من “الفوضى الخلّاقة” إلى الضبط الوظيفي، إعادة تشكيل المشرق العربي بين غياب السيادة وضرورة النهوض القومي

صحيفة الهدف

كتب عثمان حاج عمر .

لم تكن الح.روب التي ضربت المشرق العربي خلال العقود الأربعة الأخيرة مجرّد تتابعٍ لأزماتٍ معزولة، بل كانت، في جوهرها، هندسةً ممنهجة لاستراتيجية، استهدفت كسر الدولة العربية وتفكيك قدرتها على الفعل التاريخي. فمنذ الح.رب الإيرانية على العراق، مرورًا بـح.رب الخليج الأولى، ثم غزو العراق 2003، وصولًا إلى الح.رب الأهلية السورية، جرى تدمير المراكز الصلبة للدولة، وإغراق المجتمعات في انقساماتٍ قات.لة، تمهيدًا لإخراجها من معادلة السيادة.

وفي قلب هذه العملية، تمّ توظيف الصعود الإيراني ، كأداةٍ وظيفية داخل بنية الفوضى. فقد مُنحت إيران هامش التمدد عبر شبكاتٍ مسلحة عابرة للحدود، كان أبرزها “حزب الله”، لتملأ الفراغ الذي خلّفه انهيار الدولة، وتُعيد تشكيل التوازنات على قاعدة الولاء والارتباط الخارجي، لا على قاعدة السيادة الوطنية. وهكذا تحوّلت “المقاومة” من فعلٍ تحرري جامع إلى أداة نفوذٍ إقليمي تُدار ضمن حساباتٍ تتجاوز المصلحة العربية الوطنية والقومية.

غير أنّ الح.رب الجارية اليوم تمثّل انتقالًا من مرحلة الفوضى  إلى مرحلة إعادة الضبط وإعادة توزيع الأدوار. فالمطلوب لم يعد تفجير الدول بقدر ما هو تثبيت تفككها في صيغٍ مستقرة وظيفيًا: دولٌ ضعيفة، سيادةٌ منقوصة، وقوى موازية مُقنّنة تُمسك بالميدان وتُؤمّن “الاستقرار” اللازم لتدفق المصالح والموارد.

في هذا الإطار، يُعاد رسم دور إيران: لا كقوةٍ صاعدة مفتوحة، بل كـفاعلٍ إقليمي منضبط، تُحجَّم أذرعه وتُعاد هندسة وظائفها. مع إعاقة عودة الدولة الوطنية الجامعة إلى جانب قوى مسلحة “مُشرعنة” تُدير التوازن الداخلي وتمنع قيام مركزٍ وطني مستقل. إنه استقرارٌ بلا حرية، ونظامٌ بلا سيادة—استقرار لخدمة النهب، لا لبناء التنمية.

وفي المقابل، يتقدّم دور الكيان الص.هيوني إلى مرتبة القوة فوق-الإقليمية التي تضع قواعد الاشتباك وتحدد سقوف القوة في المنطقة. ومع هذا التحول، يغدو التطبيع أمرًا واقعًا مفروضًا بمنطق القوة، لا خيارًا سياديًا حرًا، وتُعاد صياغة البيئة الإقليمية بما يضمن أمن التفوق الص.هيوني واندماجه الاقتصادي.

هكذا تتبلور معادلة قاسية:

إيران داخل الإقليم، لكن ضمن سقف مرسوم.

أذرعها قائمة، لكن بوظائف مضبوطة.

الدولة العربية موجودة شكليًا، غائبة فعليًا.

والكيان الص.هيوني في موقع المُنظِّم الأعلى لقواعد اللعبة.

نحو استنهاض المشروع القومي التحرري المستقل

أمام هذا المشهد، لا يكفي توصيف الاختلال، بل يفرض الواجب إعادة بناء الفعل العربي على أسسٍ تحررية واضحة. إن الخروج من حالة “الساحة والميدان لتحرك الٱخرين” إلى موقع “الفاعل” يمر عبر:

1) استعادة مركزية الدولة الوطنية السيادية

تفكيك نموذج “الدولة الهجينة” وبناء مؤسساتٍ موحّدة تحتكر السلاح والقرار، على قاعدة المواطنة والعدالة الاجتماعية.

2) فكّ الارتباط بكل أشكال التبعية

رفض الارتهان لمحاور إقليمية أو دولية—بما فيها التبعية لـإيران—وبناء قرارٍ عربي مستقل.

3) تصحيح تعريف المقاومة

إسقاط هذه المجاميع التي تمثل أدوات نفوذٍ خارجية وبناء قوى ذات فعل تحرري عربي جامع موجّه أساسًا ضد الهيمنة والاحتلال، لا موظّفًا في صراعات الوكالة.

4) بناء تكامل عربي فعلي

اقتصاديًا (سلاسل قيمة عربية، أمن غذائي/طاقي)، وأمنيًا (تنسيق دفاعي)، بما يخلق كتلة قادرة على التفاوض والردع.

5) إطلاق مشروع نهضوي حديث

يربط الحرية بالعدالة، والسيادة بالتنمية، ويُعيد الاعتبار للعقل والعلم والإنتاج، بدل اقتصاد الريع والتبعية.

الخاتمة،

إن ما يُراد للمنطقة ليس الفوضى في ذاتها، بل فوضى مُدارة تُنتج نظامًا بلا سيادة. والخطر الحقيقي لا يكمن فقط في قوة الخصوم، بل في غياب مشروعٍ عربي قادر على كسر هذه المعادلة. وحده المشروع القومي التحرري المستقل كفيلٌ بإعادة توحيد الإرادة، واسترجاع الدولة، ونقل الأمة من موقع المتلقّي إلى موقع الصانع للتاريخ.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.