أبجدية الطين والثورة.. قراءة في الميتافيزيقيا الشعرية عند (حمِّيد)

صحيفة الهدف

محمد شريف
ليس الشعر عند محمد الحسن سالم (حمِّيد) ترفًا لغويًا أو تزجيةً للوقت، بل هو “مانيفستو” وجداني صيغ بعرق الكادحين وطمي النيل. وحين نتأمل ديوانه الضخم، نجد أنفسنا أمام هندسة لغوية فريدة، ترتكز على أعمدة مفاهيمية تتكرر بعفوية مدهشة، لترسم ملامح “يوتوبيا” سودانية، بطلها الإنسان البسيط، ومسرحها الأرض الممتدة من الشمال الذي نبت فيه، إلى الشرق الذي عرق فيه، وصولًا إلى كل شبر في (نادوس) العظيمة.
تتصدر مفردات “الوطن، الأرض، الحلة” هرم حمِّيد الشعري، حيث لا يظهر الوطن بوصفه شعارًا سياسيًا مجردًا، بل باعتباره “الواطة” التي يحرثها “التربال”، و”الساس” الذي يُبنى عليه الحلم. في قصيدة “نادوس”، يتحول الوطن إلى كائن حي يسكن تفاصيل الحياة اليومية، كما في قوله:
“أصلي لمن أدور أجيك.. بجيك
لا ولا من الأيام مخافة..”
فالوطن عند حمِّيد هو الحبيبة التي تُغسل بماء النيل، وهو الأرض التي لا تُمتلك إلا بالكدح، إذ إن الأرض في فلسفته هي للكادحين لا لورثة الامتيازات.
وتأتي مفردة “العمال” ومترادفاتها مثل “الغبش، الكادحين” لتشكّل عصب التجربة الشعرية لديه. لقد كان حمِّيد نبيًا لهؤلاء الذين “ينتجون عشرين حتة” ولا يجدون قوت يومهم. ففي “جوابات ست الدار”، تتحول كلمة العمال من توصيف مهني إلى دلالة نضالية، كما في قوله:
“مائتين عامل في فد مرة.. مائتين عامل
يبقوا هوامل.. يبقوا هوامل؟”
هؤلاء الغبش هم وقود الثورة وشعلة الفجر، وهم الذين نقشوا بعرقهم ودمائهم ملامح التاريخ السوداني المعاصر.
ويبرز “المطر” بمرادفاته مثل “الدعاش، الرذاذ، الغيمة” رمزًا للخلاص، حيث يمثّل البشارة التي تنهي جدب الروح والقهر السياسي. وفي المقابل، يظهر “النيل” و”البحر” كشرايين للحياة والصمود؛ فالنيل في شعر حمِّيد ليس نهرًا صامتًا، بل شاهدًا حيًا، يغضب ويثور ويهدأ وفقًا لإيقاع وجع الناس.
ورغم قسوة الواقع، تظل مفردات “الشمس، الفجر، الضوي” حاضرة بقوة في ديوانه، فهو شاعر لا يعرف اليأس. حتى في أحلك اللحظات، يظل ينادي:
“يا ضوّي.. يا فجر القصائد
يا شمس اليوم التاني”
هذا الإصرار على الإشراق هو ما جعل شعره محركًا للوعي، إذ يبشر بنهار لا مكان فيه للظلم.
وفي المقابل، يتشكل قاموس موازٍ من “الوجع، الآهة، الجرح، الليل، الظلام”، حيث يتحول الليل إلى استعارة للاستبداد والقهر و”الكتمة” التي تخنق أنفاس الغلابة. غير أن هذا الوجع لا يأتي للاستجداء، بل بوصفه وعيًا منتجًا، جرحًا يضيء لا يطفئ. يقول:
“كترت فينا الجراح والملح..”
إنه وجعٌ يدفع نحو الفعل، لا نحو الاستسلام.
كما تبرز ثنائية (السفر، الغربة) بوصفها ظلالًا للمأساة السودانية، حيث تمثل “الغربة الكدرومية” اقتلاعًا من الجذور. وفي مقابلها، يحضر “الحلم، العشم، الفال” كأفقٍ للمقاومة، إذ يزرع حمِّيد “أشجار الفال” في قلوب الناس، ويجعل من الحلم سلاحًا أخيرًا في مواجهة الانكسار.
إن تكرار هذه المفردات في ديوان حمِّيد ليس تكرارًا شكليًا، بل تعبير عن وحدة حال مع الناس. فهو لم يكتب عن المطر لأنه جميل، بل لأنه حياة لمن لا حياة له، ولم يكتب عن العمال تملقًا، بل لأنه كان واحدًا منهم، يتقاسم معهم رصيف الموانئ ومرارة الواقع.
هكذا يتحول قاموس حمِّيد إلى ما يشبه “دستور الأرض”؛ كلمات نبتت من الطمي، وتعمّدت بماء النيل، واحترقت بشمس الهجير، لتصبح نشيدًا دائمًا لكل من يحلم بوطن “حدادي مدادي”، وطن يسع الجميع، ويشرق فيه الفجر على الغبش قبل غيرهم.
سيبقى حمِّيد حاضرًا في الدعاش، في عرق العمال، في صمود النخيل؛ لم يرحل، بل سافر في بحر الشجن، ليظل منارة تهدي التائهين إلى شواطئ الوطن الحقيقي.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.