كلمة الطليعة:

صحيفة الهدف

  من يصلح الجسور الوطنية إذا انقطعت؟

على مدى أكثر من ثلاث سنوات من العدوان الصهـ.ـيوني على لبنان بدءاً من اليوم التالي لعملية “طوفان الأقـ.ـصى”، وحتى الأول من آذار  2026، لم تتعرض الجسور والبنى التحتية في لبنان لقـ.ـصف تدمـ.ـيري، لكن بعد شهر تقريباً من اتخاذ “حـ.ـزب الله” قرار المشاركة بالحـ.ـرب إسناداً لإيران بعد اغتيال رأس النظام فيها ومرشده، علي خامئني وكل أركانه ورموزه؛ أطلق العدو العنان لآلته الحـ.ـربية البرية والبحرية والجوية لتقصـ.ـف ما سمته أهدافاً عسكرية واقتصادية للحزب وتنفيذ عمليات اغـ.ـتيال بحق أفراد، بعضهم لانتسابه لما يسمى بالحرس الثوري وبعض آخر لانتسابه للحزب أو لفصائل فلسـ.ـطينية على صلة بالنظام الإيراني. وطيلة الأسابيع الثلاثة الأولى من بدء المواجهة الشاملة بين التحالف الصهيو – أميركي وإيران، وتفريعتها على جبهة لبنان، لم يطل العدو الصهـ.ـيوني بعملياته العسكرية بنى تحتية من جسور وغيرها، إلا أنه أعاد أدراجها في صلب بنك أهدافه بذريعة منع عبور ووصول الإمداد للمقـ.ـاتلين الذين يتصدون له في الحافات الأمامية وفي القرى التي يحاول الدخول إليها لتوسيع رقعة احتلاله.

هذه الذريعة التي تغطى وراءها العدو لتبرير قصـ.ـفه للجسور لم تصمد أمام  تصريحات ومواقف مسؤوليه السياسيين  والأمنيين والعسكريين، بأن مرافق لبنان من جسور وغيرها من البنى التحتية ستكون عرضة للتدمـ.ـير إن لم تبادر الدولة وتجرد “حـ.ـزب الله” من السـ.ـلاح، والمسمى تلطيفاً بـ”حصرية السـ.ـلاح”. وبما يؤشر إلى أن العدو يريد توظيف قصـ.ـفه للجسور في تعميق الشرخ الداخلي الناجم عن السجال السياسي حول هذا الموضوع، وبالموازاة مع العمليات العسكرية الصـ.ـهيونية التي استهدفت بعض الجسور والمرشحة لاتساع مروحتها، بدأت ترتفع مؤخراً أصوات من داخل الكيان الصـ.ـهيوني ومنهم وزراء في حكومة نتـ.ـنياهو تدعو إلى اعتبار نهر الليطاني هو الخط الذي يجب اعتماده حدوداً للكيان على الجبهة الشمالية. وإدخال هذا الاعتبار ضمن استراتيجية العدو حيال لبنان يفضي بالضرورة إلى تـ.ـدمير كل مقومات الحياة فيها من زرع وضرع وسكن، وترسيم هذه الحدود بزنار من النار تمهيداً لترسيم سياسي لاحقاً في ضوء ما يترتب من نتائج لسياقات المواجهة على هذه الجبهة.

إن هذا الذي يدعو إليه العدو الصـ.ـهيوني، ليس أمراً جديداً فرضته معطيات المرحلة الحالية بعد التطورات العسكرية والسياسية التي سبقت عملية “طـ.ـوفان الأقـ.ـصى” وما تلاها، وآخرها المواجهة الواسعة النطاق بين أميركا “وإسـ.ـرائيل” من جهة، وإيران من جهة ثانية، والتي دخلها “حـ.ـزب الله” تحت شعار إسناد إيران ثأراً لمـ.ـقتل خامئني. ومن يعود بالتاريخ إلى عقود من الزمن، يقف على تصريحات صهـ.ـيونية، لعل أبرزها ما أفصح عنه وزير خارجية الكيان الصـ.ـهيوني موسى شاريت في بداية الخمسينيات، والذي  يعاد استحضاره والتذكير به في كل مرة تحصل فيها مواجهة ساخنة مع العدو، وما يجري حالياً ليس إلا فصلاً من فصولها، وهذا كله ينطلق من أساسيات المشروع الصـ.ـهيوني الذي يعتبر حدود كيانه  تمتد ما بين الفرات والنيل، وبحسب هذا المفهوم التوراتي –  التلمودي لدولة “إسـ.ـرائيل” فإن كل لبنان، وليس فقط جنوبه، يدخل ضمن حدود هذه الدولة.

وعندما يكون المشروع الأصلي يستهدف كل لبنان، فهذا يعني أن الاستهداف لا يطال الأرض فقط؛ وإنما البشر الذين يقيمون عليها. ولعل الذي تعرضت له فلسـ.ـطين هو خير مثال لذلك، وما يتعرض له جنوب لبنان هو مثل إضافي.

اذاً، إن إدراك البعد الحقيقي لطبيعة المشروع الصـ.ـهيوني التوسعي، يضع الجميع ضمن إمداءاته بكل الخطورة التي ينطوي عليها. والعدو الصـ.ـهيوني لا يحتاج عادة إلى مبررات وذرائع للقيام بأعمال عـ.ـدوانية ضد الدول العربية، بل يُقْدِمُ على تنفيذ ما يراه مؤاتياً لاستراتيجيته وإن كان على مراحل، وما حصل مع سوريا بعد سقوط النظام نهاية 2024، خير شاهد على ذلك، وهذا يدفع إلى وجوب الكف عن جلْدِ  النفس حول اعتبار أن العدو ما كان ليشن أو ليصّعّد عدوانه لو لم تتوفر المبررات له.  لأن الاستمرار بهذا الجلْد سيرتد على الداخل اللبناني بتوسيع  شروخاته وهو الذي تتجاذبه اتجاهات متعارضة حول إدارة  العلاقات مع القوى الخارجية على اختلاف أجنداتها السياسية في تعاملها مع معطى الواقع اللبناني.

تأسيساً على ذلك، فإن إقدام “حـ.ـزب الله ” على الانخراط في ما سماه حـ.ـرب إسناد إيران، ليس هو السبب  الفعلي الذي دفع العدو  لتنفيذ أمر عمليات عسكرية جديد وواسع النطاق ضد لبنان، لأن العدوان كان قائماً لعدم التزامه بما نص عليه اتفاق ما سمي بوقف الأعمال العدائية. لكن الذي حصل بعد انخراط “حزب الله” في حرب  إسناد إيران كان رفعاً  لوتيرة العدوان وليس انشاءه.

إن المقاربة للمواقف السجالية حول الذي تشهده الساحة اللبنانية  تفضي إلى القول أن “حـ.ـزب الله” لم يعر أهمية لعدم توفر مشروعية وطنية  لانخراطه بالحـ.ـرب عبر استئناف عملياته العسكرية ضد العدو  ثأراً لمـ.ـقتل خامئني، وهو ما ولد ردة فعل سياسية وشعبية معارضة لهذا الانخراط سنداً لهذا التبرير، ولو كان قد أعطى تبريراً  لانخراطه انطلاقاً من كون العدو لم يلتزم أصلاً بوقف إطلاق النار الذي تم التوافق عليه في 27 تشرين الثاني 2024, وإن تحرير الأرض هو فرض عين وهو واجب وطني، وإن الفرصة سانحة لإطلاق عمليات مقاومة لتحرير النقاط الخمس التي احتلها العدو سابقاً، لما كانت ردود الفعل السياسية، الرسمي منها وغير الرسمي، اتخذت هذا المدى من الاتساع، ولما بدت وكأن تفاعلات الأزمة في بعدها الداخلي تتقدم عن تلك الناجمة عن الاحتلال والمواجهة مع العدو.

لكن وقد وصلت  الحالة إلى ما هي عليه، فإن خطأً جسيماً حكم  سلوك “حـ.ـزب الله”  من ناحية أولى، ومثله سلوك المعترضين عليه من ناحية ثانية.

أما خطأ “حـ.ـزب الله ” فتمثل، بجعل خصوصية علاقته مع النظام الإيراني، تحتل الأولوية في تحديد خياراته السياسية على مستوى الداخل والخارج، وهذا ما أدى إلى تثقيل لبنان بعبء ٍ إضافي وفيه ما يكفيه من المشاكل وندوب الجروح التي لم  تندمل بعد. وقد تمادى خطأه أكثر برفع سقف خطابه السياسي ضد المعترضين على خياراته وقراراته حد التخوين، وهو اتهام خطير لا يجوز أن يدخل في ميدان المساجلات السياسية مهما بلغت درجة الاختلافات السياسية حول ملفات داخلية أو ملفات العلاقة مع الخارج إقليمياً كان أو دولياً. وهذا أدى إلى رفع منسوب التوتر في العلاقات السياسية الداخلية في وقت تشن فيه حـ.ـرب على لبنان ودولته ليست  أصلاً صاحبة القرار في الانخراط بها من عدمها.

وأما خطأ المعترضين على سلوك “حـ.ـزب الله” من الموْقِعين الرسمي وغير الرسمي، فيكمن في كونهم،  نظروا إلى التطورات الأخيرة والتي سجلت تصعيداً وتوسيعاً في مروحة العدوان بالاستناد إلى معطى اللحظة الحاضرة ولم يتوقفوا عند كونها  حلقة من مسلسل  تنفيذ المشروع الصـ.ـهيوني الأصلي التوسعي في المنطقة  ولبنان ليس بمنأى عن امداءاته. وهو قائم سواء بالانخراط بإسناد غـ.ـزة أو بدونها أو بإسناد إيران أو بدونها، علماً ان الانخراط في حـ.ـرب إسناد غـ.ـزة أكثر مشروعية من تلك تم الانخراط بها إسناداً لإيران، نظراً للموقع الذي تحتله القضية الفلسـ. ـطينية في الوجدان الجمعي العربي ولبنان جزء عضوي منه ونظراً للمظلومية الوطنية والقومية والإنسانية التي يعيشها شعب فلسـ. ـطين وإسناد شعب فلسـ ـطين واجب قومي ووطني .

لقد أدى اتساع نطاق المواجهة وتصعيد وتوسيع نطاق العمليات العسكرية، إلى نتائج ضاغطة على الواقعين الشعبي والاقتصادي الاجتماعي كما على معطى الواقع السياسي. وإذا كان الجانب الاقتصادي تجلى في جمود الحركة الاقتصادية  وتعطيل العديد من مرافقها الصناعية والزراعية والخدماتية؛ فإن الأصعب منها هو النزوح الواسع والمشاكل التي تولدت عن القدرة المحدودة باستيعابه بتأمين  مراكز الإيواء التي تتوفر  فيها الحدود الدنيا من الضرورات الحياتية، هذا إلى الارتفاع في عدد الضحايا بين المدنيين وأولئك الذين يقومون بتأمين الخدمات الاسعافية.

وأما الأشد ضغطاً على الواقع اللبناني فبرز  في سجالات المخاطبة السياسية التي تجاوزت الحدود المقبولة وطنياً، سواء الصادر منه من الفريق الذي يهدد بالثبور وعظائم الأمور إذا لم تتم مقاربة الأمور وفق حيثيات موقفه بكل تبريراتها، أو الصادر عن الطرف المعترض الذي   تمحورت مواقفه عند معطى اللحظة الأخيرة.

  أما وان الحـ.ـرب قائمة، ومروحتها آخذة بالاتساع والنار ستلتهم  الجميع بغض النظر عن  التقييمات المتعارضة لأسباب تصعيد العدوان؛ فإن المساءلة والمحاسبة  عمّن أوصل البلاد إلى ما هي عليه من تردٍ عام في أوضاعها، لا تتم تحت ضغط حماوة العمليات العسكرية، لأن الأولوية في مثل هذه الحالة تكون لإطفاء الحريق حتى لايتسع مداه، وبعدها تأتي خطوة البحث عن الأسباب والمسببين، وهذه تعالج عادةً على البارد وليس تحت ضغط النار، وذلك درءاً لمخاطر توسيع مساحة الشروخات الداخلية، وهو ما يسعى العدو لحصوله لعدم تمكين لبنان من استعادة  عافيته، ووحدة مرجعيته السياسية  وكي يبقى ساحة مستباحة يدير من خلالها أجندة مشروعه الخاص على حساب لبنان ووحدته الوطنية وتضحيات شعبه وابنائه الذي يقاومون في الحافات الأمامية.

إن المشروع الصهـ.ـيوني الذي يستهدف الكل الوطني في كل ساحة يرى فيها مجالاً حيوياً لمشروعه  – وهو لا يحتاج إلى براهين إضافية لإثبات ذلك –  وما شهدته وتشهده الساحة الفلسـ.ـطينية مثال حي وقائم، وعليه فإن  مواجهته لا تتم بتعميق الشرخ الداخلي، بل بحراك وطني شامل على أرضية موقف موحد في الرؤية حول اعتبار العدو الصهـ.ـيوني ليس عدواً لحزب أو فئة أو طائفة بعينها؛ بل هو عدو لكل الشعب بمختلف طيفه المجتمعي، وإن حماية لبنان من الأخطار التي تتهدده لا يكون في التخندق المتقابل وتقاذف الاتهامات، بل المدخل للحماية هو رسوخ القناعة لدى الجميع  بأنها مسؤولية وطنية شاملة، وإن من يدير مواجهة الأخطار ويتحمل عبئها هي الدولة بما هي هيئة اعتبارية تعلو الجميع.

وهذا يتطلب أولاً: إسقاط منطق التخوين المتبادل، وثانياً،  الإقلاع عن الاستقواء بالخارج الدولي أو الإقليمي لأن نتائجه ستكون كارثية على الفريق المستقوي، إن خرج منكسراً سيتم الاستقواء عليه أو منتصراً باستقوائه على الآخرين، وثانياً ستكون خطيرة على المعطى الوطني العام لأنها سترفع من منسوب التوتر الداخلي. وتفادياً للوقوع في هذا المأزق، لا سبيل للخروج من ذلك إلا بإعادة الاعتبار للدولة التي بقدر ما تكون قوية بقدر ما تكون قادرة على إدارة ملفات الحـ.ـرب بكل سياقاتها وتلقي نتائجها كما ملفات السلم الذي يستجيب لضرورات الأمن الوطني دون انتقاص من السيادة وتوفير مقومات الأمن الحياتي للمواطن.

إن الجسور التي يدمرها العدو سهل إعادة بنائها، لكن الصعب هو إعادة بناء الجسور السياسية في الداخل الوطني، وهذه لا تبنى إلا باستعادة لغة المخاطبة الوطنية المسؤولة ،أولاً، والتسليم بمرجعية الدولة بوظائفها الحمائية والرعائية، ثانياً.

  هل يعي الجميع خطورة ما يتهدد لبنان وهو في قلب العاصفة إن لم نقل في فم التنين؟

*تصدر عن حزب طليعة لبنان العربي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.