كلمة العدد: في ذكرى التأسيس 79: الثقافةُ والحوارُ وصياغةُ المستقبل

صحيفة الهدف

في لحظةٍ وطنيةٍ وعربيةٍ مثقلةٍ بالتشظّي والمهدّداتِ الوجوديةِ وفقدانِ البوصلة، تتكثّفُ فيها أزماتُ الواقعِ القوميّ والوطنيّ، وتتعقّدُ مساراتُه، وفي ظلِّ ما تعانيه الأقطارُ منفردةً من أعباءٍ وضغوطٍ متزايدة، وما تعانيه الأمةُ العربيةُ مجتمعةً من تمزّقٍ وعدوانٍ وتراجعٍ في الرؤية واضطرابٍ في الاتجاه، تعودُ مسألةُ العلاقةِ بين المثقفين ودورِهم في الخروج من الأزمات إلى واجهةِ النقاش. لا بوصفها موضوعًا نظريًا، بل كسؤالٍ منهجيٍّ يمسّ طبيعةَ الفعلِ في الواقع وإمكانَ تغييره. فهذا الجدلُ قديمٌ، طالما دار بين من يرى الثقافةَ مجالًا حرًّا منزّهًا عن الالتزام، ومن ينظرُ إلى الأيديولوجيا باعتبارها أفقًا منظّمًا للوعي والالتزام.
غيرَ أنَّ هذا الفصل، في تجلّياته العملية، لم يقتصر أثرُه على إضعاف الثقافة ودورِها التثويري، بل امتدّ إلى بنيةِ العلاقةِ بين المثقفين أنفسِهم؛ إذ انكفأ كلُّ فريقٍ على رؤيتِه وأيديولوجيتِه، مكتفيًا بإعادة إنتاج قناعاتِه داخل دوائرَ مغلقة. وبدلَ أن يكونَ الاختلافُ والتباينُ مدخلًا للتفاعلِ الخلّاق ومدِّ جسورِ التواصل، تحوّلَ إلى قطيعةٍ معرفيةٍ أعاقت تشكّلَ خطابٍ ثقافيٍّ جامع. وفي ظلِّ هذا الانكفاء، فقدتِ الثقافةُ كثيرًا من حيويتِها، وتراجعت قدرتُها على التأثير، لتغدو ممارسةً نخبويةً معزولة، بدلَ أن تنهضَ بدورِها كأداةٍ لإنتاجِ الوعي وقيادةِ المجتمع.
في هذا الإطار، قدّم حزبُ البعثِ العربيِّ الاشتراكيِّ تصورًا للثقافة بوصفِها جزءًا من هويةِ مشروعٍ نهضويٍّ شامل، يربطُ بين الوعي القوميّ والتحرّر الاجتماعي، وبين الديمقراطيةِ التعدديةِ والوحدة، وبين التنميةِ المتوازنةِ والمساواةِ والسيادة. ويمنحُ المثقفَ دورًا رساليًّا، يتجاوزُ التأمّلَ إلى الفعل، والانعزالَ إلى التفاعلِ الخلّاق. فالثقافةُ هنا ليست منفصلةً عن الأيديولوجيا، بل متداخلةٌ معها؛ تُنتجُ الوعيَ الاستباقيّ، الذي تقومُ الأيديولوجيا بصياغتِه ضمن نسقٍ فكريٍّ نضاليّ، فيما يعملُ الحزبُ على تحويلِه إلى قوّةٍ تاريخيةٍ فاعلة.
ومع ذلك، فإنَّ التجربةَ في سياقاتٍ مختلفة لم تخلُ من اختلالات، حين طغتِ الصيغةُ التنظيميةُ على الحيويةِ الثقافية، وهو ما يفتحُ بابَ إعادةِ التقييم انطلاقًا من أصلِ الفكرة.
ومن هنا تكتسبُ ذكرى التأسيس 79 معناها العميق، باعتبارها مناسبةً للتأمّل في واقعِ الثقافة والمثقفين، واستعادةِ الأسئلةِ المُحرِّضةِ الاستباقية المرتبطةِ بدورِهم وحدودِ تأثيرِهم وعلاقتِهم بالفعلِ العام وقضاياه المركزية. فـ”الثقافةُ هي النضال، والمثقفُ هو من يربطُ مصيرَه بمصيرِ أمّتِه ومصالحَه بمصالحِ شعبِه”، كما أوضح ذلك القائدُ المؤسس ميشيل عفلق، كما تُشكّلُ هذه الذكرى فرصةً لتجديدِ التأكيد على دورِهم، الذي لا يتأتّى إلا عبر الإيمانِ بالحوار، وإقامةِ ومدِّ الجسورِ الوطنيةِ والقومية لا قطعِها أو هدمِها، بوصفِه مدخلًا ضروريًّا لبناءِ أرضيةٍ مشتركةٍ في ظلِّ التحدياتِ الراهنة، عبر أوسعِ جبهةٍ ثقافيةٍ شعبية.
فالتحدياتُ التي تواجهُ المجتمعاتِ اليوم تفرضُ على كلِّ فريقٍ، بوضوح، ضرورةَ فهمِ الآخرِ وقبولِه بحسبانِه مصدرَ قوّة، سواء كان منتميًا منظّمًا أو غيرَ منظّم، والعملَ على البحثِ عن نقاطِ الالتقاء بدلَ التمترسِ خلفَ الاختلافات.
“فعندَ كلِّ نقطةِ التقاءٍ
ما أقربَ السماءَ
ما أروعَ المطرَ”
وهنا تتجلّى أهميةُ وعيِ المثقفين، لا بوصفِهم ناقلين أو منتجين للأفكار، بل بوصفِهم قادةً للوعي، القادرين على توجيهِ الرأيِ العام نحو ما يعزّزُ وحدةَ المجتمع وتعايشَه وسِلمَه الأهلي.
نحنُ نؤمنُ أنَّ العلاقةَ بين الثقافةِ والأيديولوجيا تقومُ على ترابطٍ عضويّ: فالثقافةُ تُنتجُ الوعي، والأيديولوجيا تُنظِّمُه ضمن نسقٍ فكريّ، والأحزابُ تُحوِّلُه إلى فعلٍ نضاليٍّ تاريخيّ. وأيُّ اختلالٍ في هذه العلاقةِ يُفضي إلى فقدانِ التوازن؛ إذ تفقدُ الثقافةُ اتجاهَها إن عُزلت، وتتحوّلُ الأيديولوجياتُ إلى شعاراتٍ جامدةٍ إن انفصلت عنها، بينما تصبحُ الأحزابُ أجهزةً بلا روحٍ إن افتقدت الاثنين.
وفي هذا السياق، تبرزُ أهميةُ المرونةِ لدى المثقفين، وقدرتُهم على استيعابِ وإدارةِ الاختلاف لا إلغائِه وتحويلِه إلى حواجزَ ومصدّات. فالتلاقي لا يعني إلغاءَ التباينِ والتعدّد، بل توظيفَه ضمن مشروعٍ ثقافيٍّ يستندُ إلى القواسمِ الجامعة، ويُعيدُ الاعتبارَ لدورِ الثقافة كرافعةٍ للوعي والتغيير، لا كأداةٍ لتعميقِ الانقسام أو تكريسِه. فغيابُ هذه القواسمِ يفتحُ البابَ للتفكك والتشظّي، كإحدى أدواتِ التبعيةِ والهيمنة، بينما حضورُ الثقافةِ بوصفِها مساحةً للتفاعل يُتيحُ ترميمَ ما تصدّع.
ويقدّمُ السودانُ نموذجًا دالًا على تعقيداتِ هذه العلاقة، حيث ما زالت حالةُ الاستقطابِ الحادّ تُعيقُ إنتاجَ خطابٍ ثقافيٍّ توافقيٍّ واسع. ويتجلّى ذلك في تباعدِ المبادراتِ الثقافيةِ خلال فتراتِ النزاع واحتدامِ الصراعات، وعجزِها عن تشكيلِ منصةٍ مشتركةٍ قادرةٍ على مخاطبةِ المجتمع ككل. والناتجُ أنَّ أغلبَ الجهودِ والمبادراتِ المستقلةِ في مناطقَ مختلفةٍ حبيسةُ التأثيرِ المحليّ، دون قدرةٍ على بناءِ خطابٍ وطنيٍّ جامع. وهو ما يجعلُ الحاجةَ ملحّةً إلى تلاقي رؤى المثقفين المختلفة، لا لتذويبِها، بل لتفعيلِها ضمن رؤيةٍ وطنيةٍ تستعيدُ الحدَّ الأدنى من التوافقِ الضروريّ للنهوضِ والتقدّم ووقفِ الحربِ العبثية ومهدّداتِها.
إنَّ استعادةَ دورِ الثقافةِ بوصفِها جزءًا من هويةِ مشروعٍ وطنيٍّ وقوميٍّ واعٍ لا تعني مصادرةَ حريتِها، بل تحريرَها من العزلة، كما أنَّ إعادةَ الاعتبارِ لفكرةِ الانتماء لا تعني الانغلاق، بل تنظيمَ الفعلِ الجماعيّ وتوجيهَه. وبين هذا وذاك، تتأكدُ الحاجةُ إلى مثقّفٍ يرى في التزامِه قمّةَ الحرية، كما قالها د. إلياس فرح، وامتدادًا لدورِه تجاهَ وطنِه وأمّتِه.
في المحصّلة، يظلُّ الوعيُ طريقَ التحرّر، وتبقى الثقافةُ، حين تتصلُ بمشروعٍ واضح، قادرةً على إعادةِ بناءِ المجتمعات. وفي ذكرى التأسيس 79، لا يكونُ استدعاءُ الماضي غاية، بل مدخلًا لصياغةِ ما هو آتٍ، حيث لا خلاصَ دون وعي، ولا وعيَ دون ثقافةٍ فاعلة، وجسرُ الحوارِ المفتوح هو الطريقُ لصياغةِ المستقبلِ على أسسِ المشاركةِ والالتقاءِ في ما يجمعُ الكلَّ، متساوي الحقوقِ والواجبات.
“وعلى قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائم”
وإلى الأمام.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.