بلا عنوان

صحيفة الهدف

محمد ساتي حمد

(1)
بينما كنت أتصفّح رواية جديدة في مكان بجانب البحر، والموج يلاطفني ويغازلني مدًا وجزرًا، يهمس تارة ويغيب أخرى، سلسًا يعود ممتنعًا ومتمنّعًا، وضعت مقعدي المتوحّش برفق في مكان قصي لم أعهده من قبل لاستوحاشه. أخرجت روايتي بسرعة، يشدّني البدء والوصول إلى نهايتها قبل التهامها، فقد أخبرني صديقي بجمال الرواية وتفردها.
شرعت في القراءة بنهم، وبرغم البداية وعدم انخراطي الكامل في عالمها، إلا أن شغفي بها منذ اللحظة الأولى كان حاضرًا. وبينما كنت أحاول تعديل مكاني والشروع في القراءة، سمعت وقع أقدام غريبة تتقاطع بصورة متزنة مع صوت أمواج البحر، تتقدم نحوي بتمهّل وتؤدة. تابعت بشغف انتظام الخطوات، وكانت طبلة أذني المرهفة قد تعوّدت على هذا الصوت قبل وصوله، كانت عالية ثم هدأت قليلًا، لتسكن جزرا بعد مد. لم تكن كمثل الموج يقترب ليبتعد؛ إذ تقدّمت فصمتت في سكون غريب بجانبي.
لم يكن بي فضول لأعرف من هي، فصفحات روايتي كانت كافية أن تشغل تفكيري بلا مقاومة تذكر. تابعت الصفحات تلو الصفحات، وصمت المكان يلف شخصيات الرواية، وسر غريب يراودني، يقد قميصي من دبر، وسكاكين تسنّ تذبح استغراقي وانهماكي، وملك يرفل في ثياب مزركشة يبارك ويغلق الباب في وجهي. لم تنفك الصخرة عن ثباتها، تحكم عليّ بالموت رغم حسنات سابقة جادت بها كفاي على فقير، وفي المقابل سوط جلاد مكبوت في صندوق لا أقوى على زحزحته.
سؤال تلو سؤال، لم تتوقف الأسئلة عند هذا الحد، بل تجاوزت الحدود وتدفّقت مطالبة العيون بالرفع والنظر والتثبت من سكون الأقدام.
تثاقلت الجفون بالتعب بلا سبب، وانتصبت بتثاقل لم تعهده من قبل. تبعتها العيون اللا مبالية بقدوم وسكون من أتى. تمعّنت في وجه من سكنت أقدامه بجانبي، وجلس بجانب مقعدي، يصاحبه كلب مؤمّن بحزام أسود متين مربوط بالمقعد. بياض الكلب يغلب سواده في مباراة ألوان جميلة. نظراته تبشر باستغراب جلوسي، لكن لم يدم الخوف، إذ هدأت نظراته وهز ذيله وهمد على الأرض يحرس صاحبه بهدوء، كأنه تعرّف على وجهي، وسلميتي، وعنوان روايتي.
تلكأت الرغبات قليلًا، لكنها سرعان ما استجابت، ونظرت العيون لمن يجلس بجانبي، لترسم صورة صاحبة وقع الأقدام وكلبها بريشة فنان، أشبعت نفسي بما ارتوت.
(2)
أربعينية جميلة المحيا، يحتضن وجهها عيون واسعة، ترتاح على ابتسامة هادئة تزيّن وجهها القمري. شعرها مسدل تتلاعب به رياح البحر من تحت طاقية زرقاء اللون، تناغمت بسلاسة مع “التيشيرت” الأزرق، يلف شخصها فرحًا تيمّنًا بزرقة البحر. بدت أناقتها واضحة في حسن اختيار لون فستانها البسيط، وحذاؤها الأسود لم يقل جمالًا عن فستانها.
كان الحذاء يتمازج مع حركة قدمها على أرض الشاطئ، بينما الكلب يهز ذيله على وقع أنغامها. تداخل سواد الكلب مع لون الحذاء، وفي الوقت ذاته يرمق الألوان البيضاء بنظرة عتاب. تناهى إلى سمعي صوت دندنة جميلة لم أتبين مصدرها، شدّتني استمالتها وطربت أذني من أثرها، فحرّكت قدمي على وقعها في صمت ثنائي غير معلن.
ابتسمت خجولة حين التفتت، وارتفع صوت دندنتها الجميل بهدوء، أرهفت أذني وارتفع صوتها على وقع نقر الأصابع على الأرض، فوقف الكلب يشاركنا التعبير عن إعجابه. انتهت الدندنة بسرعة، فصمت المكان، وعادت الأربعينية لتقلب صفحات روايتها، بينما كنت أحاول التقاط أنفاسي أو حروف تكشف اسم الرواية، لكنني فشلت.
شكّلنا بعفوية “دويتو” منسجم، دندنا سويا أغنيات لم نتفق عليها، شاركنا الحضور بالغناء والرقص، فتبادلنا الإعجاب بلا إرادة، ولفتت أصواتنا انتباه المارة. استمر اللقاء بعفوية، وأصبحت رغبتنا في لقاءات مقبلة واضحة، حيث تبادلنا الإعجاب والدهشات بالأصوات، محمولين على ود خفيف لقلوبنا.
(3)
سألتها من أنتِ؟ أجابت: أنثى مجبولة على حب الفن والجمال والحياة. استرسلت بحزن، وقالت: عشت وحيدة سنوات، كنت قبلها قارورة عطر تفوح طيبًا لمن حولي. بحت لها بمكنوناتي بعد لقاءات طويلة، بدت قصيرة جميلة، لكنها أضحت طويلة مملّة. تبادلنا الأماني والوعود، زينتها الورود وحلمنا بحياة غير، رسمنا خططًا لكننا فشلنا في تنفيذها.
قابلت فتى جميل الطلعة صدفة، أحببته، وبادلني حبًا، أعلناه صراحة واحتفلنا به. مرت الأيام، غاب عن قلبي قبل المكان، وتاهت حروفه بين مطارات العالم، سافر بلا تميمة مني. لم يكن الفراق مرًا بل كان متوقعًا. أحببته متيقنة أن اللقاء ميت قبل ولادته، يزورني طيفه ومخيلته خالية من بقايا شخصي الضعيف.
أحببته واعتصرني ألم الشوق وحلاوة الود، كنت أود القرب رغم حائط الصد. أي رجل؟ أي إنسان؟ أي مسيرة كتبت على دروب صحراوية قاحلة؟ أي صمت شارد؟ أي اتكاءات في جدار الخيال تعيدني إلى الأرض وفي يدي بقايا أمل؟ حاولت ففشلت، تدهورت صحة قلبي العليل، ونقلتني الإسعاف وفي يدي ترقد بقايا قلبي.
خاطبني الطبيب قائلا: لا بد من استئصال قلبك واستبداله بقلب اصطناعي يحافظ على حياتك لبضعة أسابيع أو أشهر ريثما يتم العثور على قلب مناسب للزراعة. بكيت، ووافقت أملاً في علاج عشقي قبل قلبي.
(4)
رجعت إلى روايتي أقلب الصفحات، وأقرأ كلامًا لم أستبنه، وفي عقلي خيال آخر. غارت صفحات الرواية من عدم اهتمامي بها، فرسمت على وجهها تعابير عن دهشات وآهات. لم أعر الرواية أي اهتمام، بل واصلت قراءة خيالي المتعب من وضع عنوان للرواية أو عنوان لوجهة من بجانبي.
لم يقطع حبل التفكير سوى حركة تطبيق المقعد وتباعد صوت الأقدام، وغياب الأربعينية بين مرتادي الشاطئ. بحثت في كل أرجاء المكان بعنف، لم أجد أي أثر لها، وجدت كتابًا ملقى على الأرض، اقتربت منه كأني أعرفه، رفعت الكتاب بسلاسة، تعجّبت وملأتني الدهشة، ووجدت نفس عنوان الرواية في يدي: بلا عنوان.

# 7_أبريل_1947     #البعث_الفكرة_لم_لن _تموت    #البعث_79

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.