إحسان الله عثمان
عند التأمل في تجربة د.عبد الرحيم أبو ذكرى في ديوانه (الرحيل في الليل)، تتبدّى لنا صورة شاعرٍ مسكونٍ بالأسئلة، غارقٍ في بحار الاغتراب، تتقاطع في قصائده المأساوية الجمالية مع البحث الفلسفي عن الذات والمصير والحيرة. يناقش قضايا الإنسان وعوالمه، ويعبّر عن نفسٍ شاعريةٍ رقيقةٍ ومرهفة.
تتجلّى ملامح الجمال والمأساة في تجربة أبو ذكرى في الإيقاع الداخلي، والصور، والأخيلة ذات الدهشة العالية، وسماواتٍ غريبة، وتموّجاتٍ شعوريةٍ عميقة، والرسم بالكلمات، ورؤى بصرية وفكرية تجسّد الموقف النفسي والفلسفة الوجودية للشاعر الراحل، وتغوص في أسئلة الموت والاغتراب والحنين والمصير، محمّلةً بثقل الفقد، بلغةٍ ليست مترفة بالزخرفة، لا يتكلّف في التعبير، ويترك المعاني تنساب كضوءٍ خافتٍ في عتمات الغربة والعزلة والزمان.
عاش الشاعر ممزّقًا بين الوطن والمنفى، بين الأمل واليأس، والقصيدة والصمت، وانتهى به الأمر إلى مصيرٍ مأساوي، عكس في طيّاته البعد التراجيدي في كل ما كان يكتبه. شعريةٌ فريدة تحمل في ثناياها ألم الإنسان وتيهه، وروحه القلقة، وجراحه العميقة.
تقوم قصيدة (الرحيل في الليل) على ثنائية الرحيل والانتظار، حيث يغوص الشاعر في مشاعر الغربة والبحث عن معنى في فضاءٍ زمنيٍّ متداخل بين الماضي والحاضر. يستخدم أبو ذكرى صورًا حسية ورمزية تجسّد مشاعر الوحدة والحنين، معتمدًا التكرار والإيقاع الهادئ لإضفاء طابعٍ تأملي عميق، يسبقه العنوان كعتبةٍ دلاليةٍ حزينةٍ تفيض بالإيحاءات والرمزية، وإرهاصات الفراق، وغموض “الرحيل” في مفردة (الليل) بكل دلالاتها ضمن السياق البنائي للقصيدة.
“أيها الراحل في الليل وحيدًا
ضائعًا منفردًا
أمس زارتني بواكير الخريف
غسلتني بالثلوج
وبإشراق المروج”
تتجلّى ملامح الحنين والاغتراب الوجودي في مخاطبة الشاعر لذاته المتشظية، وتتكرر فكرة العزلة في كلمات “وحيدًا”، “ضائعًا”، “منفردًا”، وهي توصيفات ترمز إلى اغتراب النفس والعزلة والضياع، حالةٍ من الوجود غير المكتمل. تتلوها “بواكير الخريف” رمزًا للتحولات الزمانية والنفسية، تغسل أحزان الشاعر “بالثلوج وبإشراق المروج”، فتحمل في طياتها مفارقة بين البرودة والبهجة، والانطفاء والإشراق.
“أيها الراحل في الليل وحيدًا
حين زارتني بواكير الخريف
كان صيفي جامدًا
وجبيني باردًا
وسكوتي رابضًا فوق البيوت الخشبية
مخفيًا خيرته في الشجر
وغروب الأنهر
وانحسار البصر”
تتجلّى المفارقة في عودة الخريف بصيفٍ جامد، وثلوجٍ وصمتٍ كثيف. هنا تحتشد الثنائيات الضدية وتتوالد جدلياتها ضمن صياغاتٍ جديدة، حيث مشاهد الحيرة والوجوم. يرتبط الصيف بالجمود “كان صيفي جامدًا”، كأنه ميتٌ فاقدٌ لمعناه، في لوحةٍ مشبعة بالسكون والموت البطيء. يظل السكوت “رابضًا فوق البيوت الخشبية” في رمزيةٍ للغربة والعزلة، وتتلاشى الحركة مع “غروب الأنهر” و”انحسار البصر”، في إيحاءات بالانطفاء وجمود الشعور وغياب الرؤى والأمل.
“لوّحت لي ساعةً حين انصرفنا
ساعةً حين انصرفنا
ثم عادت لي بواكير الخريف
حين عادت
وثب الريح على أشرعتي المنفعلة
سطعت شمس الفراديس على أروقتي
ومضت تحضنني الشمس الندية
والتي ما حضنتني
التي ما عانقتني
في الزمان الأول
في الزمان الغائب المرتحل”
مع عودة الخريف تتغير دينامية المشهد، وينتقل النص من السكون إلى الحركة العنيفة “وثب الريح على أشرعتي المنفعلة”، في إشارة إلى الترحال والاضطراب العاطفي. ثم تسطع “شمس الفراديس” لتشكّل نقطة تحول جمالية تستدعي فكرة الفردوس المفقود، بإيحاءٍ روحي وانعتاقٍ نحو الأعالي. غير أن هذا الاحتضان يأتي متأخرًا “ما حضنتني.. ما عانقتني في الزمان الأول”، في دلالةٍ على حسرةٍ دفينة تجاه الفرص الضائعة، وكأن الماضي كان ضنينًا بما لم يمنحه من دفء.
“انتظرني
فأنا أرحل في الليل وحيدًا
موغلًا منفردًا
في الدهاليز القصيات انتظرني
في البحر انتظرني
انتظرني في حفيف الأجنحة
وسماوات الطيور النازحة
وقت تنهّد المدارات
وتسود سماء البارحة
انتظرني”
تتجسّد ثنائية الرحيل والانتظار في النداء المتكرر “انتظرني”، الذي يشكّل صدىً داخليًا يعمّق الشعور بالعزلة. يتسع الفضاء المكاني ليشمل “الدهاليز القصيات”، و”البحر”، و”حفيف الأجنحة”، و”سماوات الطيور النازحة”، و”المدارات”، فيتحوّل الرحيل إلى حالةٍ كونيةٍ مفتوحة على احتمالاتٍ لا نهائية، ويغدو السفر قدرًا وجوديًا دائمًا.
يأتي الختام بكلمة “انتظرني” ليترك النص معلّقًا على أفقٍ مفتوح، ربما أراد الشاعر البقاء في ذاكرة الآخرين، أو الاستقرار في أفق الانتظار الأبدي.
إن قصيدة (الرحيل في الليل) نصٌّ يتجاوز المعاني المباشرة إلى تجربةٍ وجدانيةٍ متشعبّة، رحلة داخل الذات عبر الأزمنة والأمكنة والمشاعر والذكريات، تتجلّى فيها ملامح الحنين والاغتراب والرحيل في سياقٍ يفيض بالعزلة والتأمل، مما يمنح القصيدة بُعدًا فلسفيًا يتجاوز تجربتها الشخصية ليعانق تجربةً إنسانيةً شاملة عن الوحدة الموحشة والمعاناة العميقة والضياع.
عبد الرحيم أبو ذكرى
شاعرٌ سوداني، وُلد عام 1943، وتوفي منتحرًا برمي نفسه من غرفة سكنه بالطابق الثالث عشر داخلية طلاب أكاديمية العلوم السوفياتية في موسكو عام 1989.
صدر له ديوان واحد بعنوان (الرحيل في الليل) عن دار جامعة الخرطوم للنشر عام 1973.
#7_أبريل_1947 #البعث_الفكرة_لم_لن_تموت #البعث_79

Leave a Reply