أزمة الأدوية في ظل الحرب

صحيفة الهدف

درية الأزيرق
ارتبط توفّر الدواء في السودان بقدرة الاقتصاد على الاستيراد، فـ(70%) من الاحتياجات الدوائية تأتي من الخارج، لكن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023م حوّلت هذه المعادلة إلى كابوس؛ إذ لم تقتصر الخسائر على الأرواح، بل امتدت إلى انهيارٍ صامتٍ في البنية التحتية الطبية. فقد خسر صندوق الإمدادات الطبية أكثر من (500) مليون دولار نتيجة نهبٍ وتدميرٍ ممنهجٍ طال (130) مركبة، إضافةً إلى نهب مستودعاتٍ مركزيةٍ وأنظمة معلوماتٍ كاملة، وهو ما يعني عمليًا أن الاقتصاد الطبي فقد رأسماله اللوجستي طوال فترة الحرب.
عالميًا، أدّت اضطرابات مضيق هرمز إلى احتجاز شحنات أدوية بقيمة (600) ألف دولار كانت مخصّصة لنحو (400) ألف طفل، الأمر الذي دفع المنظمات إلى إعادة التوجيه عبر النقل البرّي والبحري، بتكاليف شحنٍ إضافيةٍ تتراوح ما بين (1000) إلى (2000) دولار لكل حاوية، بينما ارتفعت أسعار التأمين والشحن الإجمالية بنسبة (25 إلى 30%) بسبب تحويل السفن حول رأس الرجاء الصالح.
انعكست هذه التكاليف مباشرةً على أسعار الأدوية في بلدٍ يعاني أصلًا من تضخّمٍ متوحّشٍ وشحٍّ في النقد الأجنبي. إنّ شحّ العملة الأجنبية هو الأمر الأكثر إيلامًا؛ فمنذ انفصال الجنوب وفقدان (75%) من النفط، ظلّ السودان عاجزًا عن توفير الدولار اللازم للاستيراد. ومع اتّساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي، حاول مجلس الأدوية والسموم التدخّل لتحديد سعر الصرف المحتسب في تسعير الدواء وإجبار الشركات على خفض الأسعار، لكن تلك السياسات أتت بنتائج عكسية؛ إذ انسحبت شركات الاستيراد من السوق لعدم جدوى الأمر، مع اتّساع رقعة السوق السوداء، وهو ما أدّى بدوره إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطن العادي.
تُقدَّر الخسائر الصحية المباشرة بنحو (11) مليار دولار، علمًا بأن بلادنا تحتاج إلى نحو (300) مليون دولار على الأقل لتأمين الحد الأدنى من الأدوية المنقذة للحياة.
إن استيراد الدواء يعتمد على النقد الأجنبي، والنقد الأجنبي يحتاج إلى الاستقرار؛ غير أنّ الحرب أضعفت الإنتاج، وأثّرت بشكلٍ كبيرٍ على توقّف الصناعات المحلية للأدوية.
ختامًا: الشكر أجزله للمملكة العربية السعودية، ممثّلةً في مركز الملك سلمان، الذي تبرّع بأدويةٍ منقذةٍ للحياة تجاوزت قيمتها (134) مليون دولار.
#ملف_الهدف_الاقتصادي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.