محمد حمزة
“تعال قص البلد وارجع تعال أدّ الغبش طلة”
و”حبابك الف حبابك الف.. يا لَبَانة في الزمن المراحو نشف.. ويا جَبَانة للخُوّانة والعوج البدور ويلف.. دميرتنا البتروي جرف”
وقبل هذا قد كان فينا مرجوًّا، قبل ثمانٍ سِمانٍ بالحسرة عجافٍ، بما عداها. كان الحميٍّد فينا مرجوًّا قيادةً وريادةً وسيادةً، قائدًا همّامًا وبطلًا مغوارًا، بسيف الحرف ودرع الكلام ولسع الرمز وسهام الفكر النافذة.
عندما كان الزمان في أوج الابتهاج، وعندما كان المكان يعجّ بالأمان والاطمئنان، وعندما كانت الدنيا في كامل زخرفها وعزّها، لا يكدر حسن وجهها سوى طعنات لوجع السياسة، وقليل ظلمٍ من بعض ذوي القربى، ومرارات هنا وهناك؛ وقد كان طيّابها الذي يُبلسمها هو الشاعر الرؤوف محمد الحسن سالم حميٍّد، بدواء قصيد الحياة الطهور، ويهدهدها بيدين عامرتين بالرحمة، مليئتين بالحنان، يمسح بهما على الرؤوس برفقٍ رفيقٍ متى ما شاء وكيفما أراد، رغم المنافي والعذاب؛ فيبرئ الحزين ويضمّد أنّة المجروح لحظات صدحٍ ماهرٍ ساحرٍ عذبٍ جميل: “أغنّي لشعبي ومين يمنعني.. أغنّي لقلبي إذا لوعني.. مخيّر دربي إن ما رجّعني.. إذا طلّعني نخلة القرب، ولا الغربة الكدرومية.. بتنزل غنوتي بي قمرية.. أو وقعني في بطن الجب، باطلع يوسف بالأغنية”.
حتى إذا ازيّنت أرض الأحلام كرةً أخرى، واكتست بعشب الحنان وعشم الأمان، وظننا أننا قادرون عليها، امتدت للمنون يدٌ وقطفت رمانة الميزان؛ (حميٍّدنا)، ليتوجّع الزمان ويئنّ بأسره المكان، فتتوشّح السُّرّة بت عوض الكريم ثوب البؤس والحداد، كأمٍّ تُكلت بهاشمها الآخر، وهي تردد: “الله يا رب العالمين.. الما جحدنا نعمته في الشوف والسمع.. في الجابو ما قصّر حَمُد.. في الشالو ما قلنا له وين ماشيبو وين”.
ولتفجع نورا، الأخت الوطن “نورا بت الواطة، أخيتي نورا، أخت كل الغلابا”، في عزّ حاجتها له، مفتقدةً حنينه ساعة قولٍ متجردٍ ونكران ذات: “أصلي لمن أدور أجيك باجيك.. لا بتعجزني المسافة.. لا بيقيف بيناتنا عارض.. لا الظروف تمسك بأيدي.. ولا من الأيام مخافة.. يا نفس فجر القصائد يا بلادي”.
وتكاد تموت طيبة، الحبيبة والزوجة، كمدًا من وخز سنان الأحزان وآهات الترمل وأوجاع الرحيل، وهي تجترّ قوله لها بأسى مفجع: “كل ما تباعد بينا عوارض.. كل ما هواك يا طيبة مكني.. تلد الغربة القرب الواحد.. بيك اسمي الشوق وأكني”، وتشتهي غناء الوجد والحنين “حبيبة قلبي يا سودانية يا أسمى معاني في زول بيعاني”.
وكتلك تفقده جارته ست الدار بت أحمد، وهي تستدنيه لتحكي له همسًا أناتها وأشواقها وآلامها وهمومها، ليبثها كتابةً في جواباتها للزين ود حامد ومرماها: “بالي معاك يا الزين ود حامد.. بالي هناك والشوق الشوق.. خلّى شدير الجوف محروق.. راجي مطيرة الزين ود حامد.. نحن نصاحًا واطاتنا”.
وتفقده كتلك أيضًا المستنيرة ست نور، ليتحدث باسمها ويفند حججها لصويحباتها بقتل (الكلب) (رمزًا)، لتنعم الدور ومن فيهن بالراحة والهناء.
ويفتقده حاج الزين في إيصال رسائله لست الدار: “ست الدار سامعاني يا أخيتي ومرتي وأم الكل.. أنا بانده لك من شارع الله، فوقي هجير والتحتي بُقُل.. سُبي معاي الشردوا راجلك والحرمونا شوية الضل”.
وكذلك يفتقده العم عبد الرحيم، وكمٌّ كبير من الكادحين من “كلّات المواني والغبش التعاني”، في مواساته لهم. وافتقده كذلك المتفلسفون المتفيقهون الذين ليس لهم نصيب من شعره إلا بمقدار ما يُدخل المِخيط في المحيط ويُخرج! حيث لا ناقة لهم في درّه المنثور ولا جمل! ونحن أيضًا نعود القهقرى في دروب الأحزان؛ فقد لا يحلو لنا سمر، ولا يضيء عتمات ليالينا قمر، بعد أن تفرق الندامى وانفضّ السامر وانجلى موكب الصحاب الصادقين بذهاب حميٍّد وفقده الأليم.
حميٍّد رواية مختلفة لم يروها من قبل راوٍ، ولم يُخلّد مثلها في سفر التاريخ قاص؛ فقد أنجبته (مريم أخرى) بمخاض رحيم، نبيًّا للإنسانية ورسولًا للإيثار وللخير وللعطاء. ووضعته في وطنٍ فسيحٍ مترامي الخيرات ونخلاتٍ باسقات، لو تركوه ليهزّ جذعها لتساقط على الجميع رطبًا جنيًا، ولكن كانت الحقبة حقبة فراعين أشدّاء، بأسهم عليه شديد. وهو يهتف:
“ما شكيت شح الليالي.. وما بكيت نُح شلتو حالي.. إلا كُت في الحارة بصرخ.. يا وطن عند الشدايد.. يا وطن عز الشدايد”.
أما نحن فلا يسعنا إلا أن نقول قولك:
“باغتنا ريح الفجعة ليل.. فرنب في جوفنا مرابنات الصبر.. شال سعن الجلد، صابنا الذهول.. زي التكنو قبل دا ما فارقنا زول بعد الرسول.. ولا التقول أول قلوب في الدنيا يغشاها القدر.. بعدن تضيع منّو الدروب.. تنطمبج الساحات حريق”.. ونستغفر الله العظيم.
اللهم ارحم عبدك محمد الحسن سالم حميٍّد وأحسن إليه.
#ملف_الهدف_الثقافي #محمد_الحسن_سالم_حميد #الذكرى_14 #محمد_حمزة #جرح_لا_يندمل #نبي_الإنسانية #رسول_الإيثار #نورا_الوطن #ست_الدار #الزين_ود_حامد #عم_عبد_الرحيم #سرة_بت_عوض_الكريم #شعر_العامية #السودان #نخلة_القرب #الغربة_الكدرومية #قصيد_الحياة #عز_الشدايد #ريح_الفجعة #إرث_حميد

Leave a Reply