تأثير الحرب والزراعة النقدية على الأمن الغذائي في السودان
✍🏽خالد ضياء الدين
تشهد البلاد منذ أبريل 2023 صراعا مسلحا بين الجيش وقوات الد-عم السريع، أدت إلى أزمات في الإمدادات والاقتصاد المحلي. من أبرز مظاهر هذه الأزمة منع وصول السلع الاستهلاكية إلى مناطق سيطرة الطرفين، ما أفرز ضغوطا كبيرة على السكان والاقتصاد الزراعي، وهنا ساركز على زراعة التمباك، بعد ان كثر الحديث عن بداية نقل تجربة زراعته في ولاية الجزيرة كرد فعل في ظاهرة تعويض النقص بعد ثبوت منع الد-عم السريع اكثر من مرة لشاحنات محملة بالتمباك كانت في طريقها لمناطق في شرق ووسط وشمال البلاد.
• زراعة التمباك في ولاية الجزيرة: تجربة محفوفة بالمخاطر:–
في خضم هذه الأزمة، بدأت تظهر محاولات محدودة لزراعة التمباك في ولاية الجزيرة، في تجربة تبدو جاذبة للمزارع لأنها قد تعطي عائدا ماليا أسرع وأعلى من القمح والقطن. ومع ذلك، تحمل هذه التجربة مخاطر كبيرة على الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني إذا ما توسعت بشكل غير محكوم، إذ أن تحويل الأراضي من الحبوب الغذائية إلى محاصيل غير غذائية ينذر بانخفاض إنتاج الغذاء المحلي وزيادة الاعتماد على الاستيراد، خاصة حال اكتشف المزارع عائدها الكبير مقارنة بالمحاصيل الغذائية ومشاكل التمويل والبنوك وانخفاض السعر مقابل التكلفة.
• نماذج دولية: التبغ والزهور على حساب الغذاء:–
تظهر التجارب العالمية أن التحول نحو المحاصيل النقدية مثل التبغ، القطن الصناعي، أو الزهور حتما يكون له أثر سلبي على الاقتصاد والأمن الزراعي،
فزيمبابوي مثلا حولت الأراضي من الذرة إلى التبغ ما تسبب في أزمة غذائية حادة واضطرار البلاد لاستيراد الغذاء.
كذلك الهند وأمريكا اللاتينية، قامت بزراعة محاصيل “نقدية” على حساب الحبوب الأساسية، وهذا بالضرورة أدى إلى ارتفاع أسعار الغذاء واعتماد أكبر على الأسواق العالمية، والامثلة كثيرة.
• تشجيع إمبريالي: زراعة محاصيل ذات عائد مادي على حساب الامن الغذائي:–
في كثير من الحالات، يشجع السوق العالمي والقوى الاقتصادية الكبرى مثل هذه الزراعة النقدية لأنها تزيد اعتماد الدول على الصادرات وتقوي نفوذ الأسواق العالمية على الغذاء المحلي. بذلك، يتحول اختيار المحصول من قضية محلية إلى أداة ضغط اقتصادي واستراتيجي.
• المردود المالي الخاص مقابل خسارة الوطن:–
قد يستفيد المزارع مادياً من زراعة التمباك، لكنه في المقابل يخسر الوطن والمواطن من شح القمح والزيوت ماينعكس على اقتصاد البلد الذي يتحول من الاكتفاء الذاتي او تغطية جزء كبير من احتياجات السوق المحلي الى مستهلك يطلب الغذاء من الخارج، وبذلك يتضعضع الاقتصاد وتكثر الديون ويرهن مستقبل الوطن وسياساته الداخلية والخارجية للبنوك الدولية والمنانحين.
انخفاض إنتاج الحبوب الأساسية يزيد من الاعتماد على الاستيراد، ما يضغط على العملة الوطنية ويضعف الاقتصاد الداخلي.
يخلق تحديات جديدة في السياسة الداخلية والخارجية، إذ تصبح الدولة عرضة لتقلبات الأسعار العالمية وسيطرة الأسواق الأجنبية على الغذاء.
•خسارة مشروع الجزيرة درس يجب أن نتذكره:–
وقد سبق أن خسر السودان جزءًا كبيرًا من إنتاج القطن والقمح في مشروع الجزيرة بسبب عوامل اقتصادية وسياسات لحكومات فاشلة متعاقبة، والآن هل سنسمح بخسارة سلة الغذاء لصالح التمباك؟.
الأمن الغذائي للسودان ليس مجرد مسألة زراعة وقرار مزارع، بل استراتيجية وطنية ترتبط بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
عليه إن أي تجربة زراعية للتمباك في السودان، على حساب مناطق زراعة المحاصيل الغذائية يجب أن تبقى محدودة وتحت إشراف دقيق، وفي مناطق اخرى “هذا اذا كان لابد من توسيع رقعة زراعته” مع ضمان استمرار إنتاج الحبوب الغذائية والمحاصيل الاستراتيجية. فالمصلحة الوطنية أكبر من الربح الفردي المؤقت، وأي تهاون في هذا المجال قد يجعل السودان يعتمد على الآخرين لتوفير غذائه ويضع أمنه الزراعي في خطر وبالتالي يتسول طعامه مقابل حصول الفرد على كيس تمباك.

Leave a Reply