الشاعر الإنسان محمد الحسن حسن سالم (حمِّيد) في حوار لـ(التاريخ):

صحيفة الهدف
  • المدون من قصائدي الباكرة ضاع في قطار كريمة منتصف السبعينيات
  • كنا نلتهم المعرفة من مكتبة (دبورة) مثلما نلتهم فول (اليمانية)
  • لو كانت العلاقات الإنسانية تُبنى على الأيديولوجيات، لامتلأت الشوارع بالمطلقين والطالقات
  • قصائدي ليست لحزب أو تيار بل لكل الناس
  • أكتب للشعب والوطن.. والإبداع فوق كل الانتماءات السياسية
  • القصيدة عندي كائن حي، لا تنتهي بكتابتها.. أعود إليها دائمًا لـ(…)
  • المرأة في شعري ليست جسدًا فقط، بل إنسان كامل، صامد، واعٍ
  • الغضب في شعري نتاج وعي بما يعيشه الفقراء والمهمشون، واحتكاكي بالسلطة التي تتلذذ بسحل الشرفاء
  • الشعر في مكنونه عملٌ ضخم ومسؤولية الشاعر أن يعي قيمة هذا العمل ويستثمره بضميره ووعيه
  • الشاعر الحقيقي يحتاج إلى وقت طويل ليجلس مع السؤال، ليس كالسياسيين يستعجلون الإجابة
  • قصائدي خرجت من أفواه الناس العاديين، ومن المنابر والمغنين، وخصومها زادوها بريقًا لم تستحقه
  • لم أبدأ الشعر غضبًا بلا سبب، بل كنت أراقب الواقع المظلوم، والسلطة التي تصادر حقوق الناس
  • السلام والوطنية حلمي الخاص
  • أنا لا أضع قصائدي في خدمة الأحزاب فالإبداع حرّ، والقصيدة للجميع قبل أي جهة

حوار: عثمان عوض ضرار

حالة الحب والتزاوج التي تحدث بين الأسئلة وأجوبتها عند بعض المبدعين تأخذ وقتًا طويلًا، عكسها عند بعض السياسيين أصحاب من أول نظرة، الذين ما إن تهاتفهم بأنك تود محاورتهم، إلا ويستعجلونك، وقد يلاحقونك إن تباطأت!!

فالمبدع الحقيقي يحتاج إلى أن يقطع شوطًا بعيدًا حتى يُقنع نفسه بالجلوس إلى الأسئلة أو بالجلوس إلى السائل. وهذا الشوط يبدأ بالنفور، ثم بالتقارب، إلى أن ينتهي بالألفة والمحبة. وما بين البداية والنهاية لزوجة، ثم انسياب، بفضل تهيئة المبدع لذاته وترويضه لتمردها الذي يرفض أن يُثقَل بسؤال وأن يُحمَل على إجابة.

و(حمِّيد) حينما نقلت له رغبتي النبش بيده في مشروعه الشعري والنظر إليه بعينه، كان رده “ادها صنّة التفج”، وهذه الصنّة امتدت من أبريل إلى ديسمبر، أي من الصيف إلى الشتاء. و(قريش) تذهب بتجارتها مرتين وتعود مرتين، وأنا أذهب بهاتفي إلى حيث أجد ولا أجد، وأعود بوعد غير مضروب. حتى ظننت أن لا فائدة!! ولا أدري: أهي (فجت) من (حمِّيد) أم لم تفج، ولا أخالها فجت، لأن (حمِّيد) ليس من المترفين، كما أنه ليس من المتحالفين مع المصلحة، كما أنه ليس من الذاتيين ذوي الأيدي الممدودة والأبواب المغلقة.

 فالطاحونة التي يحملها المبدع السوداني في رأسه تشغله حتى عن الوقوف للحظة والنظر إلى صورته في مرآة الإعلام أو حتى في مرآة منزله.

لذا فإن هذا الحوار، بصبر (حمِّيد) عليه وبصبري على (حمِّيد)، حوار للتاريخ.

  •  متى بدأ اهتمامك بالشعر، وهل تتذكر شيئًا من قصائدك الأولى؟

– الشعر في مكنونه هو معضلة شاقة، إلا أنه يأتي في مقدمة الأعمال الصالحة عبادةً إذا سُخِّر لذلك. ومن الطبيعي أن يهتم الإنسان بعمله متى ما أدرك قيمة هذا العمل المادية والمعنوية بالنسبة له كإنسان، ومردود ذلك على وعي مجتمعه. صحيح أنه عمل مضنٍ ويتطلب طاقات ذهنية عالية، لكنه ممتع في نهاية الأمر، مما يُنسيك كل ذلك النزيف. الاهتمام بالعمل، أي عمل، لا يتأتى إلا عن وعي أنك المسؤول الأول عن هذا العمل الحيوي. طبعًا هذا الوعي لا يولد مع الشاعر، إنما يكتسبه من خلال تجربته في هذا المجال، ومن خلال تطوره الفكري. والشعر شأنه شأن الفنون الأخرى، بما فيه من الخصوصية، فهو العمل الوحيد الذي لا يمكن لغيرك أن ينوبك فيه.

المدون من قصائدي الباكرة ضاع في قطار كريمة منتصف السبعينيات، في عملية تداول بين الركاب. عند نزولي محطة كريمة وجدتني هكذا كمن فقد متاع عقله، هرولت هنا وهناك، انتظرت وبحثت طويلًا، ولم يَبِن له أثر حتى اليوم. ربما قذف به أحد الركاب من النافذة في الخلاء الواسع صارخًا في حنق “ده كلام فارغ”. عمومًا لم ينجُ من ذلك الدفتر الكبير إلا ما تناوله المغنون (طعم الدروس وأخواتها)، ومن ثم بدأت أهتم بتشتيت قصائدي بين الناس لأجمعها من جديد.

  • هل بدأت كتابة الشعر غاضبًا حد الاستهزاء على الأنظمة الحاكمة كما عهدناك، أم أنك بدأت كما يبدأ معظم الشعراء حينما يتفتح العشق في قلوبهم وتزدهر أمسياتهم بطيف الحبيبة؟

كلنا نبدأ تلك البدايات المتوارثة، إلا أني، والحق يقال، وجدتني خجلًا للغاية من بداياتي، فهي تفشل في أن تحاكي قصائد شعراء منطقتي الكبار. أظن أنني بدأت غير راضٍ عن حالي وحالنا جميعًا، وساخطًا عليه منذ (طعم الدروس). أما ما تعنيه من غضب، فلا أحد يغضب من غير سبب. فهذا الغضب أنتجه الوعي لكونك تنحدر من بين المسهوكين في الأرض من الغُبش، الفلاحين في الشمال، إلى المدعوكين في أتون الورش الحديدية من العمال في (أتبرا)، إلى معايشتك لواقع أكاديمي أليم بحساب تلك الأيام، وبالمقابل أناس خاملون يتمتعون بالسلطة والثروة، سلطة وثروة تلك الأيام، ويتلذذون بسحل الشرفاء!! فتلك الفترة كانت فترة تشفِّي (المايويين) في أبناء عمومتهم وأصدقاء الأمس، بعد ذلك الزخم من الأناشيد والخطب الثورية التي سوقوها فينا وراجت بين وجداننا، لما تحمله من طرح محكم وبديع، ولما صادفته تاريخيًا من انتعاش في حركات التحرر الوطني التي كانت تنتظم العالم. الفقير في إفريقيا وغيرها، والتي كان الهواء ينقل لنا تطورات أحداثها بدرجة أعلى من الآن، رغم الفارق التقني، وكان معظم الناس على صلة بما يجري بين ميادينها في ارتباط عجيب، مما ترك أثره الكبير على معظم الناشئة من الشعراء. ضِف إلى ذلك وجود مخزون هائل من الكتابات السودانية والعربية والعالمية ذات القيمة الفكرية العالية في شتى ضروب المعرفة الأدبية والعلمية، والتي وفرتها لنا مكتبة (دبورة)، وكنا نلتهمها بنهم مثلما كنا نلتهم فول (اليمانية). كما كان الحال كذلك في مكتبة كريمة، والتي كان يديرها والدنا الشيخ ميرغني البدوي، والتي ابتلعت كل ما كنا نجنيه من بيع الحبال والبرسيم والمنقة والصفوري (الرطب)، مقابل نفحات ونفحات من الكتاب القيّم. السلطة السياسية وحدها هي التي تفجّر في الناس براكين الغضب عندما تذهب بعيدًا عن قضاياهم وهمومهم اليومية الملحّة. وبالطبع لا يمكن للشاعر أن يقف متفرجًا.

  • الشعر قد يكون له تأثير واضح على حياتك. ألم تندم يومًا على أنك شاعر؟ أوليست الشاعرية بالأمر المقلق؟

– نعم.. فكان من الممكن أن يكون حوارنا في غير هذا إن كان، وربما وجدتني من بين الذين لا يمكن الوصول إليهم حاليًا..!! أعترف أنني خرقت قانونًا واتجهت إلى ما أنا فيه الآن من حبس أبدي “دايري تأكلني البيوت”، فالشعر أفقدني وكلفني الكثير جدًا، لأن الإحساس بمسؤولية الشاعر باكرًا لخبط عليّ نموي الطبيعي كبشر من لحم ودم. وأنا يافع، أجد الكبار من الشعراء والمطربين يطرقون بابي للتواصل معي، وهم يأتون من مسافات قصيّة ليجدونني مكندكًا بالتراب من لعب الكرة أو من صعود أشجار النخيل العاليات. كنت أهوى صعود تلك النخلات التي يتركها أهلها للقصور والسروي، ولا يلحقها سوى الريح، إلى أن “حوّطني” جدي من هذا النزق. هذا غير واجب أن أكتب لمغني الحي ومحبي الأغنيات كل أغنية جديدة، وما أصعب هذه المهمة، لأن أولئك النفر من الشعراء والمطربين كان كمن يكتب “يومي على الله” قصيدة جديدة ويلحنها أيضًا، وأنا المنوط به الحفظ من أفواه المغنين الذين كانوا يغيظونني بعدم تكرارهم للمقاطع، “مترحمنين” بغزارة ما في حصيلتهم من إنتاج غنائي.

المهم أن الشعراء هم أنبياء زمانهم، والأنبياء لا يندمون طبعًا. أما إن لم تكن قلقًا على واقع ما فلن تكدح لتغييره. أعني بالقلق ذلك الذي يجتاحك يوميًا ليحضّك على فعل الجميل من التعب.

  • كيف بدأت قصائدك الخروج إلى الناس، وكيف كان شعورك وأنت تعتقل لأول مرة؟

– “السؤال ده مالو قاتل كدي!” قصائدي خرجت مثلما يخرج الماء إلى اليابسة، والأطفال “الغبش” إلى لعب الشوارع. خرجت من أفواه بعض المغنين الصابرين على التعب، ومن على المنابر المتاحة، ومن أشرطة الكاسيت البالية والمشروخة والمجروحة بنباح كلاب الحلة وصياح ديوكها وحفيف الأشجار بفعل هبوب السحر، ومن الناسخين المبتلين بها. وقطعًا لا يعدم الناس الحيلة لإيصال أغراضهم أو للحصول عليها، بيد أن خصومها بمحاربتهم لها جعلوها، وللأسف الشديد، مثلها مثل المحرمات من الحشيش والخمور البلدية تمامًا!! كما أنهم بهذا الهيجان قد أضفوا عليها بريقًا لا تستحقه، وروّجوا لها من حيث لا يدرون. وأنا ممتن لهم في هذا الأخير. باختصار، كما دخلتني هذه القصائد من الناس العاديين، فقد أخرجوها مني بطرقهم الخاصة، هذا عن شعري.

أما عن شعوري وأنا أُعتقل لأول مرة، أقول إن المعتقلات، حتى في العالم الأول، لا توزّع الحلوى والمشروبات المطعّمة على روادها، ولا تقابلهم بالحبور والترحيب والتصفيق الحار!! صراحةً كنت أتوقع ألا أعود ثانية، لحكم ما كان يجري آنذاك، وأعددت العدة لهذا الذهاب، بحيث أفرغت كل ما في جوفي وكل ما في متن كراساتي البالية في أشرطة كاسيت بمجهودي الخاص، مع مشاركة بعض الطيبين من الناس. ومن ثم أيقنت من هذه الرحلة أنه فعلًا كان هناك من الناس من أوصد باب بيته أمام الشهيد الرائع عبد الخالق محجوب، فبكيته ثانية!!

في هذه “المجارطة” لم أكتب وصاياي الأخيرة، لأنها بين القصائد، لكن المطاردين خذلوني بإقامة طيبة، لولا أنني في معتقل موصد، ربما لبُعد بورتسودان عن المركز، فإن الهيجان لم يصل بعد، أو لحداثة التجربة، أو لحسن حظي أن رماني بين أمينين أوجبوا عليّ أن أعترف أنهم كانوا في غاية اللطف، ولولا أنهم في ذلك المكان لحسبتهم بشرًا عاديين. المهم حشروني بين أفارقة من (مالي) وغيرها، هاربين من أوطانهم، وقد جيء بهم من وسط البحر الأحمر، أنقذهم خفر السواحل السودانية بعد أن قذف بهم قبطان السفينة إلى الأمواج. وكان رجال الأمن مشغولين في كيف يعيدونهم إلى بلدانهم، كما أن واحدًا منهم كان مكلفًا بحراسة رجل من أهلنا بالشرق يحمل جواز سفر عربي بتهمة التهريب. بعد أيام “فرّ زولي” في غرفة حبس منفصلة، لأصحو ذات صباح وأجد واحدًا بجانبي، المكلف بحراسة المهرّب، فقلت له:

جابوك تحرسني

أحرس لك شنو!! أنا بقيت زيك واحد، المهرّب هرب!

هرب ولاّ هربتو..؟

لا والله، زاغ مني في قهوة!

نسيت أن أقول إننا اكتشفنا وجود (البلي) بيننا. من جاء بهذا (البلي)؟ وهل له استعمالات أخرى؟ لم نهتم بهذا السؤال، وانطلقنا نلعب به في غياب الضابط.

بعد تخرجي منهم وجدتني أردد لنفسي: “ربك قدر ولطف يا حمدي، بعد ده البلد طوالي”، وما كانت البلد، كان الصراع بيني وبين رؤسائي في العمل، إلى أن تم رفتي بعد محاكمة صورية، كان قرارها جاهزًا وحجتها قوية (الغياب عن العمل)!! لم أهتم بشيء سوى “يا حمدي البلد طوالي”.. كانت البلد، فكان أدب القصائد ينتظرني هناك.

  •  قصدت بسؤالي السابق حكومة (مايو)، يُقال إنها وضعتك قيد الإقامة الجبرية واعتقلتك مرارًا؟

– لا.. لا.. (مايو) براء. حكومة (الإنقاذ) هي التي وضعتني قيد الإقامة الجبرية في نوري، وحرّموا عليّ صعود المنابر والمشاركة في الحفلات والليالي الشعرية بخطاب رسمي. وبما أنها نوري، فهم لم يأتوا بكفر أو بإيمان، فلا أحد يشتهي مغادرة أهله إلا طلبًا للرزق أو العلم أو العلاج أو أي ضرورة حياتية أخرى، كما أن الكلام في القرى لا يحتاج إلى منابر. فالناس هناك يحادثون بعضهم البعض ويقضون أغراضهم عن طريق الحيطان!! كما أنهم يقابلون بعضهم البعض أكثر من خمس مرات في اليوم الواحد.

أما (مايو) فلم تعتقلني إلا لساعات قلائل، تم استدعائي واستجوابي فيها بخصوص بعض القصائد التي سرقها أحد طلابهم من درج مكتبي وسلمها لهم. ولأنها كانت بخط يدي، لذا لم يكن من سبيل لإنكارها والتملص منها. بعدها طلبوا مني أن أحضر لهم وليّ أمري في اليوم التالي. جئتهم بصديق من أبناء حلّتي، فيه بسطة في الجسم ويكبرني قليلًا، وقت أن كان يحقلوا في شعره الذي يتدلى على كتفيه. صرفهم بملاطفتهم، وأفادهم بأنه خالي ويعمل بالتجارة، وقبل أن يسمع كلامهم إلى آخره التفت نحوي وقام بتوبيخي أمامهم في غلظة أهل القرى وبعبارات جافة وقاسية مثل: “جبناك عشان تقرأ ولاّ تباري الكلام الفارغ (طعم الدروس)، وعرفناها كما جابت لها نعل حكومة!! بعد ما تمرق من هني حا أوريك يا كلب..”.

حاش الضابط يد خالي المخول في الهواء، وطلب منه أن يوقّع على تعهدهم المعهود. مضى خالي المخول ومضيت بجانبه على التعهد، ومضينا لحالنا ونحن نتجاذب أطراف الحديث: “القصايد وين يا حمِّيد؟ القصايد عندهم.. كان تقول لي كنت شلتها منهم.. الضابط ده راجل طيب داير يمشينا وبس، وإلا لكنا في خبر كان”.

بعد ذلك بزمن طردوني من المدرسة كما أسلفت، وعاكسوني في الحصول على وظيفة إلا بعد لأي. بعدها عملوا كل ما من شأنه أن يُبقيني كاتبًا وإلى الأبد، ثم جاءت (الإنقاذ) وتمت الناقصة!!

  • هناك تقاطعات بينك وبين الشاعرين المصريين أحمد فؤاد نجم وعبد الرحمن الأبنودي، هل كان لك اتصال بهما أم أنك كنت تغمس ريشتك في دواتهما دون أن تراهما؟

– هناك تقاطعات بيني وآخرين من شعراء الهامش في كل الدنيا. ومثلما أن لا عالم يعيش في عزلة عن الآخر، كما توصلت الأبحاث والتجارب العلمية مؤخرًا، كذلك على الشاعر أن يكون على صلة بزمانه وعلى اطلاع فيما أبدعه الآخرون في ميدان الكتابة متى أدرك لذلك سبيلًا، وبما أن لا شاعر ينوب عن الآخر في كتابة قصيدته كما ذكرت، فعلى الحركة النقدية، بحسبانها المسؤول الأول عن إثراء العملية الإبداعية، عليها أن تُضيء للناس هذه التقاطعات والمقاربات المنتشرة هنا وهناك بين كل شعراء العالم الذين ينتجون أغنياتهم من واقع غاية في الشبه من حيث التخلف والتهميش، ويرنون بأجنحتهم المرهقة إلى فضاءات مشرقة بالحلم والأمل في عالم أقل عتمة. فكل هؤلاء الشعراء يتنفسون هواءً واحدًا، ولكن كلًّا على قدر رئتيه. انظر إلى أغنيات مصطفى سيد أحمد، تجدها في معظمها تنتمي إلى ذلك البستان الواحد. صحيح أن أشجاره وأزهاره تتبارى في اللون والطعم والرائحة، إلا أنها في النهاية هي ما تشتهيه النفس السودانية، والتي هي في حقيقتها وفي خاتمتها نفس إنسانية. ألا ترى أنك أرهقت نفسك بالذهاب إلى مصر؟!! ليتك قلت محجوب شريف أو هاشم صديق أو القدال أو السر عثمان الطيب أو المادح حاج الماحي أو غيرهم. إذن لانكشفت لك أسرار ومعانٍ متقاطعات في ترادف بهي بين قصائدنا نحن أبناء ذلك الهامش (المصرم والمخشم والمنخمش)، والذي أنتج ذلكم الزخم الرائع من التراتيل العظيمة.

  • منحت المرأة في أشعارك وعيًا سياسيًا واجتماعيًا مبدعًا وخلاقًا، وأبدلتها نداوة العطر وخمول الفكر بجمر الحقيقة والتفاعل مع الأحداث بوعي تام. كيف تسنى لك الإمساك بتفاصيل امرأة مثل ست الدار أو السرة بت عوض الكريم، والتي لخصتها في أنها مرا من صميم ضهر الغلابة الما بتنكس راسًا غير ساعة الصلاة أو ترمي تيراب في التراب أو تستشف وجه الأديم؟!

– لا، لست أنا من منحها ذلك الوعي، هذا الوعي جاء نتاج مكابدة أرواح وتضحيات ممن صبروا وصابروا وباصروا حتى يحل الإنسان في جسد المرأة السودانية. فدعني أشد على الأيدي التي صنعت لنا هذا المجد ورسخت هذا التغيير من تنظيمات المجتمع المدني ومن بيوت أهلية ومن أناس معروفين، وعلى تلك الأقلام التي سكبت مدادها ودلقت حناجرها لتروي غرس هذه القيم. وبما أن هذه الثورة ينبغي أن تمضي لمبتغاها، فكان لا بد أن يحفها غناء من روحها ليرسخ ويبشر من جديد بقيم ومفاهيم أكثر رقيًا. أما فيما يليني مما ورثته من كل هذا، فإن علم الجمال عندي وعند آخرين لا يقرأ المرأة من زاوية الجسد، وإنما يقرأها آية من وطن ويفسرها إنسانًا مسكونًا بحلم لغدٍ أقل قبحًا. منذ أن انتبهت إلى فتيات بلدي الجميلات والقويات معًا، وتمعنت فيهن مليًا، اكتشفت أن من يوصفوهن يستلفون صور الشعر القديمة ويلصقونها بعناية أو يركبونها بخيال جامح على أجساد بناتي، واللاتي ليس فيهن تلك التي “الساق مليان لي نعاله”، ولا توجد ثمة علاقة جمالية بين عيون الصيد الغبية وعيونهن الذكية والبالغة المقاومة الذاتية لزحف جيوش التراكوما والرمد الربيعي والعشا الليلي وخلافه تحت غطاء جوي كثيف من طائرات (النِّمتّي والناموس). هذا فوق إصابات العمل الناتجة عن صعوبة سبل كسب العيش في السودان شمالًا (تش عويش القش والوقود)، والترابيات التي تكشحها رياح تلك البلاد الحارقة بشمسها التي تربض للناس أمام أبوابهم مزهوة بمناخ شبه الصحراء اللاهب صيفًا والغاضب شتاءً. كل ذلك ما كان ليترك لهن بريقًا في العيون لولا العناية الإلهية وقوة المقاومة الذاتية التي يتمتعن بها كما ذكرت. ضف إلى ذلك أن طلوع النخل وتسلق الأشجار (وورود الماء من الحفائر ونشله من الآبار البعيدة ونزول القيف وصعوده والسروح خلف السعية في المراعي الشحيحة والقصية وافتراش الأرض تحت لسع البعوض والقراص لا يورث الفتاة جسمًا طريًا ولا قوامًا لدنًا كما يتوهمون)!!

بيد أن هذه النهود التي تهتز تخفي تحتها سرطانا قاتلاً يتحين الوقت لينقض عليها (وده المجننا).

المهم، وقت أن انتبهت إلى هذا وغيره من مفاهيم وصور جمالية منبتة، أدركت أنهم يبيعوننا غناء فاسدًا ومغشوشًا، ولنكن منصفين فهو غناء قد عفا عليه الزمن. فتشت فيّ، فوجدتني شاعرًا خائبًا لم يحسن وصف فتاته بالقمر، فاستعاض عن ذلك بـ (نورا وامونة والطيبة وست الدار والسرة و… و…). صحيح أنهن نساء فتقن الجمال، ولكن ألا تراهن جنن أو جنين على أنفسهن بركضهن في شبق إلى وطن بلا رجال في حسنهن!!

  • (عم عبد الرحيم) مثل ساحة للعراك الذي ينشب في أذهان الغلابة بين المطلوب في حده الأدنى وبين المتاح في حده القاتل. أريد أن أسأل عن رمزية الموت الذي اخترته كإسدال لستار القصيدة. هل يعني ذلك أن لا أمل وأن الإحباط سيد الموقف؟

– انت أمته!! أما أنا كمتلقٍ لهذا العلم، لم أر موته. فعم عبد الرحيم أفهمه مثلًا، والمثال لا يموت. هذا العمل أراه غنيًا بالتحولات، حتى إن الموت فيه حالة تحوّل ليس إلا، في مشوار لا ينتهي إلا بملاقاة ذلك الذي يكدح له الإنسان. عم عبد الرحيم أفهمه متجدّدًا دائمًا، وما دعم لي هذا الفهم أن مصطفى سيد أحمد نفسه قد اكتشف هذا الفهم فعاد مرة أخرى إلى فتاح يا عليم.. الخ. من جديد، في ديمومة لا تنتهي. ليس معنى ذلك أنني مصيب فيما تبادر لي وفيما قادني النص إلى فهمه، ولا أنك مخطئ فيما تداعى لك ولغيرك من سامعيها. أعتقد أن مثل هذا البحث في القصائد يثريها ويفتح أبوابها المغلقة أمام الإدراك الشعبي ويجعلها متحركة في اتجاه متصاعد ومتلونة بمعانٍ كثيرة. وهنا تكمن القيمة الفنية لأي عمل، والتي تتلخص في أن تحرك ساكنًا حركة فيها شيء من الإيجاب، ولا يكون هناك إيجاب إلا إذا أضاء النص ركنًا مظلمًا في عقل يبحث عن الأبصار وأخرج شمسًا من أكمام العتمة.

والكلام عن قصيدة أو أغنية عم عبد الرحيم سانحة لكي أكرر هنا، إن كان ثمة فضل لهذا العمل، فيعود إلى الصديق الشاعر عوض فضيل في سابقته حماد ود سعيد، ولمصطفى سيد أحمد الذي كان له أن تكون بين الناس، ولكل الذين احتفوا بهذا عم عبد الرحيم بطرقهم الخاصة.

  • قبل أعوام كتبت قصيدتك الرائعة (الرجعة للبيت القديم)، وقد تضمنت دعوة صريحة للعودة لهدوء ومثاليات الريف، ثم هانتذا تحزم حقائبك الآن في اتجاه (نوري). هل الحياة في المدينة مؤلمة إلى حد هجرها والهروب منها؟

– الحياة في الريف أكثر إيلامًا وقسوة، حيث لا خدمات، بل لا حياة إلا لمن مات!! أعلم أنه صعب وقاسٍ، ولكنه ريفي، وهذه ليست مدينتي، إنها مدينتهم هم، ولا (داعي لثقل الدم). ثم أنه ليس من عادتي (التلبط) بأشياء الآخرين على أن أدع لهم مدينتهم وهم خيرون فيها، سمّها هروبًا، سمّها ما شئت. أما أنا، فقد تأخرت كثيرًا عن مثواي الأخير، والذي ملّ انتظاري. ليس عيبًا أن أعترف بفشلي في إتقان لغة هذه المدينة (الملولوة) بعد كل هذا المكوث، كما أنك تراني (زول قاعد ساكت زي الحيكومة واحد)!!

اسمح لي أن أحكي لك هذه الطرفة المتعلقة بهذا العمل (الرجعة للبيت القديم). لقد شتمني بعض أهلي من الشيوعيين في مجلتهم الداخلية بسبب هذه القصيدة، التي استدلوا بها على انضمامي للحزب الاتحادي الديمقراطي عن طريق وكيلي رجل الأعمال المعروف صلاح إدريس حسب ما ذكرت الصحف!! ولا أدري ماذا لو اطلعوا على ما كتبت من أنشودة لعودة السيد مولنا محمد عثمان الميرغني، والتي لم تتم وقتها على الرغم منا أن العديد من القوى السياسية والشعبية قد (توّرت نفسها) في الإعداد لهذه العودة، أو بكائي للصديق السيد محمد إسماعيل الأزهري، والتي فيها غناء واضح لاتحاديته أو مدحي للرسول صلى الله عليه وسلم!! أو.. أو.. مما يعده بعض المرضى والخائرين والخانعين، والذين ينفثون سمومهم الليلية في صغار الشعراء، سقوطًا مدويًا بعد أن أصابهم اليأس من التغيير الاجتماعي!!

عموما، وقت أن قرأت ذلك تذكرت أنه في ذات صباح، وعند رجوعي من المعتقل في أوائل التسعينيات، إذا بي أسمع نفسي من تلك الإذاعة أنبح بهذه القصيدة في صورتها الأولى، فما كان مني إلا أن صرخت في بنت أختي: “اقفلي الزفت”. ما بخصوص المجلة، فقد أصابني الدوار والغثيان من الكاتب والرثيان وود البلد الاتريان الشاعر في كبد فظيع من السياسي، حتى لو كان سياسية، أنهم جميعًا، أي السياسيين عندنا وفي كل الدنيا، قطفة ثمار المبدعين كما ذكرت، ولا حرج في ذلك.

  • كتبت بين (الموجة) و(الخزان) حلم إنسان وتغنيت بالسلام، وللسلام فنهض (الخزان سد مروي) وتحقق السلام اتفاقًا. هل من أحلام وطنية أخرى تداعب مخيلة (حمِّيد)؟

– اكتب عني: لا هو (خزاني) ولا هو سلامي. فخزاني وسلامي لا ينتجان ضررًا على الوطن والناس، فهما لا يهجران السكان لأماكن لا يرغبونها، ولا يصادران أراضي ولاية بحالها لصالح غرباء وآخرين تحت أي مسمى، ولا يهملان أمر التنمية في الشمال الحزين، علمًا بأن الكهرباء أعلى وأغلى بكثير من البترول في قيمتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ولا يقتسمان ثروة الوطن هكذا كصيادين تصادفًا في القنص، أو كمن يملكانه ملكًا حرًا، ولا يشترطان شرطة إلى نصفين في استفتاء أو في غيره، ولا يضران مدينة (أبيي)، ولا يرسما حدودًا لجسد واحد، بل ولا ينميان مشاعر البغضاء بين السودانيين عوضًا عن تأكيد الروح الأخوية الواحدة، ولا فيه حكومة للشمال وأخرى للجنوب، ولا.. مما لا يليق ولا يحق لأي كان أن يتصرف فيما لم يفوضه فيه أحد من المواطنين الحاليين أو القادمين مستقبلًا. كان الأصَح استغلال هاتين النعمتين بدلًا عن إدارتهما بهذه الطريقة التي فيها الطويل من قصر النظر. عموما، لا زلت أحلم بـ (خزاني) وسلامي على طريقتي الخاصة، وسلامًا على أهل دارفور، كان الله في عونهم.

اسمح لي أن أؤكد هنا أنني لست الوحيد الذي حلم بذلك، ما قمت به لا يتعدى كونه ترجمة لأحلام شعبي المستحقة!! أوليس من المخجل والمؤسف معًا أن يصبح بناء (خزان) وإرساء قيم السلام حلمًا في وطن هائل الثروات والقدرات وأهله طيبون ومتسامحون أصلا؟ قلبي على أولئك الذين يحلمون بوطن خالٍ من لسع البعوض وتفشي الملاريا!!

  • قصائدك يسارية وأنت رجل يميني (ختمي)، كيف استطعت فعل هذا التناقض بكل هذا الجمال، وما علاقتك بالحزب الشيوعي وبرموزه الذين مجدتهم ذات عاصفة وعاطفة؟

– كيف لك أن تسقط على ما هو ثقافي مفردات ومصطلحات السياسي القح!! ومالك كمن يرمي كل اليساريين السودانيين، وفيهم المسلمون والمسيحيون، ومن كل دين بالكفر والإلحاد وينفيهم عما يختارون من طرق صوفية؟!

ومن قال لك إن (الختمية)، وهي طريقة أهلي لفهم الدين، يمينية بذات المصطلح السياسي المنفر في ذلك المكان.. وطيب ما دام في تناقض. من أين يجئ الجمال نان!!

القصائد مقصدها القلب دائمًا، والخالق عز وجل هو الذي اختار لقلب الإنسان موضعًا في (اليسار)، وليس أنا!! بلغة أخرى، الشاعر عندما يضع قصيدته، يضعها كما تضع عرائس الأقمار أنوارها، يهتدي بها من يشاء، فهي من المشاع بين الناس وليس لأحد حق ادعائها بابوية زائفة. طبعًا الشاعر بطبيعة خلقه لا يمكنه الوقوف متفرجًا في ظل مجتمع تناحري، فلابد له أن يحدد موقفه من هذا الصراع، و(اليساريون) (مجازًا) وجدوا في شعرنا أنه يختصر لهم الكثير من المسائل الفكرية المعقدة، والتي تحتاج زمانًا وزمانًا حتى يدرك العامة من الناس أبعادها، لأن الأغنية لا حابس لها، كما أنها سريعة الذوبان في النفس الإنسانية. وهم، أي (اليساريون)، يعدون أنفسهم من ذات الحلم الذي فيها. فمن الطبيعي إذن أن يكونوا على اتساق والتصاق بها، وممن يعني ويعتني بها في حفاوة بالغة أكثر من الآخرين، والذين يرون الغناء رجسًا من عمل الشيطان فاجتنبوه.

أما نحن معشر الشعراء، ما علينا بهم جميعًا، ولأننا فقراء و(مطاليق) هكذا كالهواء، نأتي إلى المنتديات على نفقتنا وبطرقنا الخاصة، ولا أحد يتحمل عنا مغبة الغناء لشعبنا، فكل من يوفر منبرًا حرًا وآذانًا صاغية لقصائدنا نشكره أولًا قبل أن ندخل (حوش) القصيد.

عليك أن تعلم أن ليس كل اليساريين من محبي الشعر، ففيهم من لا يحفظ بيتًا واحدًا عدا بيته السامق!!

صحيح أن الكثيرين من الناس بحثوا عن اليسار وعثروا عليه عن طريق أغنيات وردي ومحمد الأمين وعركي ومصطفى سيد أحمد وقصائد الدوش وهاشم صديق ومحجوب شريف وغيرهم ممن تواطأوا مع الوطن ضد أي قبح والتحموا بنبض الجماهير، ولكن كل هؤلاء المغنين والشعراء لم تكن تلك مهمتهم، ولا هو همهم من الغناء أو الشعر، ولم يكن شرطًا من الشروط أن تجذب تلك الأغنيات والقصائد متعاطفًا مع الحزب الشيوعي، ولم يكتبها أصحابها لتكون لافتات على طريق (اليسار)، كما أن المغنين لم يغنوا أغنياتهم لتكون طُعمًا، أو شركًا ينصب لتجنيد الأعضاء للحزب الشيوعي، وليس شرطًا أن تكون شيوعيًا حتى تغني مع الناس (جميلة ومستحيلة)، ولا (محجوب شريف) نفسه يكتب بتكليف من فرع منطقته أو عمله. كذلك ليس شرطًا من شروط الإبداع أن تكون عضوًا في الحزب الشيوعي، وإن كان شرطًا ضروريًا من شروط الشيوعي أن تكون مبدعًا وخلاقًا في مجالك وعلى سلوك قويم بين مجتمعك.

فالمبدعون في كل الدنيا، والسودانيون منهم لهم حلم وأمل في غد لن يأتي به غير هذا الشعب النبيل وقتما يدرك بوعي نابض معنى أن يعيش لينتصر لكونه ليس أقل شأنًا من الذين ظفروا بها أو يكدحون لأجلها تلك (الجميلة ومستحيلة).

علاقتي بالحزب الشيوعي!! مالك تسألني ذات أسئلتهم.. على كلٍ عليّ أن أقول إن (حمِّيد)، واستنادًا على معرفتي اللصيقة به، وكما ذكر مرارًا، لم تكن له أية علاقة بالحزب الشيوعي عندما كتب كل (نوراته) و(جوابات ست الدار بت أحمد للزين ود حامد) و(هاشم الأخضر)، هذه الأخيرة فيها تمجيد سافر وتبرج مجيد لشهداء حركة التصحيح في يوليو 1791م، والتي بسببها أُهدر الإسلاميون دمه ورموه بالإلحاد، حتى إن أحد الشيوعيين ومن كثرة ما أثاروا خاف بعد الانتفاضة على حل الحزب الشيوعي بسبب شاعر هذه المرة!!

المهم أن (حمِّيد) لم يمجدهم لذواتهم ولا لكونهم رموزًا للحزب الشيوعي، وإنما هم الذين مجدوا تلك القصائد بما وهبوه من مهج غاليات لأجل أن يحضن العالم ربيعًا، وأن يصحو على فجر بديع، ولما أضافوا عليها من وهج لتشع من جديد. ثم ليسوا هم وحدهم من مجدهم (حمِّيد) أو مجدوا قصائده، فالكثيرون من (الأمجاد) يزينون قصائد الشعراء السودانيين ومن بينهم (حمِّيد). إن نغني لشهدائنا هذا أضعف الوجدان. أنت تعلم بالمقابل أن لسع قصائد (حمِّيد) لم يستثن أحدًا من الخائرين في كل مجتمع الساسة، وهذا أمر بديهي، لا تستطيع القصيدة الخروج لمقابلة من لا تثق فيه.

إذن، تحميل القصائد فوق ما تحتمل ووضع اللافتات الحزبية عليها يجعل الشاعر مستهدفًا من البعض وهدفًا لآخرين، وقد يضعه ذلك في المكان الخطأ، أو في مكان لم يرتاده إطلاقًا، مما يصيبه بالرهق!!

دعني أقول: دعوا المبدعين لما خلقهم الله من إبداع لشعبهم، دعوهم يفسحون خيول خيالهم ما شاء لهم الجمال، ولا ترهقونهم بتلك القيود الثقال، وابعدوا شباككم وشراككم وفخاخكم ونبلكم وخراطيشكم عن العصافير، ولا تشغلونها عن الغناء لوطن (البنفسج).

ودعني أقول أيضًا: كل منظمات وتنظيمات المجتمع المدني السوداني، والتي الديمقراطية شرطًا من شروطها، على العين والرأس، فنحن نكاد الآن نبدأ في بناء مجتمع مدني يضطلع بدوره نحو هذا البني آدم السوداني الجميل. والمهم هنا أن ننتج ذلك المجتمع القادر على تحصين هويتنا السودانية من خطر الاندثار والتلاشي أمام هذا الزحف الهائل علينا والمدمر لنا من كل الاتجاهات. ليت السياسيين يؤدون وينجزون واجبهم اليوم مثلما يفعل الفنانون الشرفاء.

  • أنت الشاعر الوحيد الذي يمكننا أن نقول إن قصائده متحركة وغير ثابتة، بمعنى أنك تعمل فيها حتى بعد خروجها للناس. فالكثير من قصائدك التي قرأناها مبكرًا عدنا وقرأناها بإضافات جديدة، هل أنت مشغول بالكمال، أم ترى فراغات في قصائدك لا نراها نحن، تسعى لملئها دائمًا؟

– من أين جئت بعبارة “الشاعر الوحيد” هذه؟! فالقصيدة عندي وعند الكثيرين عمل لا ينتهي لحكم قانونها كمخلوق حي، يحمل بين مسامه عوامل تجدده وتطوره. إنها نبتة سحرية تستجيب فقط للرذاذ المكنوز في غيمة شاعرها لتزدان بأوراق وفروع وثمر نضيد، كما لا أعتقد أن هنالك شاعرًا لا يعود إلى قصيدته ليتفقدها من حين إلى حين، ولو من باب الاطمئنان على عائلته.

القصيدة فعل دائم لا ينتهي إلا برحيل فاعله، لذا فكل ما تجده أمامك الآن قابل للتدخل متى ما اقتضت الضرورة الفنية والجمالية وتطورات الواقع الشعري، والذي هو في حركة دائمة. أرى أن القصيدة فضاء مفتوحًا على مصراعيه، وفيه الكثير من النجوم المخبأة، والتي متى ما توفرت للشاعر رؤيتها، ينبغي عليه أن يوفر للمتلقي فرصة أن يراها.

  • قصيدتك (الضو وجهجهة التساب) تجعلني أوقن أن من كتب هذه القصيدة ساحر وليس شاعرًا، فهي غنية بالصور الدرامية المؤثرة، ثم إن وجوه المأساة فيها متعددة، ولشخوصها أصوات تمثل كل أبعاد الفجيعة. حدثنا عن فكرة القصيدة ومراحل تطورها إلى أن اكتملت بهذا الشكل الدرامي المستحيل؟

– عليّ أن أقول لك شكرًا على هذا الإطراء الذي لا أستحقه، فانا أشتغل شغلي ولا أنتظر حافزًا من الآخرين. يمكن أن نقول إن سر هذا العمل يأتي لكونه اعتمد على الالتقاط من أفواه المفجوعين بفيضانات العام 1988 القومية، أولئك البشر الذين تركتهم السلطات يصدون حتى الصدأ لوحدهم وبأذرعهم فيضان نهر غاضب موّار لم يروا مثله من قبل، ولا طاقة لهم به.

فيما يلي، فقد قمت بتجميع هذه الصراخات من هنا وهناك حتى صارت كما هي عليه، فإن كان ثمة فضل في هذا العمل فهو أولًا وأخيرًا لأولئك الذين دائمًا هم المحرك الأول لكل ما هو جميل، وإنها لبضاعتهم، وأرجو أن أكون قد رددتها لهم غير منقوصة.

بالمناسبة، أخذت (علقتي) على هذا العمل بأثر رجعي، فقد كتبته كما تعلم أبان حكومة الأحزاب ليكون من أجندة استجوابهم. في الحقيقة، معظم العلقات والزنقات كانت عن أثر رجعي لما كتب قبل العام 1989م، وأغلبها لتشفّي شخصي للغاية ولتصفية حسابات قديمة بينهم وبين والدي (الخليفة) حسن سالم، عليه رحمة الله، والذي كان يهزمهم مجتمعين ويغيظهم دائمًا (أيام جبهة الميثاق الإسلامي) بـ(لا تضليل باسم الدين.. وحتى.. نحنا نأيد حزب السيد.. إلى أن عاش أبو هاشم حوض العاشم). والنصيحة لله، لديهم الحق في كل ما فعلوا، لأن آباؤنا لم يتركوا لسمومهم أن تندس في دسم الدين.. لهم حق، بس ما قدر ده!!

  • قصائدك الأخيرة أتت مهادنة، هل لأنك تعايشت مع الواقع، أم أن اليأس من التغيير الذي تنشده قد تسلل إلى نفسك؟

– بالله عليك تعال، وأنا أمدك بالنصوص حسب تسلسلها التاريخي، وأكون سعيدًا باختيار قصائدي حتى أزداد يقينًا أنها لا تخالف الواقع إلا بمقدار ما في ذلك الواقع من تعرجات لا يراها الآخرون.

فقصائدي الأخيرة كلها تتحدث عن السلام.. السلام.. والسلام، وليس السلام الكلام، وذلك منذ انتفاضة أبريل. وهذا الأمر بالطبع به متسع لا متناهي من الحلم، فالسلام هو ما تحتاجه هذه الأرض لينعم الإنسان بالطمأنينة والأمن والاستقرار.

عليك أن تتخيل أرضًا خالية من أسلحة الدمار الشامل، وغطرسة الحكام، وأطماع البعض في خيرات الآخرين. أما مسألة الثورة فلا أدري مفهومك عنها، عمومًا أرى أن أي نص متماسك وجميل هو نص ثوري ما دام قد كتب بصدق واستوفى كل الشروط الجمالية. أي ثورة أعظم من الجمال؟!

أما مسألة (الثورة) بذلك المفهوم، يا سيدي، نحن لسنا وحدنا المعنيين بتثوير الناس على الضالين من الحكام، وإنما نتوسل الناس أن يعيدوا قراءة الواقع بأفق مفتوح لصياغته وفق رؤاهم من جديد. فالقصيدة لا تقترح حلًا لأحد، هي تضئ وتبصر الناس تحت ضوء الجمال، وهم وحدهم المعنيون بأخذ الحياة، وتغيير الواقع لا يقع تحت عبء الشاعر أو الفنان لوحده، والثورة لا تأتي استجابة لأماني الشعراء، وإلا لامتلأ العالم ثورات وثورات. وإنما هناك ظروف موضوعية تؤدي للثورة، مثلما هناك قانون معلوم يؤدي لـ(الخورة)، وهذه الخورة من الخور.

  • ناهضت حكومات العسكر وحكومات الأحزاب والحكومات الشمولية. ما هو شكل ومضمون الحكم الذي يُسكت غضبك ويصرف مدادك إلى موضوعات أخرى؟

– لقد سألوني ذات مرة في معتقل بكريمة هذا السؤال وبالنص. فأجبتهم بالحرف الواحد: ذلك الذي يملأ حفائرنا وجداولنا بالمياه ويساعدنا على الحياة. فنحن أهل زراعة.

الآن يمكنني أن أقول: ذلك الذي بين نبضات قصائد وأغنيات وموسيقى ولوحات وكتابات العديد من المبدعين الرائعين، ومن بينهم (حمِّيد)، وهو ذاته الذي بين جنبات الرائعين من أهل بلادي الفقراء. لاحظ أنني لم أقل ذلك الذي بين برامج بعض الأحزاب السياسية أو خطب الوزراء، حتى لا أوصم بالمبالغة!!

  • يقال إن الإنقاذيين يقرؤونك أو يسمعونك سرًا؟!

– ليس سرًا ما داموا يسمعونني، فأنا أغني بصوت عالٍ للغاية ومبث في كل الأماكن، وليس ثمة ما يدعوهم إلى هذه السرية. فأنا لم أكتب إلا ليقرأني كل محبي الشعر من كل الأجناس، ثم إن أغنياتي وقصائدي حائمة بين الناس. ثم إن شعري ليس مكرسًا فقط لمناهضة الحكومات الشمولية والديكتاتورية لوحدها، بل إن ما أنتجته من أغنيات (سادة) يسع الجميع تقاسمه، قرابة الثلاثين مغنيًا ومغنية، هذا غير الذي ينتظر صاحب نصيبه. فالشاعر لا يكون في خصومة مع نفر من الناس إلا بمقدار ما في أولئك الناس من حنق عليه وعلى موطنه وعلى قصائده.

صحيح أن نظام الإنقاذ، شأنه شأن كل الأنظمة العسكرية والشمولية التي مرت علينا، بادرنا بالعداء، وعاملنا معاملة العتاة من المجرمين وأقسى من المعارضين السياسيين، مع أنه رفع ذات الشعار الذي في قصائدنا، حتى إن أحد الأصدقاء صاح بي: (الإنقاذ في شهرها الأول) “ياخينا شعرك ده بعد كده موصو واشربو. الجماعة ديل تبنوهو بالنص!!” طبعًا لا أدري كيف فات عليه أن السياسيين، خاصة المغامرين منهم، كلهم قطفة ثمار، والوصول إلى السلطة في كل العالم يتطلب شراء شعاراتها من أفئدة الفقراء والبائسين من الشعب.

قلت إنهم عاملونا تلك المعاملة ونحن معشر الشعراء المغلوبين على شعرنا لا شأن لشعرنا بالإجرام ولا بالمعارضة السياسية على تلك الشاكلة. فشعرنا يهتم بالمقاومة، مقاومة القبح في أي ثوب كان، ومن بينه قبح السلطان.

ستقول وما الفرق؟ أقول لك إن المعارضين يطلبون السلطة السياسية على الشعب والوطن بكل خيراته المادية والروحية، بما فيها الشعراء، ولهم أدواتهم ووسائلهم، إلى ذلك ومن بينها البندقية، كما أنهم مثلما أوردت يقطفون ثمار كدح المرهقين من المبدعين في كل مجال، واليهم تؤول. غير أن المقاومين من الشعراء يحضون الشعب إلى وطن بلا متسلط، وكل وسائلهم وأدواتهم في ذلك الحس والحرث الجمالي على أرض الواقع، ويحثونه بطول نفس عميق. أظن أن ما من شاعر يصفق له عامة الشعب يسعى لأن يكون سلطانًا عليهم في يوم من الأيام.

  • البعض يتحدث عن علاقة حمِّيد ببعض أهل السلطة ويرى في ذلك نكوصًا غير محمود. ماذا تقول لهم؟ 

– يا أخي لو كانت العلاقات الإنسانية تُبنى على الأيديولوجيات، لامتلأت الشوارع بالمطلقين والطالقات من نساء ورجال هذه البلاد!! تجدني شديد الوفاء لكل أصدقائي من كل طيف، بما فيهم المجانين من البشر، وتراني محصنًا بالعاديين من الناس، الذين لا ولن يسمحوا لشاعري أن ينزع جلده الذي ألفوه، ولا أن ينزغ نحو علاقة لا تأتي هكذا كماء المطر بلا تكلف.

بعدين، لماذا يكون حرامًا أن يكون لهم علاقة بي حمِّيد؟ مثل ما قلت لي أحد أصدقائي دايمًا: “مباري فلان وعلان من ناس البلد الذين هم على مكانة عالية من حسن المعشر”. أحلال على السياسيين من كل جنس أن تزدهر بينهم العلاقات، وحرام على أي مبدع أن تكون له علاقة إنسانية بأي سياسي آخر، حتى لو كان من لحمه ودمه!! فهذه العلاقة، حتى وإن كانت لها جذور قديمة، يعدها البعض سقوطًا مدويًا، مثلما حدث للفرعون وردي!!

طبعًا غلبك تسألني مباشرة علاقتك شنو بمن تحتاجون أنتم معشر المحاورين وعمال الصحافة إلى لعثمات ومقدمات طويلة لتأتوا إلى أسمائهم، أما أنا فشأني شأن أهلهم، أناديهم بلا ألقاب ونتجاذب أطراف الحديث في المشترك من شؤون.

بالمناسبة أقول لك هسع: ده تهف لي من قعدتي دي، أمشي توش ناس صلاح قوش “مالك طيرت عيونك كدي؟ أدرك سبب ذلك وسوف أحكي لك عنه فقط عليك ألا تمل”.

أقيل واتونس: فلان دار يعرس، فلاني طلقوها، علان راقد إسْبِتالي، ونتغالط، المريخ راح يغلب الهلال والعكس، والولد ده غناي والعكس، ونتفق أن المواصلات صعبة، وأجي صاد لا شايل ورقة ولا راجع بيها، ولا يا صلاح أنا دايرك لحظة، لكنني “خت تحتها خطين” لا أسعى إطلاقًا للظفر بمقابلة السيد الفريق الركن صلاح عبد الله محمد صالح، هو دحين وزير ولا مدير جهاز الاستخبارات والأمن الوطني بمفردي، مش أنا براي الكدي ناس كتار.

بالمناسبة، وليس دفاعًا عن الرجل، الكثيرون من خصومه السياسيين ظلوا يصورونه وحشًا ضاريًا ومصاص دماء، وعلقوا عليه شخصيًا كل مرتكبات نظام الإنقاذ مستغلين في ذلك سمعة الأجهزة الأمنية السيئة والمتخثرة في كل أنحاء الدنيا، وقالوا فيه ما لم يقله مالك في الخمر، خارجين بذلك عن التحليل العلمي السليم وبصيرته النافذة، ومن كثر ما عزفوا على هذه الوتيرة حسبتهم يقصدون شخصًا غير هذا (الصلاح).

وعبد الله وحمد صالح، توثقت علاقتي باسرتهما منذ أواخر السبعينيات في بورتسودان، والتي هي أبعد من مدينة اتبرا، وبالتالي هي الأشَد غربة لأمثالي من المرخرخين في مسألة البعد عن البلد. هذا الصلاح، وبحكم نشأته في ذلك البيت الكبير والمفتوح لكل القاصدين مدينة بورتسودان من طلاب العلم والباحثين عن الرزق والعابرين للأراضي المقدسة للحج أو الزج بأنفسهم في اتون الاغتراب، هذا فوق انحداره من نوري ونوري أفلح، قرية في تربية أبنائها هذا البيت، بيت ناس عمك عبد الله، والذي أحفظه وغيري جيدًا.

لا يقوى مجتمع على ذبح دجاجة واحدة إلا لضيف أو مريض، شأنه في ذلك شأن معظم بيوت ناس السودان الذين يكشون من رائحة الدم حتى دم خروف الكرامة أو الضحية أو السماية، وذات الخصوم لصلاح، ومن بينهم إنقاذيون عادوا بعد حادثة غزو أم درمان يكيلون له المدح، أوشكوا أن يصبحوه بطلًا قوميًا!!

اسمع هذه الطرفة المتداولة عند أهل الحركة الشعبية: شكا رجل من السياسيين أن صلاح بوش كان يشرف على تعذيبه، وذلك بإجلاسه على كرسي ذي ثلاث شعب (أرجل). وصلت هذه الشكاية إلى الراحل العظيم د.جون قرنق، فرد مازحًا: “أبو ثلاثة أرجل منو؟ هو ولا الكرسي”؟!

الغريب أن صلاح قوش جمعته بالرجل السياسي في إحدى المناسبات، ولم يعرفه الرجل، فما كان من قوش إلا أن ضحك مليًا في صمته، وعرفه بنفسه بين جمع من الناس، فبهت الرجل السياسي (الضليع). حتى المسؤولون في الدولة ينادونه صلاح بوش ويلتفتون إليه!! وشتان ما بين بوش وقوش، والأخير عالم رياضيات هندي كما أظن!!

حتى لا يذهب الشامتون بعيدًا، أقول إن علاقتي بكل الناس من كل طيف هي لله، كما أراها، وما علي بطبيعة شغلهم بعد ذلك، وأنا عندي كبير الجمل.

نافلة القول: إن مثل هذه العلاقة لم تجعل القائمين على أمر النشر المرئي والمسموع والمقروء بفتح المجال أمام قصائدي، أو على الأقل تلك التي تمجد السلام من زاويتها الخاصة، كما أنها لم تشفع لي في أن لا أخذ نصيبي من تلك الفظائع. أظل هكذا أجتر الكثير من مرارات تلكم الأيام، وهي لن تمنعني متى ما سنحت الظروف من رفع دعوى قضائية على النظام القائم بشقائقه، لأنه كان سببًا مباشرًا في قطع عيشي وتشريدي عن الوطن.

  • هل كان هنالك رد فعل مباشر من محبيك تجاه هذه العلاقة أو غيرها من العلاقات؟

– طبعًا.. فأحد أولاد البلد كتب قصيدة بحالها هجاني فيها هجاءً مرًا بسبب هذه العلاقة العادية جدًا، والتي جمعتني بهم في منظمة خيرية تضم كل ألوان الطيف من أجل النهوض بالمنطقة. تلك القصيدة، لو وافق ناظمها على نشرها، ليس لدي ما يمنع، فهذه رؤيته وهذا تقديره للعلاقة، مع أنه ندم عليها بعد أن تكشفت له الأمور، وقت أن قدمت له المنظمة مجهودًا رائعًا في مجال شأنها شأن خطها العام، والذي لا يستثني مؤسسة أو جهة أو أسرة تستحق مد يد العون لها.

ثم إنك سبق أن شتمتني في جريدة (الوفاق) بسبب علاقتي مع رجل الأعمال صلاح إدريس، وأظنك ندمت على ذلك.

  • النظر إلى الوطن من الداخل هل يختلف عن النظر إليه من الخارج، بخاصة وأنك كنت مغتربًا على الشاطئ الآخر من البحر؟ 

– ذرني أبدأ من النهاية: كما أجبت ذات سؤال، هي ليست غربة، إنما ظروف اضطرتني للنجاة بجلدي، وكثيرًا ما أوضحت أن السبب المباشر في هذا الخروج عن نص الوطن هو وصية الراحل مصطفى سيد أحمد، والسبب الآخر لأظل على قيد الحياة، فقد حاصروني بصورة ممتازة، ونجحوا في خنق حركة قصيدتي حد التصفية.

وبالرغم من أنها فترة بها الكثير من المرارة، ما يصيب المواطن السوداني عادة لحظة خروجه مرغمًا عن الوطن، إلا أنها جعلتني أرى الناس والوطن والتجربة الشعرية بموضوعية أرحب، وعرفتني على الكثير مما يندرج تحت فوائد السفر، رغم أنها أصابتني بالعميق من العشق للزول السوداني، مما صعب عليّ احتضانه في القصيدة دون بكاء. بمناسبة مصطفى سيد أحمد، فقد ألغت تجربته الغنائية مصطلح شاعر غنائي أو الشعر الغنائي، وتغنى بنصوص ما كان يمكن أن تغنى لولاه، ومن ضمنها بعض نصوصك. كيف كانت رحلة الآمال والآلام بينك ومصطفى، وماذا تقول عنه بعد كل هذه السنوات؟

قلت كثيرًا إنها علاقة حوش إنساني، كان خشم بابه الغناء، والمجال لا يسمح بسرد كل تفاصيلها. وقلت إنني أعتقد أنه قد اغتيل عن قصد أو بحسن نية، المهم أنهم اغتالوه أو أننا قتلناه، أو قتل نفسه متعمدًا بالغناء على تلك الطريقة المقصرة للآجال. سيتذكر العالم ساعة فواق أنه طرد فنانًا خلاقًا ومنع عنه الحياة، لا لشيء إلا لأنه قد جاءه مبكرًا بعض العشق.

* هنالك دائمًا علاقة جدلية بين حمِّيد والأنظمة السياسية على اختلاف مشاربها ومآربها، والناس يختلفون حول هذه العلاقة. الكثير من الحكايات، نريد أن نعرف حقيقة ما جرى معك والإنقاذ في أيامها الأولى من اعتقال أو مساومة؟ }

– يا الله… تاااااااني.. يا أخي، الإنقاذ عندما لم تجد من تعتقله من الناس، انشقت إلى نصفين، لا لشيء إلا ليعتقل نصفها. النصف الآخر كما يتهكم البعض عليها!! ثم إنني لست مناضلًا إلا بقدر قصيدتي، التي لا بطولة في بيت من بيوتها، بل فيها أقل ما يمكن تقديمه من واجب عزاء لفقدي، أو عربون وفاء تجاه بلدي. أنا لا أحبذ الحديث عن اعتقالاتهم لي، لأن فيها الكثير من المرارات التي من الصعب غفرانها أو نسيانها. باختصار شديد، هم كانوا يتمنون لي مصير قريبي الشاعر أبو ذر الغفاري، والذي لم تنجُه هشاشة جسمه منهم، أخذوه ذات يوم ولم يعد حتى الآن. بدورنا، بحثنا عنه في كل الدنيا ولم نعثر على أثر له، ففوضنا أمرنا لله، خالق الشاعر وقاتله معًا. فالشعراء، يا سيدي، لا أحد يفتقدهم سوى أهليهم وأصدقائهم المقربين والمخلصين من الناس. وأهم ذلك، أن النظام الذي يظن في شاعر ما أكثر مما في قلبه من القصيد، وأوهم أكثر ذلك الشاعر أنه لسان شعبه فحسب، لن يصبح ملكًا سياسيًا في يوم من الأيام، لأنه لا ولن يصلح إلا لما هو ميسر له.

في ما يخصني، بدأت أنظر للأمر كأنه مؤامرة متفق عليها بين الإنقاذ وكبار معارضيها على شعراء المقاومة السودانية، ممن ذاقوا الأمرّين في سبيل الكلمة “المعارضون يبثون قصائدك دون استئذان ويستخدمونها في مقارعة أهل الإنقاذ، وهؤلاء يرونك نجوم السماء في وضح النهار”. وفي الأخير يجلس الخصمان اللدودان لبعضهما بعيدًا عن القصيدة، فيتصايحون ويتنابذون ليباركونها في النهاية حكومة وحدة وطنية!! أو كما يقول ذلك المثل السود أماراتي: (شيخ يسكر.. وشيخ يسفر!!)

* فهل تجد تفسيرًا لاقتسامهم سلطة وثروة البلد وترك الأمة السودانية بشعرائها هائمين على ظهورهم يتبعهم الغاوون؟

– أنا لم أجد تفسيرًا لكيف أن معظم الذين أصدروا الأوامر لاعتقالي أو أشرفوا على تعذيبي هم الآن في الضفة الأخرى من الإنقاذ، في جوفي من يعتقد أن الإنقاذ هم أولئك الذين رحلوا للضفة الأخرى أو كانوا، وما عليّ بخطل السياسيين، أو أنهم أولئك الذين يحملون السلاح مناضلين ضد النظام في دارفور، مثلما لا أجد تفسيرًا لعزل المبدعين عن كل الملتقيات التي تتدبر في قضايا الوطن الجامعة، وعلى رأسها قضية الحرب والسلام.

وكمثال أخير، ملتقى أهل السودان الجامع للسلام وعدم توجيه الدعوة لأي كيان فاعل منهم، إلا لكون السياسيين هم قطفة ثمار المبدعين. ومع ذلك، سنغني للسلام العام، سلام مجتمعنا القادم، لا سلامهم الخاص، والحمد لله أن معظمهم لن يعمر أكثر مما عمر.

أما بخصوص مساومتهم لي، فقد كانوا كثيرًا ما يعرضون عليّ أشرطة لشعراء ومغنين بائسين وهم يشاركونهم احتفالات أعيادهم، ويلتفتون نحوي في مكاواة عقيمة!! أما إذا كنت تقصد تلك المساومة الكريهة، فهم لا يساومون من طرف..!

الحق يقال، إنهم رغم كل شيء، فقد كان البعض منهم يقدّر حمِّيد الشاعر بحق ويدرك أصلي وفصلي جيدًا. يبدو أنها سانحة لأعترف أيضًا أنه بعد عودتي من السعودية، لم يتم استدعائي سوى مرة واحدة، دي ما الإنقاذ، دي حكومة الوحدة الوطنية!! بسبب ورود اسمي ضمن المشاركين في فعالية كان من المزمع قيامها في جامعة الخرطوم وفاء لشهداء رمضان. الغريب في الأمر أنهم هم من أعلموني بتلك المشاركة، المهم أنهم كانوا كمن يحتفل بي أولًا. مالنا نحن الشعراء، دائمًا ما نعترف بالجميل من حيث أتى، ومالي أقر أنه ساعة أن يكون الأمن أمنًا وطنيًا وليس أمنًا لنظام ما، قد نضجت تمامًا، فشكرًا لكل الذين يكدحون لذلك.

  • ما دام أن الأمر كذلك، كيف استطعت السفر عبر مطاراتها إلى الخارج؟

– من قال لك إنها مطارات!! هو مطار واحد، ولأننا نحب الزيادات، فنحن نقول لسائق التاكسي: “ماشين مطار الخرطوم!!” وكأن هناك مطار غيره. ثم من قال لك إن المطار كان مغلقًا!! صحيح أنه يوجد حظر للأسماء في الداخلية، ولكن كان المطار مفتوحًا على مصراعيه كخشم الدول الشحاذة. فمن مصلحة الإنقاذيين آنذاك أن يخلو لهم وجه الوطن، وأن يترك الناس لهم السودان لتصبح لهم هموم أخرى، مثل أن ينشغلوا بالاطمئنان على (عقابهم) عن طريق التلفون، مما يوفر دعمًا سخّيًا لخزينتهم، وهذا ما كان لهم!!

للأسف الشديد، بلع السياسيون والمثقفون طعم خصومهم، فأقاموا حفلات العبور في المنافي فرحًا بنجاتهم، وهم يحكون عن بطولة كيف فلتوا إلى هنا ليحلّلوا الحصول على ذلك الكرت الأخضر، ومنهم من اغتنم فرصته في تحسين الأوضاع المعيشية والدراسية له ولأبنائه، واكتفى بالنضال عبر الفضائيات والشبكات والمواقع الإلكترونية، ولم يفتح الله على أي جهة منهم بكلمة طيبة تخفف قليلًا عن هذا المغفل النافع!!

  • من تقرأ ومن هو الصوت الشعري الذي تشعر بالدهشة أمامه؟

– أنا لا أقرأ في هذه الأيام إلا في صلاتي، بالإضافة إلى الفاتحة على الراحلين من الأقارب والأصدقاء والمعارف، وما أكثرهم هذه الأيام، وكذلك اللافتات التي تعينني على الوصول عند زيارتي لأحد من الناس، وأرقام كروت شحن الهاتف وعناوين الأخبار. لكنّي أسمع، لأسمع، وأرى، لأرى، سمعت وسمعت، ورأيت ورأيت، وأسأل الله أن يكون في عون هذه البلاد، فأنا أسمع صمتًا داويًا، وأرى شجرًا يسير.

  • المنابر التي ترتادها، هل هي منابر مشروطة؟

– لا أذيع سرًا إن قلت إنني ألبي كل الدعوات التي تصلني من أي جهة ترغب في تقديمي لجمهورها بشكل يليق بالشعر وبالشاعر، متى ما سمحت الظروف لذلك، ولا أسأل تلك الجهة عن أي ثوب سياسي ترتديه. ببساطة، لأنني أثق تمامًا في قدرة قصيدتي على اختراق كل المسامع وفرض خطها الوجداني الجميل على الجميع.

باختصار شديد، يمكنني الهتاف أن قصيدتي قد انتصرت أخيرًا.

  • أشعارك منحت البعض ملاذًا آمنًا، فماذا منحتك أنت؟

إن كان ذلك كذلك، فشكرًا لاشعاري، فهذا يعني عليّ أن أنسى أنها لخبطت بعضًا من نموي الطبيعي بين أقراني منذ أخريات صباي وبدايات شبابي، وهي تحملني مسؤولية الشاعر كما أسلفت.

على أن أنسى أنها كانت سببًا مباشرًا في طردي من المدرسة قبيل امتحانات الشهادة السودانية، ومن ثم الاكتفاء بدرجة نجاح متواضعة عن مواصلة الدراسة.

على أن أنسى أنها تسببت في بقائي عاطلًا عن العمل ردحًا من الزمن لسوء سلوكي إبّان نظام مايو.

على أن أنسى أنها عوقتني عن الترقي في العمل لهروبي الدائم إلى حيث تنتظرني المنابر الطلابية في وضح النهار.

على أن أنسى أنها كانت سببًا وجيهًا لاعتقالي وتشريدي، ومن ثم فصلي عن العمل.

على أن أنسى كل تلك (التلاتل) التي لا قيتها منهم.

على أن أنسى مرارات الغربة (الصح صح) وليست تلك التي في (أتبرا).

على أن أنسى أنني نسيت كل ذلك!

  • ما هو ما يشغل حمِّيد الآن؟

– تدابير الرحيل عن هذه القرية الظالم أهلها، وتدبير الاستقرار الأبدي هناك في نوري، حيث على الأقل لن ترى كل هذا المؤلم على الطرقات وبين الصدور. أنا ممتن لكل الذين أحبوا مكوثي بينهم، ولكن للضرورة أحكام، وأسأل الله أن يخارج كل أبناء الهامش من هذا القرف المميت.

ودعناكم الله ونسمع عنكم كل خير.

من المحرر:

فاتني أن أسأل حمِّيد عن: هل القصيدة تستحق مثل كل هذا العناء!! وفاتني أن أسأله عن جدوى قصائد المقاومة في بلد يعلق شعبه على القدر كل إخفاقاته، وفاتني أن أسأله عن الكثير المثير، ولكني أعد القراء بعودة أخرى إلى حيث حوش القصيد كما يقول حمِّيد، وإلى حيث تنمو المفردات المدهشة في جوف هذا الشاعر المستحيل.

أنا ممتن لحمِّيد على هذا الحوار، والذي أراد به أن يطلق شمسًا أخرى مع شموس أشعاره التي لا تغيب. فالعبارة التي تجعلنا نصفق متعة ودهشة في أشعاره، وجدناها هنا على مدار خمس حلقات ممتعات. فاللغة عند حمِّيد هي خادمة الفكرة وليست غاية في حد ذاتها، ولأن الأفكار أفكار جديدة استوجبت لغة جديدة وتشكيلًا جديدًا، لحمِّيد ولنا عودة.

#ملف_الهدف_الثقافي #محمد_الحسن_سالم_حميد #الذكرى_14 #حوار_حميد #عثمان_عوض_ضرار #الشاعر_الإنسان #صوت_الغبش #الثقافة_السودانية #الوعي_الثوري #القصيدة_السودانية #الأدب_السوداني #عم_عبدالرحيم #ست_الدار #نوري #اليسار_واليمين #السلام_والوطن #إبداع_حر #الضو_وجهجهة_التساب #طعم_الدروس #شعر_العامية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.