في ذكرى ميلاده التاسعة والسبعين ما سر بقاء سنديانة “البعث”وشموخها طوال تلك السنين؟

صحيفة الهدف

نبيل الزعبي – لبنان

في علوم الحياة، من الطبيعي، بل والحتمي أن يشيخ الجسد ويتعرّض لشتى التحوّلات العمرية منذ ولادته إلى مرحلة الشباب وصلابة العود انتهاءً بمرحلة الكهولة والفناء.

تختلف الأفكار التي تحملها أدمغة البشر وتتحول إلى ما يشبه الجينات التي تنتقل بالوراثة من جيلٍ إلى آخر قوامها البصمة الوراثية التي تهتم بتحديد شخصية هذا الفرد وذاك من خلال حمضه النووي، وكذلك الأفكار هي السبيل للتعريف بين المكوّنات السياسية والاجتماعية التي تحمل أهدافًا للتغيير ومبادئ تمثل الثوابت الثقافية والإنسانية والنضالية التي تستهدي بها في يومياتها.

مع حلول انتهاء العقد الثامن على تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي، يتجذَّر الفكر الإنساني القومي العربي الذي ربط الوحدة العربية بالعدالة الاجتماعية وامتلاك حرية الإرادة الذاتية واستقلال الشخصية العربية العامة من كل استلاب متعمد لتاريخها وتراثها، حاضرها ومستقبلها، وبالتالي

يتحول”البعث” اليوم بكل تلك المعاني إلى ما هو أشبه بشجرة السنديان لما يمتلك من صلابة وجذور عميقة تتحدى تقلبّات الزمن كرمزٍ للقوة والثبات التي لا تذبل وتتشقق بفعل الرياح والعواصف وإنما تجعل من كل ذلك عوامل ديمومة واستمرار محافظةً على ربيعها الدائم، ولا عجب أن تعيش السنديانة وتعمّر المئات من السنين ويصل البعض منها إلى الألف.

بحلول الذكرى التاسعة والسبعين لتأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي يشتدُّ العود والساعد ويقوى أكثر وأكثر بالرغم من غادرات الزمن والزلازل التي تعرّض لها التنظيم القومي للحزب ومن غير السهل تعدادها والأهون الأهون منها كفيلُّ بإلغاء كيانات سياسية اعتبرت نفسها الأقوى والأصلب جذورًا فتهاوت رغم كل ماكانت تمتلك من امتدادات إقليمية ودولية ووقفت وراءها قوىً عظمى  فتشظَّت واتسعت الفجوات ما بين النخبة والرموز  فيها لتسحب نفسها أفقيًا وعاموديًا على مختلف الأطر ولا مجال هنا للتوسع في ذلك وتجربة انفراط الاتحاد السوفياتي مطلع تسعينيات القرن الماضي، لم تزل حاضرة في الأذهان.

إلى ذلك فإنه تكاد لا تُحصى أو تُعَد الرهانات على إنهاء حزب البعث العربي الاشتراكي فكرةً وتنظيمًا منذ تأسيسه حتى يومنا هذا، غير أن أقساها وأشدّها خطورةً وباءتا بالفشل تمثّل في محطتين أساسيتين :

– الأولى: عندما حصلت ردة 23 شباط  1966 في سوريا ولم يقتصر التآمر على الحزب وقيادته التاريخية والشرعية فحسب وإنما تم السطو على الحزب بالتزامن مع الاستيلاء على ثورته في الثامن من آذار 1963وبلغت الأمور إلى حد تزييف التاريخ واعتقال المؤسس واختلاق شخصًا مغمورًا ليكون بديلًا عن الأصيل، مصادرين الفكر والأدبيات ومع كل ذلك لم يصمدوا أمام تزويرهم وانكشفت باطنيتهم وأحقادهم على الحزب والعروبة وتظهّرت انتماءاتهم المذهبية ووسمت تاريخهم وماضيهم الأسود بإدخال سوريا العربية في شتى أشكال وآتون الغرائز الطائفية التي أوصلت هذا القطر العربي العزيز إلى ما وصل إليه بعد خمسة عقود من السنين لم تصمد فيها الكذبة وما لبثت أن اندحرت غير مأسوفٍ عليها بعد كل سنوات الغدر والتزييف.

-والثانية :عندما احتل مغول العصر بغداد في العام 2003 ولم يكن الدافع إلى ذلك سوى عاملين اثنين :

-وجود حزب البعث العربي الاشتراكي وقدرته على تطبيق أفكاره وأهدافه القومية والاجتماعية وبناء القدرة الأمنية والعسكرية والعلمية القادرة على حماية البوابة الشرقية للوطن العربي -وتحقيق شعار بترول العرب للعرب والتهديد الفعلي للعدو الص.هيوني، الذي أدرك أن  تحرير بيت المقدس على مدى العقود وحقبات السنين لم يكن إلا على أيدي العراقيين، فكيف بوجود “البعث” الذي يؤمن بأن صراع الأمة مع هذا العدو هو صراع وجود لا حدود، في الوقت الذي تيسّر للعراق قائدًا تاريخيًا بمستوى وطراز صدام حسين فكان الهدف رئيس العراق وقائد “البعث” لإنهاء كل دور تحرري للبلد العربي الذي عُرِفٓ بجمجمة العرب فكيف وقد امتلك قوتي السلاح والنفط.

ومع كل ما تعرّض له العراق بعد حصاره لسنين وتحشيد أكثر من ثلاثة وثلاثين دولة لغزوه واحتلاله وتسليمه فيما بعد لحكم الملالي بهدف ضرب نسيجه الوطني في الصميم وإغراقه في صراعات داخلية مذهبية  كان الهدف الوحيد لها هو إنهاء “البعث”فكرًا وتنظيمًا إلى الأبد باستحداث ( الاجتثاث) والتنكيل بكل بعثي وملاحقة واغت.يال من هو في أدنى العضوية إلى أعلى المواقع لتمر على الاحتلال ثلاث وعشرين سنةً حتى اليوم دون أن يهتز الكيان الفكري والتنظيمي الحافظ للحزب الذي فاجأ القريب والبعيد مؤخرًا بانعقاد مؤتمره القومي الثالث عشر مع بداية هذا العام وانتخاب قيادة قومية جديدة وأمينًا عامًا خبرتهم التجارب والمِحَن والمعتقلات بعد أن راهن المُغرِضون والمشكّكون استحالة ذلك للأسباب الأمنية واللوجستية التي يمر بها منذ غزو واحتلال العراق في العام 2003 لتبقى السنديانة شامخةً أمام العواصف والرياح والزلازل ويعود “البعث” ليقضّ مضاجع العملاء والساقطين بالتزامن مع تصاعد حنين  الشعب العراقي الذي يرنو إلى أيام “البعث” أكثر من أي يومٍ مضى محصنًا بالتجارب التي لم تغادر الذاكرة رغم كل سنوات الاحتلال، سواء أيام الحكم الوطني التقدمي المهاب الجانح الذي اكتسب احترام واعتزاز الأمة وهو يدافع عن حياض الوطن وبوابته الشرقية، أو في أقسى مراحل النضال السلبي والشدائد والملاحقات التي طالما شدّت من  عزيمة البعثيين وزودتهم بالمرونة الفائقة والصبر والمطاولة وهم يواجهون التحديات بقدر إمكانياتهم الإعجازية  على الصمود ومنع حالات اليأس والخوف والإحباط من التسرُّب إلى الحزب أو الاستسلام للأمر الواقع والانزواء جانبًا على هامش الأحداث.

تحية وفاء وتقدير إلى كل من حمل ويحمل جمرات المبادئ من رفيقات ورفاق في كل ساحة من ساحات الوطن العربي الكبير والمَهاجر والمنافي وداخل المعتقلات وتحت تراب الأضرحة الطاهرة، لهم جميعًا المجد ولرسالة الأمة الخلود.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.