ستّ النفر عوض عمر
وفق تقارير الأمم المتحدة، دخلت إلى السودان منذ بداية الحرب في أبريل (2023م) أكثر من مليون طن من المساعدات الإنسانية عبر مختلف المنافذ، بقيمةٍ تجاوزت (3) مليارات دولار. ويعلن برنامج الأغذية العالمي أنّ أكثر من (25) مليون سوداني يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد. هذه الأرقام تضع السؤال مباشرةً: أين ذهبت كل هذه المساعدات؟
في لحظات الانهيار الكبرى، حين تتراجع الدولة عن وظائفها الأساسية، يُفترض أن تتقدّم الإنسانية لتعويض هذا الغياب. لكن ما تكشفه الوقائع في السودان اليوم، وتحديدًا في مدينة بورتسودان بوصفها مركزًا إداريًا مؤقتًا، يشير إلى مفارقةٍ قاسية: حين تُختطف الإغاثة نفسها، يتحوّل الفعل الإنساني إلى جزءٍ من الأزمة، لا إلى حلٍّ لها.
وفق ما أورده تقرير إعلامي نقلًا عن ناشطين ومتطوّعين، فإن كمياتٍ كبيرةً من المساعدات الإنسانية التي تدفّقت إلى السودان لم تصل إلى مستحقيها، بل تسرّبت إلى الأسواق، حيث تُباع مواد غذائية مخصّصة للتوزيع المجاني في محالّ تجارية وعبر باعة، في مشهدٍ يختزل مأساةً مركّبة: مجاعةٌ في الأطراف.. وفائضٌ مُتاجرٌ به في المركز.
هذه الظاهرة لا يمكن قراءتها بوصفها انحرافًا فرديًا أو حالات فسادٍ معزولة، بل هي أقرب إلى ما يمكن تسميته بـ(اقتصاد الإغاثة الموازي)، حيث تتحوّل المساعدات إلى موردٍ قابلٍ للاستخلاص والربح داخل شبكاتٍ مرتبطةٍ بمراكز النفوذ.
الدولة، في تعريفها الكلاسيكي، هي الكيان الذي يحتكر تنظيم الموارد وتوزيعها وفق معايير العدالة العامة. لكن في سياقات الحرب، تتعرّض هذه الوظيفة لتشوّهٍ عميق. فبدلًا من أن تكون الدولة وسيطًا محايدًا بين المساعدات الدولية والمجتمع، تتحوّل، وفق ما تشير إليه الشهادات، إلى فاعلٍ داخل شبكة توزيعٍ غير رسمية، تُعاد فيها توجيه الموارد من مسارها الإنساني إلى مسارات السوق.حينها، لا يعود السؤال: لماذا لا تصل المساعدات؟ بل يصبح: من يعيد تعريف وظيفة المساعدة ذاتها؟
أخطر ما في هذه الظاهرة ليس فقط حرمان النازحين من حقوقهم، بل تفكيك المعنى الأخلاقي للإغاثة. فالمساعدات التي يُكتب عليها (تُوزّع مجانًا)، حين تُعرض للبيع، لا تفقد فقط قيمتها المادية المجانية، بل تفقد رمزيتها كفعل تضامنٍ إنساني.وهنا يتحوّل الفعل الإنساني إلى سلعة، والتضامن إلى فرصة ربح، والكارثة إلى سوق. هذه النقلة تمثّل، في بعدها الفلسفي، انتقالًا من اقتصاد الضرورة إلى اقتصاد الاستغلال، حيث تُستثمر معاناة الناس نفسها بوصفها موردًا اقتصاديًا.
لكن المسؤولية لا تقع على الجهات المحلية وحدها. فالمانحون الدوليون، الذين يضخّون مئات الملايين في السودان، غالبًا ما يفتقرون إلى آليات رقابةٍ فعّالة تضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها. وتشير تقارير ميدانية إلى وجود مخاطر كبيرة لفساد وتحويل المساعدات في مناطق النزاع. إنّ غياب الشفافية في توزيع المساعدات، وتفضيل المانحين العمل عبر وسطاء محليين غير موثوقين، كلّها عوامل تُسهم في تغذية اقتصاد الظل هذا.
الشهادات التي تشير إلى تورّط (مسؤولين عن مخازن الإغاثة)، ووجود وسطاء بين المسؤولين والتجّار، تفتح الباب أمام فهمٍ أعمق: نحن لسنا أمام تسرّبٍ عشوائي، بل أمام بنيةٍ شبكية تعمل عبر حلقات: جهة تستلم المساعدات، وجهة تتحكّم في التخزين، ووسطاء ينقلونها إلى السوق، وتجار يعيدون تسعيرها. هذه السلسلة تعني أنّ الفساد لم يعد مجرّد فعلٍ فردي، بل أصبح نظام توزيعٍ بديلًا.
واحدة من أكثر الصور دلالةً هي تلك التي تجمع بين حقيقتين متناقضتين: وصول آلاف الأطنان من المساعدات، وبقاء مئات الآلاف دون دعم. هذه المفارقة تعكس خللًا عميقًا فيما يمكن تسميته بـ(العدالة التوزيعية) في زمن الحرب.فالأزمة لم تعد أزمة نقص موارد، بل أزمة توجيهٍ وإدارةٍ وإرادةٍ سياسية.
هذه الظاهرة تطرح سؤالًا أكبر من مجرّد الفساد: هل ما تزال الدولة قادرةً على ممارسة سيادتها على مواردها؟ فعندما تدخل المساعدات من الخارج، وتُعاد صياغة مسارها داخليًا عبر شبكاتٍ غير رسمية، تصبح السيادة نفسها موضع شك؛ ليس لأن الخارج يفرض إرادته، بل لأن الداخل يعيد توظيف الموارد وفق منطقٍ مصلحيٍّ ضيّق.
قد يبدو من السهل إدانة هذه الممارسات بوصفها فسادًا، لكن القراءة الأعمق تقتضي فهمها كعرضٍ لخللٍ بنيويٍّ أوسع: تفكّك مؤسسات الدولة، غياب الرقابة، اقتصاد حربٍ قائمٍ على الندرة، وتآكل المعايير الأخلاقية تحت ضغط البقاء. في مثل هذه البيئة، يصبح الفساد ليس استثناءً، بل أحد أنماط التنظيم غير المعلنة.
إن أخطر ما تكشفه هذه الوقائع ليس فقط ضياع المساعدات، بل ضياع المعنى الذي قامت عليه.فحين تُنهب الإغاثة، لا يُنهب الغذاء فقط، بل تُنهب الثقة، وتُنهب فكرة التضامن، وتُنهب إنسانية المجتمع نفسه. وفي لحظةٍ كهذه، لا يعود السؤال: كيف نُدخل المساعدات؟ بل يصبح السؤال الأعمق: كيف نعيد بناء منظومةٍ أخلاقيةٍ وسياسية تجعل من وصولها إلى مستحقيها أمرًا ممكنًا؟ لأن المجتمعات لا تنهار فقط حين تجوع، بل حين تفقد الإيمان بأن العدالة ممكنة.
هذه الظاهرة ليست خاصّةً بالسودان وحده.ففي اليمن وسوريا وليبيا، تحوّلت المساعدات الإنسانية في كثيرٍ من الأحيان إلى أداةٍ جيوسياسية بيد الأطراف المتحاربة، وأداة ضغطٍ بيد المانحين الدوليين. وقد أكّدت تقارير أممية أنّ بعض الأطراف في النزاع السوري استخدمت وصول المساعدات كورقة تفاوض، بينما في اليمن تحوّلت الموانئ الخاضعة لسيطرة أطراف النزاع إلى مراكز لتحويل المساعدات إلى سلعٍ تُباع في الأسواق السوداء. هذا البعد الإقليمي يؤكّد أنّ اقتصاد الإغاثة الموازي ليس مجرّد فسادٍ محلي، بل هو جزءٌ من إعادة تشكيل الصراعات وفق منطق السيطرة على الموارد.
المعالجة تتطلّب الوقف الفوري غير المشروط للحرب، والمعالجة الجذرية للاقتصاد، وبناء الدولة السودانية المدنية على أسس التعدّدية والديمقراطية والتنمية المتوازنة. وأولى هذه الخطوات هي البناء والعمل من خلال الجبهة الشعبية العريضة للديمقراطية والتغيير.
ما العمل؟
1/ وقف الحرب كشرطٍ أساسي: فاقتصاد الظل لن ينتهي دون إنهاء النزاع الذي يغذّيه.
2/ آليات رقابة مستقلة: إنشاء هيئات رقابية مستقلة تضم ممثلين عن المجتمع المدني والنازحين لمتابعة توزيع المساعدات ونشر تقارير دورية.
3/ الشفافية الإلزامية: إلزام المنظمات المانحة والمحلية بنشر تفاصيل المساعدات (الكميات، الوجهات، المستفيدون) على منصّات رقمية مفتوحة.
4/ محاكمة الفاسدين: كسر ثقافة الإفلات من العقاب عبر محاكماتٍ علنيةٍ للمتورّطين في نهب المساعدات.
5/ تفعيل دور المجتمع المدني: دعم المبادرات المحلية التي أثبتت كفاءتها في إيصال المساعدات بدلًا من الاعتماد على شبكات المحسوبية.
#ملف_الهدف_الاقتصادي

Leave a Reply