرة الاغتراب بوصفها سؤالًا وجوديًا لا مجرد ظرف خارجي. رغم حصر الشخصية في خطف أسرة لأموال يتيم، يطرح العمل إمكانية أن يكون الإنسان غريبًا وسط أهله، لا بعيدًا عنهم فقط. هنا تظهر رغبة في تعميق التجربة وبناء شخصيات تحمل تناقضها الداخلي، لكن هذه الرغبة تصطدم بضعف في الأحكام؛ فخطوط درامية تبدأ ولا تكتمل، وأفكار تلوح ولا تبلغ ذروتها، كأن العمل يخطو خطوة إلى الأمام ثم يتردد، مع ضعف بائن في الأداء التمثيلي.
في العملين معًا يبرز أثر الخلفية الاحتكارية للجقر دون عمق أو دراسة لأهمية الإخراج والحبكة وتقنيات التقمص. الحوار مشحون بالعاطفة ومائل إلى الشعرية، لكنه في كثير من الأحيان يصرح بما ينبغي أن يترك للصورة، فيخسر المشهد بعض قوّته: “أنا بحبك يا فهد، بحبك يا فرح” مزعجة لحد بعيد. الدراما هنا تحتاج إلى من يصنع الحزن عبر الفعل والصمت والتفاصيل الصغيرة، لا من يعلنه بالكلام.
على مستوى الصورة والإخراج، هناك حضور لمحاولات جادة لكنها محدودة؛ الكاميرا غالبًا ناقلة وليست راوية، تلاحق الحدث أكثر مما تخلق المعنى، ما يعكس فجوة معروفة حين لا تتحوّل اللغة البصرية إلى شريك كامل في السرد.
هل نجح الجقر؟ الإجابة ليست نعم قاطعة ولا لا قاطعة. لقد نجح في اقتحام المجال وطرح نفسه كصوت درامي في بيئة تعاني من قلة الإنتاج وضعف التراكم، مع إشراقات في المشهد المسرحي والفني. ونجح جزئيًا في ملامسة قضايا إنسانية قريبة من المتلقي، لكنه لم يبلغ بعد مرحلة النضج التي تجعل العمل متماسكًا من الفكرة إلى التنفيذ.
هل تحتاج الدراما إلى دراسة؟ الإجابة أوضح: الدراما ليست امتدادًا تلقائيًا للموهبة، بل “حرفة” لها أدواتها؛ كتابة السيناريو، بناء الشخصيات، هندسة الحبكة، إدارة الإيقاع، وفهم الصورة كلها عناصر تحتاج إلى وعي نظري وتراكم عملي. الموهبة تفتح الباب، لكن المعرفة تبني البيت. هنا يظهر دور نقابات المسرح والفنون في حماية المبدعين وتأمين حياة كريمة بعد مسيرة حافلة، كما نلمس معاناة فنانين مثل محمد نعيم سعد.
هل ملأت هذه الأعمال الفراغ؟ ربما ساهمت في تقليصه، لكنها لم ولن تملأه. بل كشفت حجم الفراغ، وأظهرت الحاجة إلى مؤسسات ونصوص قوية وتعاون حقيقي بين الكتاب والمخرجين والممثلين.
في المحصلة، تبدو تجربة أحمد الجقر أشبه بخطوة أولى طويلة، جريئة لكنها مثقلة بنقص الأدوات. وهي بالتالي تستحق التطور وربما التوقف إذا لم يتحرك أهل الحرفة لدعمها. الفنان الذي غنى بلا إمكانيات يمكنه أن يتعلم كيف يبني دراما بلا أدوات، لكن النتائج لن تكون كاملة إلا بالتراكم والمعرفة.
يا أهل الفنون والحركة الإبداعية، اتحدوا لإعادة الحياة للحيشان الثلاثة، ولا تستسلموا. لو تحركت عمادات الفنون بقيادة أساتذة مثل مهاجر تماضر شيخ الدين، محمد السني، مكي سنادة، والمسرحي الفخيم محمد عبد الرحيم قرني، فسوف يعود للسودان صوته الأصيل.
#7_أبريل_1947 #البعث_الفكرة_لم_لن_تموت #البعث_79

Leave a Reply